قال ابن كثير: قوله: "فتلاحى فلان وفلان فرفعت": فيه استئناس لِمَا يُقال: إن المماراة تقطع الفائدة والعِلْم النافع.
وقال أيضا: وقوله: "وعسى أن يكون خيرًا لكم" يعني: عدم تعيينها لكم، فإنها إذا كانت مُبْهَمَة اجتهد طُلابها في ابتغائها في جميع مَحَالّ رَجائها، فكان أكثر للعبادة، بخلاف ما إذا عَلِمُوا عَينها فإنها كانت الهمم تَتَقَاصَر على قيامها فقط. وإنما اقتضت الحكمة إبهامها لتعم العبادة جميع الشهر في ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العشر الأواخر أكثر.
وقال: وقوله: "فَرُفِعت" أي: رُفِع عِلم تَعينها لكم، لا أنها رُفِعت بالكلية مِن الوجود. اهـ.
وما في هذا الحديث محمول على أن الإخبار عن ليلة القدر فيما يتعلّق بِتلك السنة.
ومثله ما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: أُرِيت ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر. رواه مسلم.
7 = ذَكَر ابن كثير أحد عشر قولاً في تعيين ليلة القدر. وقول للرافضة! ويُضاف إليها قول ضعيف، فتُصبح الأقوال اثنا عشر قولاً مع اطِّراح قول الرافضة! إذ لا عبرة بأقوالهم.
وذَكَر الحافظ العراقي: ثلاثة وثلاثين قولاً في تعيين ليلة القدر.
8 = حَلَف أُبيّ بن كعب رضي الله عنه لا يَستثنى أنها ليلة سبع وعشرين. قال زِرّ بن حُبيش: فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها. رواه مسلم.
فهذا محمول على أمرين:
الأول: أن هذا كان رأي أُبيّ رضي الله عنه.
والثاني: اختصاص ذلك بِسَنَةٍ رأى أُبيّ فيها تلك العلامة في صبيحة سبع وعشرين.
وبالله تعالى التوفيق.
شرح عمدة الأحكام - شرح الحديث رقم 209 في تحري ليلة القدر في ليالي الوتر
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنْ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ.
فيه مسائل:
1 = " تَحَرَّوا " ـ اطلبوا والْتَمِسُوا
وفي رواية: " تَحَيَّنُوا ليلة القَدر " أي: اطْلُبُوا حِينَها، وهو زمانها. قاله النووي.
وفيه دليل على إخفاء ليلة القدر؛ لأن الشيء البيِّن لا يحتاج إلى الْتِماس وتَحَرٍّ.
2 = هذا التحرّي لا يُقطَع معه بشيء؛ لأن الوتر عند قوم يكون شِفْعًا عند آخرين. مع كون ليلة القدر تنتقل بين ليالي الوتر.
3 = " في الوتر "، أي: مِن ليالي الوِتر، وهي ليلة (21، 23، 25، 27، 29).
ويدلّ عليه قوله عليه الصلاة والسلام: التمسوها في العشر الأواخر مِن رمضان، ليلة القدر في تاسعة تَبْقَى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى. رواه البخاري.
4 = " مِنْ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ "، أي: مِن رمضان، وهذا يردّ قول مَن قال إنها تُرجى في ليالي رمضان، وأضعف منه القول بأنها تُرجى في جميع العام! ولعل قائل ذلك أراد الاجتهاد في القيام في جميع العام، وفي رمضان خاصة.
ولذلك " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الأواخر مِن رمضان، ويقول: تَحَرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان "، كما قالت عائشة رضي الله عنها.
قال ابن عبد البر: وفي هذه الأحاديث الحض على التماس ليلة القدر وطلبها بِصلاة الليل والاجتهاد بالدعاء. اهـ.
ويدلّ عليه أيضا ما يأتي في حديث أبي سعيد رضي الله عنه، وهو الحديث التالي ..
5 = لا يعني تحرّي ليلة القدر ترك البقية؛ لأن هذا محمول على حال الضعف، مع أن معرفة ليلة القدر لا يُمكن الجزم به.
ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: التمسوها في العشر الأواخر - يعني ليلة القدر - فإن ضَعُف أحدكم أو عَجِز فلا يُغْلَبَنّ على السبع البواقي. رواه مسلم. وأصله في الصحيحين.