تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

* أما الحرج المذكور في الآية فهو ليس قيداً لنفي حقيقة الإيمان هنا، أو قيداً في كفر من امتنع من التسليم لحكم الله، وإنما وجوده - كما تقدم - زيادة في الكفر.. فالمتحرّج من شرع الله كافر سواء حَكّمَه أم لم يُحكّمْه..

والممتنع من التسليم لحكم الله كافر وإن لم يظهر التحرّج منه.. وقد يجتمع الكفران في شقي فيكون كفره كفراً مركباً.. فهو إذن زيادة حكم لا قيدٌ للحكم..

يقول الجصاص في (أحكام القرآن) عن هذه الآية بعد أن ذكر بعض معاني الحرج ومنها الضيق أو الشك: ”وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئاً من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو خارج من الإسلام.

سواء رده من جهة الشك..

أو ترك القبول والامتناع من التسليم..

وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع عن أداء الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم، لأن الله تعالى حكم بأن من لم يسلم للنبي صلى الله عليه وسلم فليس من أهل الإيمان“ اهـ.

ويقول ابن حزم في (الفِصَل) عن الآية ذاتها (3/235): ”فنص تعالى وأقسم بنفسه أنه لا يكون مؤمناً إلا بتحكيم النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما عَنّ، ثم يسلم بقلبه ولا يجد في نفسه حرجاً مما قضى.

فصح أن التحكيم شيء غير التسليم بالقلب، وأنه هو الإيمان الذي لا إيمان لمن لم يأت به“ اهـ.

والخلاصة يا أخا التوحيد، أن قضيتنا كما قلنا مرارا، مع أناس قد هدموا التوحيد فآمنوا بالطاغوت.. ولم يكفروا به.. وهذا ناقض من نواقض الإسلام والإيمان، وعمل كفري ظاهر لا يبحث فيه عن الاعتقاد او الاستحلال القلبي أو التحرج القلبي، ولا يجعل ذلك قيداً للكفر ها هنا.. إذ هذه أمور مغيبة وأسباب للكفر غير ظاهرة ولا منضبطة في أحكام الدنيا، ولا سبيل إلى معرفتها إلا من جهتين:

إما عن طريق الوحي، أو أن يصرّح مقترف الذنب ويتلفظ بلسانه ويخبر عن استحلاله وتحرجه القلبي..

واعلم أن القوم ها هنا قد تحقق فيهم كلا هذين الوجهين فهم من أكفر الخلق..

- فقد نصّ الوحي كما تقدم في الآيات على تكذيب إيمان من لم يكفر بالطاغوت وأراد التحاكم إليه، فنحن نحكم ببطلان إيمان أمثال هؤلاء ظاهراً وباطناً أيضاً تصديقاً لله وإيماناً بكلماته، (وهذا حكم وليس قيداً للحكم) ونُكذب هذا المتحاكم للطاغوت ولو زعم الصدق والإيمان والتوفيق والإحسان، ولو صرّح بأن الشريعة أفضل من دين الطاغوت وقانونه، وأقر بوجوب تحكيم الشرع أو قال: ادعوا لنا.. أو أعينونا.. ونحوه مما يضحكون به على السفهاء، ويرقّع به لهم المرقّعون الضالون.. ما دام مستمراً في التحاكم للطواغيت، داخلاً في دينها غير كافر بها.. هذا من جهة..

كتابي ((فراعنة العصر في العراء)) · الصفحة ١٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

كتابي ((فراعنة العصر في العراء))ص ١٨١