تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن جرت سنة الله - عز وجل - في خلقه أن لكل جوادٍ كبوة، ولكل سيفٍ نبوة، ولكل عالمٍ هفوة، وكلٌّ يُؤخذ من كلامه ويُرَدُّ عليه إلا الأنبياء المعصومون، فوجدنا في هذا البحر الخِضَم من أقوال أئمة الجرح والتعديل أقوالاً غير مقبولة، وأحكاماً خرجت عن القواعد التي وضعوها، وشذَّت عن الأصول التي ارتضوها، فرصدها العلماء، ولفتوا الأنظار إليها، حتى لا تكون سبباً في تجريح ثقة، فالأصل الذي جرى عليه العلماء هو: تزكية العدل وقبول روايته، وتجريح الضعيف ورد روايته، فإذا وجدنا لأحد العلماء كلاماً يُخالف هذا الأصل وجب رده، والتحذير منه، وإحسان الظن بقائله، مع حسن التأول له ما أمكن.

مع الاعتقاد التام أن العلماء بشرٌ غيرُ معصومين، يصيبون غالبا، وقد يقع منهم الخطأ نادرا، وأخطاؤهم مغمورة في بحار صوابهم.

ولكنها أمانة العلم وحقِّه: أن نرصد الخطأ، وننبِّه عليه، ونحذِّر منه، وقد رصد العلماء صوراً عدَّة للجرح غير البريء ومنها: كلام الأقران بعضهم في بعض، وقد نبَّه عليها السلف الصالح، وحذَّروا منها، وأول من عرفته اهتم بالتنبيه على هذه القاعدة هو: الإمام ابن عبد البر في كتابه: "جامع بيان العلم وفضله"، فلقد أفرد فيه بابا بعنوان: "حكم قول العلماء بعضهم في بعض"، وذكر فيه جملةً من الأحاديث والآثار تُبَيِّنُ خطورة هذا الأمر وتُحَذِّرُ منه، ثم ضرب عدة أمثلة لكلام الأقران المردود، ثم ختم هذا الباب بالتأكيد على هذه القاعدة: "كلام الأقران يطوى ولا يروى".

ولقد اهتمَّ العلماء بهذه القاعدة، والتزموا بتطبيقها، وبرز التحذير من كلام الأقران بعضهم في بعض بدون سببٍ حقيقي في مصنَّفاتهم، ومن أبرز من رأيتُه اهتم بهذه القاعدة ونبَّه عليها الإمام الحافظ: شمس الدين الذهبي شيخ المحدِّثين، وإمام الجرح والتعديل، فلقد أكثر من الإشارة إلى هذه القاعدة والتنبيه عليها عند مخالفتها، خاصةً في كتابيه: "ميزان الاعتدال"، وكتاب: "سير أعلام النبلاء"، ثم تبعه الحافظ: ابن حجر، والحافظ: السخاوي وغيرهما.

وهذا المنهج الذي وضع أساسه: ابن عبد البر، وأرسى قواعده الإمامان: الذهبي، وابن حجر وغيرهما يحتاج المسلمون عامة إلى فهمه وتطبيقه، كما يحتاج إليه بشكل أخص: طلاب العلم

كلام الأقران بعضهم في بعض أسبابه ونتائجه · الصفحة ٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

كلام الأقران بعضهم في بعض أسبابه ونتائجهص ٣