ومنها قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حَلاَلٌ وهذا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ على الله الكذب إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ على الله الكذب لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [ النحل : 116 - 117 ] .
فقد أوضحت الآية أن المشرعين غير ما شرعه الله إنما تصف ألسنتهم الكذب ، لأجل أن يفتروه على الله ، وأنهم لا يفلحون وأنهم يمتعون قليلاً ثم يعذبون العذاب الأليم ، وذلك واضح في بعد صفاتهم من صفات من له أن يحلل ويحرم .
ومنها قوله تعالى : ﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ الذين يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حَرَّمَ هذا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ [ الأنعام : 150 ] الآية .
فقوله : ﴿ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ﴾ صيغة تعجيز ، فهم عاجزون عن بيان مستند التحريم . وذلك واضح في أن غير الله لا يتصف بصفات التحليل ولا التحريم . ولما كان التشريع وجميع الأحكام ، شرعية كانت أو كونية قدرية ، من خصائص الربوبية . كما دلت عليه الآيات المذكورة كان كل من اتبع تشريعاً غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرع ربا ، وأشركه مع الله .
والآيات الدالة على هذا كثيرة ، وقد قدمناها مراراً وسنعيد ما فيه كفاية ، فمن ذلك وهو من أوضحه وأصرحه ، أنه في زمن النبى صلى الله عليه وسلم وقعت مناظرة بين حزب الرحمن ، وحزب الشيطان ، في حكم من أحكام التحريم والتحليل وحزب الرحمن يتبعون تشريع الرحمن ، في وحيه في تحريمه ، وحزب الشيطان يتبعون وحي الشيطان في تحليله .
وقد حكم الله بينهما وأفتى فيما تنازعوا فيه فتوى سماوية قرآنية تتلى في سورة الأنعام .
وذلك أن الشيطان لما أوحى إلى أوليائه فقال لهم في وحيه : سلوا محمداً عن الشاة تصبح ميتة من هو الذي قتلها؟ فأجابوهم أن الله هو الذي قتلها .
فقالوا : الميتة إذاً ذبيحة الله ، وما ذبحه الله كيف تقولون إنه حرام؟ مع أنكم تقولون إنما ذبحتموه بأيديكم حلال ، فأنتم إذا أحسن من الله وأحل ذبيحة .
فأنزل الله بإجماع من يعتد به من أهل العلم قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ ﴾ [ الأنعام : 121 ] يعني الميتة أي وإن زعم الكفار أن الله ذكاها بيده الكريمة بسكين من ذهب : ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ [ الأنعام : 121 ] والضمير عائد إلى الأكل المفهوم من قوله : ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ ﴾ وقوله : ﴿ لَفِسْقٌ ﴾ أي خروج عن طاعة الله ، واتباع لتشريع الشيطان : ﴿ وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ﴾ [ الأنعام : 121 ] . أي بقولهم : ما ذبحتموه حلال وما ذبحه الله حرام ، فأنتم إذاً أحسن من الله ، وأحل تذكية ، ثم بين الفتوى السماوية من رب العالمين ، في الحكم بين الفريقين في قوله تعالى : ﴿ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴾ [ الأنعام : 121 ] فهي فتوى سماوية من الخالق جل وعلا صرح فيها بأن متبع تشريع الشيطان المخالف لتشريع الرحمن مشرك بالله .