تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتاء بدل من الواو، واختص ذلك بالقسم. وإنما أبدلت منها؛ لأنها قد أبدلت منها كثيرا، نحو قولهم: "تجاة"، و"تراث"، وهما "فعال" من "الوجه" و"الوراثة". وقالوا: "تكاة"، و"تخمة" وهو "فعلة" من "توكأت"، و"الوخامة". وقالوا: "تقوى"، و"تقاة" وهو "فعلى" و"فعلة" من "الوقاية". وهو كثير يكاد يكون قياسا لكثرته.

ولكون الباء أصلا، امتازت بما ذكرناه من جواز استعمالها مع فعل القسم، ودخولها على المضمر، ولا يكون ذلك في الواو. وميزت الواو عن التاء إذ كانت أصلا لها بأن دخلت على كل ظاهر محلوف به. واختصت التاء أضعفها بكونها في المرتبة الثالثة بأن اختصت باسم الله تعالى لشرفه، وكونه اسما لذاته سبحانه. وما عداه يجري مجرى الصفة، فتقول: "تالله لأفعلن". وفيها معنى التعجب. قال الله تعالى. ﴿تالله لقد آثرك الله علينا﴾ (¬1). وربما جاءت لغير التعجب، كقوله تعالى. ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ (¬2)، ولا يجوز: "تالرحمن" ولا "تالبارئ"، ويجوز ذلك في الواو.

ومن ذلك اللام، فإنها تدحل للقسم على معنى التعجب، وأنشد [من البسيط]:

لله يبقى علم الأيام ... إلخ

البيت لأمية بن أبي عائذ، وقيل: لأبي ذؤيب، وقيل: للفضل بن العباس الليثي يرثي قوما منهم. وقبله [من البسيط]:

يا مى إن تققدي قوما ولدتهم ... أو تخلسيهم فإن الدهر خلاس

يا مى إن سباع الأرض هالكة ... والأدم والعفر والارام والناس

والشاهد فيه دخول اللام على اسم الله في القسم بمعنى التعجب. والمعنى: إن الأيام تفني بمرورها كل حي، حتى الوعل المتحصن بشواهق الجبال. والحيد: عقد في قرون الوعل، ويروى: "حيد" بكسر الحاء، كاته جمع "حيدة"، مثل "بدرة" و "بدر". والمشمخر": الجبل الشامخ. والظيان: ياسمين البر، والآس: الريحان، ومنابتهما الجبال، وحزون الأرض. يريد أن الوعل في خصب لا يحتاج إلى الإسهال، فيصاد.

وأما قولهم: "من ربي لأفعلن"، فالظاهر من أمرها أنها "من" التي في قولهم: "أخذت من زيد"، أدخلت في القسم موصلة لمعنى الفعل على حد إدخال الباء تكثيرا للحروف؛ لكثرة استعمال القسم. واختصت ب "ربي" اختصاص التاء باسم الله، فلا يقولون: "من الله لأفعلن". وقد تضم الميم منها، قالوا: "من ربي إنك لأشر"، حكى ذلك سيبويه، كأنهم جعلوا ضمها دلالة على القسم كما جعلوا الواو مكان الباء دلالة على القسم. قال سيبويه: ولا تدخل الضمة في "من" إلا ها هنا، كما لا تدخل الفتحة في

شرح المفصل لابن يعيش · الجزء ٥ · الصفحة ٢٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح المفصل لابن يعيشج ٥ · ص ٢٥٥