تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قالَ الفَرَّاءُ: قالَ لي رَجُلٌ: ما اختلافُكَ إلى الكِسَائِيِّ وأنتَ مِثْلُهُ في النَّحْوِ، فأَعْجَبَتْنِي نفْسِي، فأَتَيْتُهُ فنَاظَرْتُهُ مُناظَرَةَ الأَكْفَاءِ، فكَأَنَّنِي طَائِرٌ يَغْرِفُ بِمِنْقَارِهِ مِن الْبَحْرِ.

ولصالِحِ بنِ عَبْدِ القُدُّوسِ:

وإنَّ عَنَاءً أنْ تُفْهِمَ جَاهِلاً فيَحْسَبُ جَهْلاً أنَّهُ مِنْكَ أَفْهَمُ

متى يَبْلُغُ البُنْيَانُ يوماً تَمَامَهُ إذا كُنْتَ تَبْنِيهِ وغَيْرُكَ يَهْدِمُ

متى يَنْتَهِي عنْ سَيِّئٍ مَنْ أَتَى بِهِ إذا لمْ يَكُنْ منهُ عليهِ تَنَدُّمُ

ومِن المعلومِ عندَ الفُضلاءِ أنَّهُ ليسَ كلُّ إنسانٍ قابلاً لكلِّ علْمٍ، فيَنبغي لطالبِ العلْمِ أنْ يَتَعَلَّمَ ما يَسْهُلُ عليهِ، ويرى نفْسَهُ قابِلَةً لهُ، وإلاَّ أضاعَ عُمْرَهُ في طَلَبِ ما لا سَبيلَ إليهِ.

قالَ الأَصْمَعِيُّ: كُنْتُ أَتَرَدَّدُ إلى الخليلِ بنِ أحمدَ آخُذُ عنهُ علْمَ العَرُوضِ، فاسْتُعْصِيَ عَلَيَّ، فلَمَّا جِئْتُهُ ذاتَ يومٍ قالَ لي: كيفَ تُقَطِّعُ يا أبا سَعِيدٍ؟

إذا لم تَسْتَطِعْ شَيْئاً فَدَعْهُ وجَاوِزْهُ إلى ما تَستطيعُ

فعَلِمْتُ مُرادَ الشَّيْخِ وانْصَرَفْتُ عنهُ ولمْ أَعُدْ إليهِ لأَخْذِ عِلْمِ العَروضِ.

قالَ العُلماءُ: ويَنبغِي لطالِبِ العلْمِ أنْ لا يَجْلِسَ قريباً مِنْ مُعَلِّمِهِ عندَ الدَّرْسِ، بلْ يَنبغِي أنْ يَكونَ بَيْنَهُ وبينَهُ قَدْرُ قَوْسٍ؛ فإنَّهُ أَقرَبُ إلى التعظيمِ.

ولا يَنبغِي لهُ أنْ يكونَ لَئِيماً يَغتابُ مُعَلِّمَهُ ومَنْ يُشارِكُهُ في الدَّرْسِ مِن الطَّلَبَةِ، ويُقابِلُ الحسَنَةَ بالسَّيِّئَةِ كما شاهَدْنَا ذلكَ مِنْ كثيرٍ مِن الطُّلابِ حتَّى حُرِمُوا العلْمَ بسببِ ذلكَ، بل الواجبُ عليهِ الاعترافُ بفَضْلِهِ والدعاءُ لهُ ونَشْرُ محاسنِهِ، والكفُّ عنْ مَساوِئِهِ، فلِمُعَلِّمِهِ مِن الفضْلِ عليهِ أَعْظَمُ مِنْ فَضْلِ أَبِيهِ، كما اعْتَرَفَ بهِ بعضُ النُّجباءِ الأذكياءِ حيثُ يقولُ:

أُفَضِّلُ أُسْتَاذِي على فَضْلِ وَالِدِي وإنْ نَالَنِي مِنْ وَالِدِي الْمَجْدُ والشَّرَفْ

فهذا مُرَبِّي الرُّوحِ والرُّوحُ جَوْهَرٌ وذاكَ مُرَبِّي الْجِسْمِ والْجِسْمُ كالصَّدَفْ

وقالَ الآخَرُ:

إذا أَفَادَكَ إنسانٌ بفَائِدَةٍ مِن العلومِ فلازِمْ شُكْرَهُ أَبَدَا

وقُلْ فُلانٌ جَزَاهُ اللَّهُ صالِحَةً أَفَادَنِيهَا وأَلْقِ الكِبْرَ والْحَسَدَا

ويَنبغِي لطالِبِ العلْمِ أنْ يَتَخَلَّى مِنْ جميعِ الرذائلِ، ويَتَحَلَّى بما أَمْكَنَهُ مِن الفضائلِ، فيكونَ مُحْسِناً للخلْقِ، جميلَ الْمُعاشَرَةِ، مُمْتَثِلاً لقولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ لِمُعاذٍ: ((وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ)).

ويُسَلِّمَ على الكبيرِ والصغيرِ مِن المسلمينَ، ويَحْرِصَ على ابتدائِهم بالسلامِ، فمِنْ عَلامَةِ النَّجَابَةِ بالطُّلاَّبِ حُسْنُ السَّمْتِ والأدَبِ، واحترامُ الناسِ عُموماً، وقدْ قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة: 83].

ويَنبغِي لطَالِبِ العلْمِ أنْ لا يَصْحَبَ إلاَّ مَنْ يُعِينُهُ على تَقْوَى اللَّهِ تعالى وطاعتِهِ، ويَحْذَرَ كلَّ الْحَذَرِ مِنْ مُخَالَطَةِ السُّفهاءِ وأهْلِ الْمُجونِ والوقاحةِ، وسَيِّئِي السُّمْعَةِ والأغبياءِ والبُلَدَاءِ؛ فإنَّ مُخالطَتَهم سَبَبُ الْحِرمانِ وشَقْوَةِ الإنسانِ، وما أَحْسَنَ ما قيلَ:

لا تَصْحَبِ الكسْلانَ في حالاتِهِ كمْ صالحٍ بفَسادِ آخَرَ يَفْسَدُ

عَدْوَى البَليدِ إلى الْجَليدِ سَريعَةٌ كالْجَمْرِ يُوضَعُ في الرَّمادِ فيَخْمَدُ

وقالَ غيرُهُ:

إرشادُ الطُّلاَّبِ إلى فَضيلةِ العِلْمِ والعملِ والآدابِ · الصفحة ١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إرشادُ الطُّلاَّبِ إلى فَضيلةِ العِلْمِ والعملِ والآدابِص ١٩