وسوف يلاقي من سعى في جلوسهم = من الله عقبى ما أكنت عقائده
علا عقله فيهم هواه أما درى = بأن هوى الإنسان للنار قائده
ومنها ما يفعل على طريق التورية والتخييل وإحالة العين كمصالحه الثوب القديم بالقصارة وصقالة الكمد(¬1)فيوهم بذلك أنه جديد ، كالصبغ في بعض الأكسية البالية وتشويكها لاستخراج الزبين وخياطتها أثوابا يزعم أنها جديدة ، وما أشبه ذلك من رفو الثوب المخرق ومشط قنع الحرير الواهية وعصابته ، ونحو ذلك مما يستعمل الآن كثيرا في الأسواق ويقصد خديعة المشتري . وقد يتعرف من أشباه ذلك بالمباحثة ما لا تسع الإحاطة ولا التنبيه عليه . فما علم من ذلك وجب قطعه ومنع الناس من فعله ، والاجتهاد في عقوبة من عرف به وتفقد الأسواق من مثله .
[505 /2]
ومنها استرسال النساء في مجتمعهن في الحمامات والمآثم على إظهار ما يخفى من محاسنهن وحصون أجسامهن وما يدعو إلى اطلاع بعضهن على ما لا يحل لها من الأخرى ، فإن المرأة أكثر محاسنها وخفايا جسمها يحكم لها بحكم العورة فيجب ستره عن النساء كما يجب عن الرجال . قال بعض شيوخنا : ولا سيما ما يدعو إليه اطلاع بعض الفاسقات على خفي محاسن الأخرى ، وتحرك شهوة التفاعل الذي يختار بعضهن لذته عن مباضعة الرجال . والحكم في أدبهما على قول ابن القاسم راجع إلى اجتهاد الحاكم وهو المشهور ، وعلى من أنزلت منهن الاغتسال . قال بعض المتأخرين : وكثر ذكر هذه المفسدة في هذا الزمان ، والذي يظهر من درئها في هذا الوقت أن من علم هذا من وليته أن يمنعها من الخروج إلى مواضع التهم ، وإن تمادت عليه جعل عليها أمينة ذات محرم منها ، وإن لم ينفع ذلك فيها قيدها في داره كما وقع لحمد يس في الذي قال عثرت على مرد بطاليس يفسدون والدراري معهم وقيودهم في أرجلهم ، فصوب فعله . وقال احبسهم عند آبائهم لا في السجن .
والرواية بذلك منصوصة عن ابن القاسم، ولو وضعته عنه على أن يأذن لها في الحج قبل الحج أو كان الحج تطوعا لسقط بذلك المهر، إذ لا يلزمه أن يأذن لها في ذلك، فكذلك ما أعطاها على أن تركت له حضانة ولدها منه يجوز لها، إذ لا يلزمها
[519/4]
[520/4]
ذلك وكذلك التي بذلت لزوجها مالا على أن يبيح لها صيام الأيام التي نذرت صيامها، إن كانت أياما يسيرة ليس له أن يمنعها من صيامها، إذ لا ضرر عليه في ذلك، فلا يجوز له أن يأخذ عن ذلك شيئا على أن لا يمنعها من ذلك، وإن كانت أياما كثيرة للزم أن يمنعها من صيامها لما عليه في ذلك من الضرر جاز أن يأخذ منها ما أعطته على أن لا يمنعها على قياس مسألة الحج، ويجوز أن تترك له الحضانة على ثمرة لم يبد صلاحها وما أشبه ذلك من الغرر، إذ ليس ذلك بمبايعة، وإنما هو صلح في غير مال فيشبه الخلع. وبالله التوفيق.
[سكنى الجدة مع ابنتها المتزوجة مسقط لحضانتها]
وسئل ابن العواد عن الجدة إذا كانت ساكنة مع الأم في دار واحد وقد تزوجت الأم، فأرادت الجدة أخذ حفيدها وأبي أبوها من ذلك من أجل سكناها مع ابنها.
فأجاب: قرأت السؤال ووقفت عليه. وإذا كان الأمر على ما وصفت فلا حضانة للجدة لأجل سكناها مع ابنتها وزوجها. هذه الرواية المشهورة عن مالك وأصحابه وبها العمل.
وأجاب ابن الحاج بأن للجدة الحضانة ولا يسقطها سكناها مع ابنتها، وهو قول سحنون.
[لا يترك الأندلسيون قول مالك لقول غيره]
وقال في أول كتاب السلم الثالث أيضا: وإن أسلمت إلى رجل في كر(¬1) حنطة ثم تقايلتما قبل الأجل وبعده فأحالك بالثمن على رجل وتفرقتما قبل أن تقبض ما أحالك به لم يجز، لأنه دين بدين انتهى. وقال في أول كتاب الآجال من الأمهات وقد أخل باختصارها أبو سعيد: كل شيء لك على غريم حل أو لم يحل فلا تبعه منه بشيء تؤخره، إلا أن ينقدك يدا بيد كالصرف لا تؤخره يوما ولا ساعة انتهى.
وقال في الآجال أيضا: وإن أسلمت إلى رجل في محمولة إلى أجل، ثم قلت له قبل الأجل: اجعلها لي في سمراء إلى أجلها ففعل لم يجز، لأنه فسخ محمولة في سمراء إلى أجل، ولو حل الأجل جاز لك أخذ سمراء من محمولة، أو محمولة من سمراء، لأنه بدل انتهى. وتأمل هنا وفي السلم الأول تحصيل الشيخ أبي القاسم بن محرز، فإنه من النفائس وقال في كتاب الآجال أيضا: وإن أقرضت رجلا طعاما إلى أجل فلا بأس أن تبيع منه أو من غيره قبل الأجل بكل شيء نقدا، عدى سائر الطعام والشراب والإدام كله. ولا بأس أن تبيعه من الذي هو عليه إذا حل الأجل بم شئت من الأثمان أو الطعام أكثر من طعامك نقدا لا نظرة ثمار أو زبيبا، إلا أن يكون ذلك مثل صنف طعامك، فلا تأخذ أكثر كيلا منه انتهى.
وقال في كتاب الآجال أيضا: ومن بعته طعاما لك عليه حالا من قرض بدنانير لم يجز أن تفارقه حتى تنتقد، إلا مثل أن تذهب معه السوق، أو يأتيك بها من البيت. فأما أن تصير تطلبه بها فلا يجوز، لأنه فسخ دين في دين. قال الشيوخ: والمراد بالسوق سوق الحاضرة، وأما سوق البادية فبعيد يدل عليه قوله: أو يأتيك بها من البيت.
[597/6]
وأما الصنف الرابع وهو من ثبت عليه القاضي شهد فقط فباطل من وجهين: أما من جهة الإجمال لتقديم شهادات مختلفة الذيول, وأما من جهة لو فرضنا شهادتهم معطوفة على من شهد بنصه, فلأنا قد قدمنا في الوجه قبل بطلانها, وما تردد من الشهادات بين الإجمال وبين ما كان باطلا فقد بلغ الغاية من البطلان.
الخيال الثاني وهو رسم التقديم, وهو باطل من وجوه كثيرة, واللائق بهذا الرق منها ثلاثة أوجه:
[511/7] الأول قد رجع من شهوده التسعة ستة, حسبما في الرسم الخامس إلى التاسع, فإما أن يكون فيمن بقي عدلان فأكثر أو لا؟ فإن لم يكن فيما بقي عدلان فأكثر فالرسم باطل, وإن كان فيهم عدلان فأكثر فشهادتهم باطلة, من أجل الإستبعاد, لأن الأصل عدم سفرهم لتونس, فذلك آكد في بطلان شهادتهم بوجود البنت.
الثاني نسلم أن لا بعد في شهادتهم, وان فيهم عدلين فأكثر, وتلزم طريقة ابن رشد رحمه الله في أجوبته, أن الرسم إذا لم يعلم القاضي بالمقبول منه فلا يبطل إلا بتجريح الجميع, فإن رسم التقديم إنما جيء به لكون ابن عشرين أهلا للنظر في مال الأيتام, والغيب لا لكون البنت المدعى وجودها دوجودة بتونس, وقد اتفق الموثقون من عند آخرهم على الوثائق لا يثبت منها شهادة شهوده إلا ما جيء بها من أجله, وما لم يجيء به من أجله فلا يثبت بثبوتها.
الثالث رسم التقديم ليس بمبني على صصواب, ألا ترى الوثيقة قد تراسل فيها القاضي على التقديم, على حسب ما تقدم, على من في علمه بفاس, من تحجير التصرف في بيع الأملاك وإطلاق النظر في غير ذلك, والبنت غائبة بتونس والإجماع على أنه لا يمضي تقديمه عل من ليس في علمه, بل حظه في المسألة أن يقدم لها ناظرا يضبط مالها ويوقفه بيد أمين إلى أن يجد أمينا يوصله إلى البنت بتونس حسبما في الروايات في المدونة وتممها أصبغ في الواضحة وذكره عنه ابن عات في طرره.
فأجاب: إذا لم يكن عذر في إيقاف الوصية في هذه المدة فهي جرحة عليهم لأنهم ظلمة بما فعلوا، ويمكن المحتسب من القيام ولا يمنع من ذلك، ولا يقبل قول الأوصياء إنا دفعنا إلا ببينة على الدفع أو البراءة من قاض. قيل لأنه قد تقدم أنهم لم يخرجوها في وقتها فقد تعلقت بذممهم، ويحتمل أن لا يقبل مطلقا كما اختار السيوري لما تقدم من عدم أمانتهم.
[لا يلزم الورثة إيقاف التركة لأجل الوصية الممتدة إلى سنوات]
وسئل اللخمي عمن أوصى أن تخرج عنه بعد موته مائة ويبة شعير وخمسون ويبة قمح وستون ويبة تمر وخمسون قلة زيت إلى ثلاث سنين، ثلث ما ذكر في كل سنة. وذكر أن التمر يخرج من رؤوس النخل من الجداد إلى الجداد، فاقتسم الورثة، فبعد القسمة قال أحد الإخوة لا نرضى بهذه القسمة، فقال أحد الإخوة نجعل لك ما تشتهي، فقال له الأخ نشتهي نصيبك فتخاصما إلى قاض فقال لهم قسمتكم لا تجوز من أجل الوصية فقال من أراد إتمام القسم القمح والشعير في الدار ورباع المدينة فيها كفاف الوصية مرارا، وإنما لم نخرج الطعام لكونه أراد فسخ القسمة. فأخذوه بينة واكتالوا بحضرتها ما يجب في هذه السنة من القمح والشعير وميزوه ليفرق، واقتسموا بحضرته رباع المدين وأبقوا لها الذي يفي به الرباع وهو أزيد من الوصية فهل يجوز فعلهم أو لا؟ وفي الوصية أربعون دينارا لصبية معينة وخمسة وعشرون قادوسا وأرضا معينة لأحد الأولاد.
فأجاب: ليس في قول الأخ ما يفهم منه أنه جعل لأخيه أن يأخذ
[