والآخر: أنهم نزلوا الواو الزائدة منزلة الضمة، فكما قلبوا في "أدل"، و"أحق"، كذلك قلبوا في نحو: "عصي"، و"دني"، وانضاف إلى ذلك كون الكلمة جمعا، والجمع مستثقل، فصار "عصيا". ومنهم من يتبع ضمة الفاء العين ويكسرها، ويقول: "عصي"، بكسر العين والصاد، ليكون العمل من وجه واحد. ولو كان المثال "عصوا" اسما واحدا غير جمع، لم يجب القلب؛ لخفة الواحد. ألا تراك تقول: "مغزو"، و"مدعو"؟ و"عتو" مصدر "عتا يعتو"، فيقر الواو، هذا هو الوجه، ويجوز القلب، فتقول: "مغزي"، و"مدعي". قال الشاعر [من الطويل]:
وقد علمت عرسي مليكة أنني ... أنا الليث معدوا علي وعاديا (¬1)
يروى بالوجهين معا.
فأما نحو: "عصي"، و"حقي"، فلا يجوز فيها إلا القلب لكونها جموعا. فأما "النجو" في جمع "نجو"، وهو السحاب، و"النحو" للجهات، فهو جمع "نحو"، وهو المصدر، فشاذ، كأنه خرج تنبيها (¬2) على أصل البناء، نحو: "القود" و"الحوكة". قال أبو عثمان: هذا شاذ ومشبه بما ليس مثله.
فأما "غاز" فالياء فيه من الواو, لأنه من "غزا" "يغزو"، وإنما وقعت الواو طرفا، وقبلها كسرة، والطرف في حكم الساكن, لأنه بعرضية الوقف، والموقوف عليه ساكن، فقلبت ياء على حد قلبها في "ميزان"، و"ميعاد"، ونظائر ذلك كثيرة. نحو: "داع"، و"دان" وما أشبه ذلك. فأما "غازية" و"محنية"، فأصلهما: "غازوة"، و"محنوة"، وإنما قلبت الواو وإن كانت متحركة من قبل أنها وقعت لاما، فضعفت، وكانت التاء كالمنفصلة، فإن قيل: فقد قالوا: "حنذوة"، فصححوا الواو، قيل: إنما صحت فيه الواو - وإن كانت آخرا- من قبل أنهم لو قلبوها، فقالوا: "حنذية"، لم تعلم "أفعلوة" هي أم "فعلية"، فجرت مجرى "حذرية"، و"عفرية".
وأما "أدل" في جمع "دلو" و"أحق" في جمع "حقو"، فهما من جموع القلة على حد "أفلس" و"أكعب" في جمع "فلس" و"كعب"، ولكنه لما وقعت الواو طرفا بعد ضمة، وليس ذلك في الأسماء المتمكنة، عدلوا عنه إلى أن أبدلوا من الضمة كسرة، فانقلبت الواو ياء، فصار من قبيل المنقوص. ومنه قول الشاعر [من البسيط]:
ليث هزبر مدل عند خيسته ... بالرقمتين له أجر وأعراس (¬3)
والأصل: "أجرو"، فأبدلوا من الضمة كسرة، ومن الواو ياء على ما تقدم.