تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذا النوع من أعظم المناكر المؤدية إلى استحقاق عموم العذاب الموجبة لسخط الله تعالى ومقته أشد مراتب العذاب ، فواجب على كل من مكنه الله تعالى ويسره لليسرى القبض على مثل هؤلاء وإرهاقهم العقوبة الشديدة والتنكيل المبرح حتى لا يتعاطى أحد فوق قدره ، ولا يتعدى حدود أمره ، فإن فتنة هؤلاء في الأمة أشد ضررا من فتنة الجوع والخوف ونهب النفوس والأموال ، وذلك أن من هلك هنالك فإلى رحمة الله وكريم عفوه ، ومن هلك دينه فإلى لعنة الله وعظيم سخطه ، أعاذنا الله والمسلمين . وكذلك ما يتعاطاه كثير من مدعي علم الطب ومعرفة الأدواء وصناعة اليد على جهل منهم بحقائقه إلا لمحة وقفوا عليها وإشارة نظروا إليها . وهذا الشأن من الطب مما

[504 /2]

تبطل خفاياه ، وتعظم زراياه ، فيسرعون في أجسام المسلمين بالأدوية القتالة والقطع والكي والعلاج المهلك على غير علم . ولقد سمعت أن بعضهم ركب دواء لرجل ثم سأله بعد ذلك عن فعله ، فلما أخبره ذلك الرجل وثب مسرورا وقال : ما كنت أظن أنه يفعل هذا الفعل . وكان هذا الطبيب المستخف قد جربه في هذا المسكين يختبر صحة علمه ومبلغ فعله . ولمثل هذا يأتون على الكثير من النفوس وإتلاف الأعضاء والسمع والبصر بحسب اجتهاد الطبيب وجرأته . ومنهم الصنف المعروفون بالغرباء وهي عندهم صناعة معلومة لها مراتب من الحيل والتخيل والمذكات(¬1)وإيهام العقل ، وينقسم على وجوه كثيرة .

ومنها ، وهي من البدع بالإجماع ، ما تناولته أدلة التحريم وقواعده كالمكوس وتقديم الجهال على العلماء وتولية المناصب الشرعية بالتوارث والجاه لمن لا يصلح لها . وفي مثلهم أنشد الشيخ أثير الدين أبو حيان رحمه الله :

بلينا في قوم صدروا في المجالس = لإقراء علم ضل عنهم مراشده

لقد أخر التصدير عن مستحقه = وقدم غمر جامد العقل خامده

لا تنفرد به دونه، وإن له حقا معها فيها، لأنه إنما وجبت له من أجل أنها أرفق به من أبيه وأرأف عليه منه، وهذا معنى ما يعبر به من الاختلاف في الحضانة هل هي حق للأم أو للولد؟ فعلى القول أنها حق للأم تنفرد بها دون الابن يلزمها تركها للأب إن تركتها له على عوض أو غير عوض، ويرجع في العوض إن كانت تركتها على عوض، ولا وجه لقول من منع واحتج بما ذكرت، لأن ما اتفقا عليه إما هو صلح صالحها بما أعطاها على أن أسلمت إليه ابنه وتركت له حقها في حضانتها إياه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا. وليس في ترك الحاضنة له بما بذل لها على ذلك تحريم حلال ولا تحليل حرام، فوجب أن يجوز ذلك، وجاز عند مالك وأصحابه رحمهم الله إذا خافت المرأة نشوز زوجها عليها، وخشيت عليه مفارقته إياها أن تترك له حقها الذي أوجب الله لها في أن لا يؤثر عليها من سواها من أزواجه على مال يعطيها إياه، بدليل قول الله عز وجل ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح﴾. جازلها إن تترك له حقها في حضانه ولدها على مال يعطيها إياه، إذ لا فرق في المعنى بين الموضعين. ومن قاس جواز ذلك على تقسم (¬1) الشفعة بعد وجوبها على عوض فما أبعد القياس! وأما من منع من ذلك قياسا على ما قالوا في المرأة تريد الحج فيمنعها زوجها من ذلك فتضع عنه صداقها على أن يبيح لها ذلك فقد أخطأ في القياس، لأنه إنما لم يسقط عنه المهر بذلك من أجل أنه يلزمه أن يأذن لها في ذلك، وذلك إذا لم تعلم أن الأذن لها في ذلك يلزمه، وأما أن علمت ذلك فتجوز عليها الوضيعة.

على غير هذا نبه واعتذر. أنظر ابن عبد السلام عند قول ابن الحاجب: وفيها إذا قمتم يعني من النوم. وعند قوله: وفيها، عن ابن مسعود: القنوت في الفجر سنة ماضية.

وقال في أول كتاب السلم الثاني: ومن أسلم إلى رجل في طعام سلما فاسدا فإنما له رأس ماله، ويجوز أن يأخذ به من البائع ما شاء من طعام أو غيره، سوى الصنف الذي أسلم فيه إذا لم يؤخره برأس المال، أو يأخذ نصفه ويحط ما بقي انتهى.

وقال في أول كتاب السلم الثاني أيضا: وإن أسلمت إلى رجل مائة درهم في طعام نقدت منها خمسين وأخرى بخمسين إلى أجل وكان لك عنده منها خمسون، ونقدته خمسين، لم يجز، وفسخ البيع، ولا يجوز من ذلك حصة النقد، لأن الصفقة إذا بطل بعضها بطل كلها. انتهى. ومحل الدليل منها قوله: أو كان لك عنده خمسون ونقدته خمسين لم يجز. وعلة الفساد فيها فسخ الدين في الدين وفي قوله نقدته منها خمسين، وأخرته بخمسين ابتداء الدين بالدين. وقوله: لأن الصفقة إلى آخره. حصل بعض المشايخ ممن تكلم على ألفاظ الكتاب من المغاربة المقيدين في الصفقة إذا جمعت حلالا وحراما سبعة أقوال. ذكرها في أول كتاب النكاح الثالث، وفي كتب الصرف فلتتأمل فيه.

وقال في أول كتاب السلم الثالث: وإن أسلمت إلى رجل في حنطة أو عرض ثم أقلته أو وليته ذلك رجل أو بعته إن كان مما يجوز لك بيعه لم يجوز لك أن تؤخر بالثمن من وليته أو أقلته أو بعته يوما أو ساعة بشرط أو بغير شرط، لأنه يصير دينا في دين. ولا تفارقه حتى تأخذ الثمن كالصرف. ولا يجوز أن تقيله من الطعام وتفارقه قبل أن تقبض رأس مالك أو يعطيك به حميلا أو رهنا، أو يحيلك به على أحد، أو يؤخرك به يوما واحدا أو ساعة لأنه يصير دينا في دين. وبيع الطعام قبل قبضه. فإن أخرك به حتى طال ذلك

[596/6]

انفسخت الإقالة، وبقي البيع بينكما على حاله. وإن نقدك قبل أن يفارقك فلا بأس به انتهى.

لأنا نقول: المفقود من كان غائبا منقطع الخبر عن بلد موروثه حين زهوق نفسه وقد تحقق وجوده قبل فقده, واستصحبت حياته تقديرا إلى أن ينكشف خبره ولا شيء له, مال (كذا) موروثه قبل انكشاف حياته يوم موت

[510/7] موروثه باتفاق في المذهب, بل وفي مذهب فقهاء سائر الأمصار, وليس الأمر كذلك في البنت, فإنها حاضرة ببلد الموت بزعمهم, ومن كان حاضرا ببلد لا تجري عليه أحكام المفقود, ولما كان الشهود بالبنت بفاس, ولم يحضروا موت والدها, هم في إثباتها حين الموت مجازفين متمزجين(¬1) غير محققين لاحتمال موتها قبل موته, وقد علم ذلك مثلا من حضر موته, ولا ميراث بشك كما لا شهادة بمشكوك فيه, عملا بما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - إن رأيت شيئا كالشمس فاشهد وإلا فلا تشهد. ومن هذا ما في أول نوازل سحنون من الشهادات, أن الشهادة لا تكون إلا قاطعة بتة على شيء بعينه. ومن كان غائبا حين موت الموروث وبعده بسنين لا علم له بجميع ورثة الموروث, وأما بعد الموت بحيث يقدر بتونس بعد موت والدها فهذا الوجه بعيد لاسيما والأصل عدم سفر البينة. وأيضا مع بعده فإنا لو فرضنا صحة الشهادة مع الاستبعاد, فإن احتمال الوجوه المبطلة للشهادة معه يوجب بطلانه, لما ثبت في علوم النظر أن الواقع من وجهين, أكثر من وقوع واحد بعينه, ثم كذلك, فمهما كثرت الوجوه بعد وقوع وجه واحد منها. وقد ذكرنا هذا في أواخر الفصل الأول واعتماد ابن القطان(¬2) عليه,كما ذكرنا في المسألة الخامسة بطلان الشهادة مع الإرسال.

وسئل عبدالحميد بن أبي الدنيا عمن أوصى في مرضه المتصل بوفاته بأولاده فلان وفلان ولم يذكر فى الوثيقة صغرهم وكبرهم، وكيف إن لم يعرف صغرهم إلا من قول الأب الموصي ولم يظهر عقد الإيصاء حتى فات الكشف عنهم؟ هل الإيصاء عامل أم لا؟ وهل يقبل قول الأب لصغرهم أم لا؟ وهو كثير الوقوع.

فأجاب: ينظر الأولاد الآن ويقدر سنهم، فإن علم بالتقدير أنهم كانوا في سن من يولى عليهم فذلك وإن لم يتحقق ولا شهد الشهود عليهم حين الوصية فلا يولى عليهم بذلك الذي أشهد به الأب.

وسئل أبوالعباس المروزي عمن غاب فأثبتت زوجته عند القاضي أن زوجها جعلها وكيلة في حياته ووصيته بعد وفاته، وأنها تزوج ابنته منها قبل البلوغ وبعده، فحكم القاضي بذلك وجعل بيدها مثل ما أثبتت، فغاب الرجل نحو سنة ونصف، فأقامت المرأة من عقد نكاح ابنتها ولم يذكر في العقد هل الأب حي فتزوجها بالوكالة أو ميت فتزوجها بالوصية ولا شهد أحد بتمادي الغيبة المذكورة وقد شنعت عنه شناعة الموت فهل العقد يستقل أو فيه وهم لأن اليتيمة تستأمر؟

فأجاب: هذا العقد مستقل بنفسه لأن الأب إما أن يكون حيا أو ميتا وقد جعلها وكيلا في حياته ووصيا بعد وفاته فأشبه ما لو كان هو متولي ذلك هكذا الرواية وفي النفس منه شسء إذا أوصى الزوج قبل بلوغها وبعد وفاته لقوله عليه السلام: ((اليتيمة تستأمر في نفسها)) إلا أنه في السؤال أن أباها أوصى

[508/9] إلى أحد أن يزوجها قبل بلوغها والذي يظهر لي أن العقد تام لأنها فعلت ما أطلق لها الأب في حياته وبعد مماته هكذا يظهر.

[إيقاف الوصي تنفيذ الوصية بغير عذر جرحة في حقه]

وسئل أبوالقاسم بن محرز عمن أوصى أن يخرج من ماله ثلاثمائة قفيز شعير، وأسند الوصية لإخوته فباعوا من التركة في أسرع وقت قدر الوصية المذكورة وأخذوها من الأيتام ولم يخرجوا منها حبة واحدة، وقد هلك في هذه الشدائد فقراء كثيرون ولم يخرجوا لهم شيئا، فهل يجرحون بذلك أم لا؟

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ٢ · الصفحة ٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ٢ · ص ٩٦