ومنها نداء الملوك بيا مولاي . قال المقري : وهو لفظ لا يجد منادي ربه ما يكون منه بذلك أولى . ألا ترى أن الشيطان كيف لم يستطع حمل الإنسان عليه هجمه حتى استدرجه إليه ترتيبا ، فسول لبني العباس وأصحاب المهدي أن حملوا الناس على أن ينادوهم بالسيد ، لأن العرب كانت فيهم سادات أقرهم الشرع على ذلك حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم : « قوموا لسيدكم » ، وقال : « إن سيدكم لغيور » . وليس ذلك من الأسماء الحسنى ، لأن مالكا كره في العتيبة أن ينادى الله عز وجل بيا سيدي ، وقال : لا يسمى إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله . ولم يعرف ما روي من قوله عليه السلام السيد الله ، أو حمله على الإنكار على من ادعى السؤدد بالمقابلة كما قال الله عز وجل : ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ . فهذا وما يشبهه خفف العدو عليهم مخالفة السلف في طاعة كبرهم . فلما أطاعوه في إحدى الكبر رماهم بأدهى منها وأمر .
فإن قلت : في الصحيح : « لا يقل أحدكم ربي ، وليقل سيدي ومولاي » . قلت : وفي الصحيح : « لا يقل العبد لسيده مولاي ، فإن مولاكم الله » . والجمع بينهما باختلاف معنى المولى فيهما . وقال أيضا في قواعده : وقد حسن الشيطان لكثير من العلماء تعليم أبنائهم أن ينادوهم بسيدي ومولاي كالعبيد ، وذلك استكبار عن الولد وتنزيل له منزلة العبد ، حتى سمعت بعض المغرورين منهم يقول : من قال في غيبة من لا يواجه إلا بالتسويد أو التكنية قال فلان فقد اغتابه ، فحكم على السلف والخلف بالغيبة ليعظم شاهدا وغائبا سمح الله تعالى له ، وإنما حسن لهم ما يستدرجهم به إلى رتبة ﴿ وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ﴾ كما فعل بالقسيسين والرهبان . ألا ترى أن بعض
[507 /2]
وسئل النسيد أبو القاسم البرزلي عن ذات زوج إذا زنت أو اغتصبت وحملت من ذلك، ووافق الزوج أن الحمل ليس له وإنما هو من الهارب بها أو المغتصب لها، إذا طلقها الزوج فولدت بعد طلاقه إياها بنصف شهر أو نحو هذا. هل تباح للأزواج أو لا بد من مطالبتها بأقصى الأجلين؟ وهل في المسألة في المذهب خلاف أم لا؟ وهل عدة الوفاة في ذلك بعد الطلاق أم لا؟
فأجاب: أما مسألة اتفاق الزوجين على أن الولد لزنى أو غصب فقد ذكر في المدونة خلافا هل ينتفي الولد بلا لعان أو لا بد فيه من اللعان؟ فعلى القول أنه لا ينتفي إلا بلعان إذا طلقها قبل الالتعان فإن الوضع يبريها.
[521/4]
[522/4]
وكذلك لو التعنا فالوضع يبريها، لأنه في مظنة الاستلحاق، إذ ليس هنالك (بياض) آخر معلوم، وعلى القول الآخر أنه ينفي بغير لعان. فوقع النص عن ابن القاسم أن الحمل من زنى لا يجزي وضعه عن الفراش الصحيح، ولابد في الطلاق من ثلاث حيض، ويحسب النفاس قرءا. ولو كان الولد حدث في عدة مثل أن يتزوجها رجل من آخر، فإن ألحق الولد بالأول فالوضع يبريه منها، وإن ألحق بالثاني فنقل ابن المواز عن مالك وضع الحمل يجزي عنهما معا، ابن المواز: وهو عندي ضعيف، والصواب أنه لا بد للأول من ثلاث حيض، ابن محرز: يعني ويحتسب الوضع قرءا. وظاهر الروايات أن عدة الوفاة لا تدخل في عدة الاستبراء من الحمل، ولا في الأقراء، ونحوه في المدونة وتبصره ابن محرز وغيرهما، وفيما ذكرناه كفاية وفيه طول اختصرته وبالله التوفيق.
وسئل أبو الفضل سيدي قاسم العقباني عن الحامل الزني بها هل يجوز للزوج إصابتها قبل الاستبراء؟
فأجاب: الحكم أن ذلك لا يجوز والله أعلم.
وسئل هل يجوز للسيد أن يطأ أمته فيما دون الفرج إذا كانت حاملا من غيره أو لا يجوز؟ وإن قلتم بالمنع فهل تجوز مقدمات الجماع أم لا؟ وزوجته إن كانت حاملا منه فتعدى عليها من وطئها أو اعترفت بالوطء من الغاصب.
وقال في أول كتاب البيوع الفاسدة: وكل دين لك على رجل من قرض أو بيع لا تفسخه عليه إلا فيما تتعجله، فإن أخذت به منه قبل الأجل أو بعده سلعة معينة فلا تفارقه حتى تقبضها. فإن أخرتها لم يجز انتهى.
وقال في كتاب الغرر: وإن ابتعت سلعة غائبة مما لا يجوز النقد فيها، فلا يجوز أن تتقايلا فيها إلا أن تبيعها من بائعها منك بمثل الثمن أو أقل أو أكثر، لأنها إن كانت سالمة في البيع الأول، فقد وجب له في ذمتك ثمن، دفعت له فيه سلعة لك غائبة. فهذا من وجه الدين بالدين. سحنون وهذا على قول مالك الأول. وما أدركته الصفقة فمن المبتاع انتهى. وتأمل مناقضة الشيوخ لها بمسألة الجارية الواقعة بعدها. وما فرق به هنالك . وقال في كتاب الجعل والإجارة: ومن واجر نفسه أو عبده في خياطة شهرا لم يجز أن يفسخ ذلك في قصارة أو غيرها، لأنه دين في دين انتهى.
وقال في كتاب الرواحل والدواب: ومن اكترى من رجل على حمولة إلى بلد، فليس له إصرافها إلى غير ذلك البلد الذي اكترى إليه، وإن ساواه بالمسافة والسهولة والصعوبة، إلا بإذن المكري ولم يجزه غيره. وإن رضي لأن ذلك فسخ دين في دين، إلا بعد صحة الإقالة. انتهى.
وقال في كتاب كراء الدور والأرضين: ومن اكترى أرضه بدراهم إلى أجل، فلما حل الأجل فسخها في ثياب بعينها على أن يقبضها إلى ثلاثة أيام لم يجز إلا أن يقبض الثياب قبل أن يفترقا، لأنه من وجه الدين بالدين انتهى.
وقال في كتاب الرهون: وإن أسلمته في طعام إلى أجل أخذت به رهنا ثم تقايلتهما بعد الأجل أو قبله ولم تقبض رأس المال لمكان الرهن الذي في يدك، لم تجز الإقالة، إلا أن تقبض رأس المال مكانك قبل أن تفترقا، وإلا دخله بيع الطعام قبل قبضه. انتهى. قلت يريد وفسخ دين في دين، وانظر كلام ابن رشد في ثالث مسألة من سماع ابن القاسم من كتاب السلم
[599/6]
لأنا نقول: الأكثرون كإبن القصار والمازري واللخمي يذكرون أن من ادعى جهل ما يجهله مثله صدق, ولا يذكرون خلافا.
وأجاب ابن القصار عما وقع في المدونة من عدم عذر الأمة المعتقة تحت العبد بكون حديث بريرة قد شاع وذاع بالمدينة بحيث لا تجهله أمة. وحسبي موافقة من ذكرنا من الأئمة , وأيضا ابن رشد في مواضع من البيان لم يذكر خلافا في العذر بالجهل ما نصه: أن الإختلاف في العذر بالجهل إنما يعود إلى هل يصدق فيما ادعاه من الجهل أو لا, قاله في الأب يعطي مال ابنته بخطأ. فإذا تقرر هذا فعلى القطع أن العميري ممن يجهل بطلان رسم
[513/7] الموت والوراثة ورسم التقديم, بل كثير ممن له بصر بالفقه يجهل بطلان الرسمين إلا أن ينعم النظر مثل ما أنعمنا.
510/9] ... [مسافر أوصى عند موته أن يدفع مال إلى زوجته فادعت أنه دين لها عليه]
وسئل أبومحمد عن مسافر أوصى عند موته في مال معه أن يدفع إلى زوجته دون باقي ورثته وله ابنة وأخت.
فأجاب: إن أراد أن تستأثر بذلك الزوجة فلا يجوز وهو ميراث، وإن قالت الزوجة إنما أمرك يدفعه إلي لأنه دين لي قبله فعليها البينة، فإن أراد هذا الرسول السلامة فليدفع ذلك إلى القاضي فينفذه القاضي كما يجب فإن دفعه إلى الزوجة قبل رفعه إلى قاض وقام عليه باقي الورثة ضمن وله الرجوع على المرأة ولا يسعه دفع ذلك إلى الزوجة قبل دفعه إلى قاض إلا أن يخبره عدول أن ذلك لها قبل الزوج دينا فيسعه ذلك إلا أن يكون الميت بين له أنه قال ادفعه إلى الزوجة فإنه لها قبلي فبهذا يسعه دفعه لها فيما بينه وبين الله تعالى فإن خشي أن يطالب فإن شهادتها له جائزة قبل أن يدفع ويقضى لها بشهادته مع يمينها وأن إن دفع ذلك إلى أبيها ثم طولب لم تنفعه شهادته لها وكان ضامنا(¬1).
[إذا وكل الوصي والمقدم على قبض مال من في ولايتهما]
وسئل المازري عما جرى عليه العمل في الأحكام أن الوصي والمقدم إذا وكلا على قبض مال من في ولايتهما وأراد الحكم فلا بد من أن يثبت عند القاضي أمانة الوكيل وإلا كان القاضي معه ضرب من التفريط، وذكر المقدم أن الميت له مال عند رجل في مصر على وجه الرسالة ووكل الرجل المذكور على التصرف، وذكر المؤدب عن الفقيه أن هذا لا يحتاج فيه إلى إثبات أمانة المتصرف فإن كان في هذه المسألة خاصة فما الفرق بينهما وبين غيرها؟ وكان هذا ابتداء وكالة عن الميت في المال فيكون كالمقارض الذي يتصرف لحق نفسه وإن كان لا يحتاج لإثبات الأمانة في كل موضع فجيد. ثم أن القاضي لم يذكر من شهد بالوكالة في ذلك وإنما عول على حضورهما عنده وهو قضاء
[