فهذا هو رد الشيخ التيدي على عبد الرزاق السنهوري , وهو كان زميله في دراسة القانون في فرنسا , ولكن شتان ثم شتان بين الرجلين , فـ"التيدي" داعياً إلى الشريعة منافحاً عنها معادٍ لأعدائها , و"السنهوري" داعٍ لإسقاطها , مُذْر عليها مُوَالٍ لأعدائها , عياذاً بالله.
ولقد رد الشيخ التيدي على غلمان العلمانية والقوانين بدءاً من عام 1938م يوم أن تداعى العلمانيون بقيادة السنهوري إلى وضع هذه القوانين الوضعية , وظل ينكر عليهم طوال حياته , واشتد نكيره عليهم في الفترة ما بين 1938م إلى 1950م , وتعاضد مع بعض العلماء القوّالين بالحق , مثل الشيخ أحمد شاكر , والمستشار عبد القادر عودة , وقد احتج كل منهم بالآخر , وأخرج الشيخ التيدي كتابه (المقارنات) في أربعة مجلدات , وأخرج الشيخ عبد القادر عودة كتابه (التشريع الجنائي) في مجلدين , وكتب الشيخ أحمد شاكر مقالات عديدة وقوية وواضحة في نقض هذا القانون اللعين , وبيّن أنه كفر.
وكان هذا جهداً مشكوراً , ودوراً كان ينبغي على العلماء أن يقوموا به , وقد قام به نفر منهم , وهناك جهودٌ حبذا لو جمعها دارس لينشرها على المسلمين , كالمحاضرة القيمة التي ألقاها الشيخ "عنّارة" عام 1936م , والتي أشاد بها الشيخ التيدي في كتابه هنا , حيث أخبرنا أن الشيخ "عنّارة " لم يترك دليلاً على وجوب تحكيم الشريعة إلا وذكره , ولم يترك شاردةً ولا واردةً في القانون الوضعي إلا وبيّن عوارها ونقصها.
وظن المغفلون أن هذه صيحاتٌ تذهب مع الريح , وتناسوا أن لهذا الدين رباً يحميه , ويجدد شبابه , ويرفع لواءه , وينبت له رجالاً يعملون في نصرته , بل ويموتون في سبيله.
وهاهي أقوال هؤلاء العلماء الأفاضل , تُنشر مرة أخرى بعد مرور أكثر من 60 عاما على كتابتها , وبعد أن ظن العلمانيون أنها ماتت إلى الأبد , فإذا بهم يعالجون سكرات الموت على صيحات أهل الحق التي تلعنهم وما قارفوه من شرك وإباحية.
ولقد كتب الشيخ التيدي كتابه (المقارنات) ليثبت حقيقة غطاها النسيان , هذه الحقيقة هي:
(أن أوروبا لا تملك هدياً وإنما هي جهلٌ وظلماتٌ بعضها فوق بعض بداية من التاريخ الروماني وانتهاءاً إلى كود نابليون الصادر عام 1805م , وأن كل ما يمكن أن يكون عدلاً أو صواباً في قانونهم المدني , إنما أخذوه عن الشريعة الإسلامية , وأنهم عيال على هذا الشرع , والحق أن يكونوا أتباعاً لنا , لا أن نكون أتباعاً لهم , فنحن أصحاب الهدى والنور ,