العلماء انتزع من هذه الآية وما بعدها أن الولد لا يكون عبدا ، فمن ملكه عتق عليه . كما انتزعت مثله في الزوجة من قوله تعالى جده : ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهوا ﴾ أي زوجا ، حتى قوله : ﴿ وله من في السموات والأرض ﴾ لأنه نافى به الزوجة والملك . وقد حسن لهم فيها مثلما زين في الولد ، فأزواجهم ينادونهم بلفظ السيد والمولى كما أبناؤهم . وقد كان لهم في إهلاك الملوك بذلك أكبر زاجر عن مثله ، لكنهم عموا عنه في غيرهم فأوقعه بهم . وقد اختلفت الأحاديث في قول العبد مولاي لسيده ، والواجب توقير أسماء الرب بالتفرد حتى يرد الإذن البين والوقوف عند موجب العلم والعمل .
[اختصاص الشرف بنسل علي وفاطمة حادث بعد القرن الثالث ]
ومنها اختصاص اسم الشرف بمن لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليه ولادة ، فإنه حادث بعض مضي ثلاثة القرون المثني عليها ، والحكم على الشيء فرع عن تصورة ، وهو لا يتحقق وإن كان اسما بسبب الولادة منه ثبت بالأم اعتبارا بأصله ، إذ لا ولادة له على أحد إلا بذلك ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ﴾ . قال المقري : وبذلك أفتى فقهاء بجاية الذين درجوا من أهل زماننا . وإن كان اسما لرجوع النسب إليه لم يثبت بها ، لأنه في الأصل على خلاف الأصل فلا يقاس عليه ، وبه أفتى فقهاء تونس ممن ذكروا ، وإن كان الأول أقرب لولا أنا لم نسمع فيما مضى بدخول أحد من ولد بنات علي وغيره في ذلك مع ولد بنيه حتى وقعت المسألة بتلمسان واختلف فيها فقهاؤنا وكتبوا إلى غيرهم فوقع الأمر على ما ذكرت لك ، ولم يتحقق مدلوله فتلحق به . وقوله عليه السلام : « إن ابني هذا سيد » أولى بالمجاز من قول الشاعر :
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا = بنوهن أبناء الرجال الأباعد
[جعل السلاسل في أعناق الجناة ]
هل يجوز له أيضا وطؤها أو مقدمات الوطء أو لا يجوز؟ بينوا لنا هذا إن كان المنع تعبدا أو لعله.
فأجاب: لا يجوز للسيد أن ينال من أمته الحامل من غيره لا الجماع ولا مقدماته، والعلة في المنع من الجماع ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخبر عن رجل أنه أراد أن يلم بامرأة حامل وقعت في سهمه من المغانم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد هممت أن ألعنه يدخل معه قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له، وكيف يستخدمه وهو لا يحل له.
والعلة في المنع من المقدمات خشية الوقوع فيما وراء ذلك. وأما منع الزوج من
[522/4]
[523/4]
إصابة زوجه المغتصبة فلم تظهر فيه علة مع كون الشرع يحكم بالولد للفراش.
[المتوفى عنها زوجه الهاربة مع رجل، وضع الحمل كمال عدتها]
وسئل عن امرأة توفي عنها زوجها وهربت مع رجل بقرب ذلك ومكثت عند الهارب تسعة أشهر أو قربها وولدت، هل يكفي ذلك الوضع في عدة الوفاة لأنها لم يمر عليها زمان قط وهي خالية من الوطء؟ ولمن يكون الولد إن زعمت أنها حاضت بعد وفاة الأول وهي عند الهارب؟
فأجاب: الولد لا حق للفراش، ووضع الحمل كمال عدتها من وفاة الزوج، وهو أيضا يهذم أثر الوطء الفاسد والله أعلم.
[العرف في بعض الجهات أن يبادر أخو الميت أو قريبه بالميت مع زوجته لتكون له]
والآجال. وفي ثاني مسألة من رسم أوصى من سماع عيسى. وفي رابع مسألة من رسم حبل الحبلة من سماعه أيضا في كتاب السلم والآجال، فإن فيه مثل ما جلبناه من المدونة.
وقال في رابع مسألة من سماع أصبغ من كتاب السلم والآجال: سألت ابن القاسم عن المرأة تضع عن زوجها مهرها على أن يحجها. قال: هذا حرام لا يحل، لأنه الدين بالدين. وقاله أصبغ.
ابن رشد هذا بين على ما قال، إنه الدين بالدين، لأنها فسخت مالها عليه من المهر في شيء لم تتنجزه من إحجاجه إياها من ماله، إما بالشراء، وإما بالكراء والقيام بجميع ما تحتاج إليه في ذلك ذاهبة وراجعة.
وقد وقع في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب الهبات والصدقات مسألة معارضة لهذه في الظاهر، كان الشيوخ يحملونها على أنها خلاف لها، ومثل هذا لا يصح أن يختلف فيه. فالواجب أن تتأول على ما يوافق الأصول ونصها:
سئل ابن القاسم عن رجل سأل من امرأته أن تضع عنه، فقالت له: إن حملتني إلى أهلي فهو عليك صدقة، فتصدقت به عليه على أن يحملها إلى أختها. وكانت مريضة. ثم بدا له أن يحملها بعد أن وضعت عنه الصداق، فخرجت هي من غير إذنه، فسارت إلى أختها. هل ترى الصداق له؟ فقال: إن كانت خرجت مبادرة إليها لتقطع بذلك ما جعلت لزوجها، فلا شيء عليه. وإن كان بدا له في حملانها، وأبي أن يسير بها، وعلم بذلك، رجعت عليه بما وضعت عنه. فنقول: إن المعنى في هذه المسألة أنه إنما وضعت عنه الصداق على أن يخرج معها، ولا تمضي مفردة دونه، لا على أن يحملها من ماله أو ينفق عليها في شيء من سفرها سوى النفقة التي تجب عليه لها في مقامها. فإذا حملت المسألة على هذا صحت وكانت موافقة للأصول. ولعلها لم يكن لها ذو محرم يخرج معها، فكانت إنما بذلت له
[600/6]
الخيال الرابع أن يحتمل أمر الشهود في رسم الموت الوراثة بعد موتهم على الصحة, على ما ثبت لأشهب في تفسير ما قدمناه عن المدونة من كتاب الولاء, وحملة ابن يونس وابن رشد على التفسير, وكذا ما في رسم سن من سماع ابن القاسم من كتاب الإستحقاق في القاضي يقصر على سؤال البينة, أنه ما باع ولا وهب, حتى ماتوا وغابوا أنه يحكم بشهادتهم على ظاهر ما في آخر العارية من المدونة , فنقول له: إن الاحتمال الذي في مسألة المدونة خفيف, لأن الولاء ثابت في جميع محتملات المسألة, لأنه إذا أعتقه الولاء وأعتق آباه وأن الشهادة على إقرار المعتق أو شهادتهم غيرهم فالحكم سواء في الجميع في ثبوت الولاء في الجميع وليس الأمر كذلك في مسألتنا, لأنه بنفس احتمال السماع يسقط أمر البنت, وما في رسم سن هذا لأن إتيان الشهود بقولهم ما باعه ولا وهبه إنما هو على العلم, بحيث لا تعارضه شهادة من شهد بخلافه, وما هذا شانه لا تنسب للشاهد به شهادة, ألا ترى ما في آخر العارية أنهم إن أسقطوا ما باع الدابة ولا وهب أن الطالب يحلف على البث وتعطى له, ولئن اعتبرنا ضعف الشهود والحمل(¬1) بهم إلا واحدا وهو غير جائز في إثبات الوارث, لكان ذلك أوهى لشهادتهم بحيث لا تحمل على صحة بكثير, وأيضا حسبنا عن ابن القطان في المسألة الخامسة من المقدمة, وبه الحكم وبالله سبحانه التوفيق انتهى. ملاكان أملاه من ذكرأعزه الله تعالى فتيا في القضية, وصيره الآن مستند حكمه في النازلة المذكورة, وأشهد الآن أنه حكم للعميري المذكور بالإستبداد وحده بالحبس المذكور, كما كان بيده قبل دخول ابن عشرين معه بالبنت المجهولة, والانفراد بجميع الجنان المذكور, وحلف العميري المذكور بمحضر شهيديه حلفا تاما, حيث يجب الحلف من جامع القرويين شرفه الله بذكره, عن إذن من ذكر يمينين اثنين:
[
511/9] على هؤلاء ما يحتاج فيه إلى إرجاء حجة. فهل من حقه أيضا ترك التسمية أو يكون وصيا في الوكالة؟ بين لنا ذلك مشروحا.
فأجاب: وقفت وفق الله القاضي على الحكم وقلت للمؤدب هذا مصروف إلى حال القاضي به عند النظر فيه فإن كان ممن يوثق بعلمه وعدله وأنه لا يعول في هذا على إقرار الموكلين عنده شهادة عليها وأنه عول في ذكر الشهادة على قوله ثبت عندي كما يجب وقوله تقضي الواجب، لم يرد حكمه وإن أشرف حاله وقدر وسعه والموضع قريب رجوعه. وأما بقاء اليتيم على حجته فلا يحتاج إليه في أمر لم يحكم به عليه، وإلا كان القاضي يحتج به عليه فيكون القاضي قصد إذا لم يبقه على حجته فيه فلم يجر بيني وبين المؤدب أكثر من هذا. والذي ذكره القاضي لعله مر على لسان المؤدب أو على سمع القاضي في غير هذه المسألة. والوصي إذا كان مطلق اليد مأمونا ففعله على الجواز في مثل ما وكل عليه حتى يظهر ما يوجب التعقب، وكان حكم القاضي لم يشتمل على أكثر من الحكم على الوصي أنه وكيل لا أكثر مما يعدم في حكمه الإخلال بالكشف عن حال الوكيل. وقد كان نزل هذا بالخطيب أول توليته القضاء وشاورني فيه فأشرت عليه أن لا يتعدى ذكر الوكيل وينص على أنه ثبت عنده أنه وكيل ويحكم عليه بالوكالة دون التعرض إلى ما سوى ذلك، فإن فعل القاضي ذلك واقتصر عليه لم يقدح في حكمه إن لم تذكر أمانة الوكيل عنده.
وسئل عمن أوصى بثلثه ثم اعترف بدنانير لمعين.
فأجاب: إذا اعترف وهو صحيح أو مريض لمن لا يتهم عليه صح ذلك ولم يذكر عليه إلا يمين القضاء وإن لمن يتهم عليه بطل الإقرار عند مالك وابن القاسم خلافا لغيرهما وتكون من الثلث.