تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوم معروفين كفروا بعد إيمانهم، ولكن التوبة مبسوطة لهم بقوله تعالى: (إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) [التوبة: 66]، فصح أنهم أظهروا التوبة والندامة واعترفوا بذنبهم. فمنهم من قبل الله تعالى توبته في الباطن عنده لعلمه تعالى بصحتها، ومنهم من لم تصح توبته في الباطن فهم المعذبون في الآخرة، وأما الظاهر فقد تاب جميعهم بنص الآية، وبالله تعالى التوفيق“ اهـ.

وهذا صريح في الآيات وليس فيها ولا في الأخبار أنهم أصروا على استهزائهم واستمروا فيه، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم عليه دون أن يقتلهم، بل إن في الآثار المروية في تفسير هذه الآيات كما هو عند الطبري وابن أبي حاتم، أن بعضهم كان يعتذر وهو متعلق بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة.. إظهاراً للتوبة والندم والرجوع..

وأما الذي جوّر الرسول صلى الله عليه وسلم وقال إنه لم يعدل ولا أراد بقسمته وجه الله.. فلا شك أنه مرتد - لأن هذا طعن في الرسالة المستلزمة للأمانة - وهذا ما فهمه خالد وعمر رضي الله عنهما مباشرة فاستأذنا النبي صلى الله عليه وسلم بقتله كما في روايات الحديث..

ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم أناط علّة نهيه عن قتل هذا وأمثاله - في بعض الروايات - بمخافة (أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) ولم يعلقها بعصمة دمه، كما هو الشأن في المسلمين، فدل على أنه كان كافراً بتلك المقولة، ولو كان مسلماً لكان ذاك الوصف عديم التأثير وغير مناسب في عصمة دم المعصوم، ولا يجوز تعليل الحكم بوصف لا أثر له، بل لا بد من تعليله بالوصف الذي هو مناط الحكم، وهذا معلوم في كلام أهل العلم في باب (تنقيح المناط).. وقد ذكر هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول ص(355).

أما عدم قتل النبي صلى الله عليه وسلم له ونهي عمر وخالد عن ذلك.

فالجواب عليه كما قال ابن حزم رحمه الله تعالى في المحلى (225/11):

”أن الله تعالى لم يكن أمر بعد بقتل من ارتد فلذلك لم يقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك نهى عن قتله، ثم أمره تعالى بعد ذلك بقتل من ارتد عن دينه، فنسخ تحريم قتلهم“.

وقال أيضاً فيه (11/411): ”أما القائل في قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم (هذه قسمة ما عدل فيها ولا أريد بها وجه الله تعالى).

فقد قلنا أن هذا كان يوم خيبر، وأن هذا قبل أن يأمر الله تعالى بقتل المرتدين، وليس في هذا الخبر أن قائل هذا القول ليس كافراً بقوله ذلك“ اهـ[3].

فظهر أن لا حجة لهم في ذلك كله، وأنهم لما أفلسوا من الحجج والأدلة، صاروا إلى مثل حوادث الأعيان هذه يريدون أن يناطحوا بها ذلك الأصل الأصيل والركن الوثيق الذي احتججنا به على كفر طواغيتهم إذا هدموه، ويدعون الناس ويأمرونهم بهدمه.. ولكن الهاوية التي انزلقوا ها هنا فيها أنهم بتلاعبهم في هذه الأخبار، وباحتجاجاتهم الفاسدة تلك قد نسبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم

كتابي ((فراعنة العصر في العراء)) · الصفحة ١٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

كتابي ((فراعنة العصر في العراء))ص ١٩٠