تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى أن ينظر أحد العوام في أوراق من الفقه أو الكلام ، ويقدم على الخوض فيما يهلكه والمستمع منه ، أو يقف على مسائل من الخلاف فيختار منها بحسب ما يوافقه من شتات المذاهب ويفيده سوء نظره الكاذب ، ثم يتصدر للقول ويطلب الفتوى فيقول فيما ليس له به علم هذا حلال وهذا حرام ، ويفتري على الله الكذب . ولقد أخبرني غير واحد عن رجل من العامة أعرفه الآن ممن وقف على كلام بعض أهل الظاهر من غير تفهم لمعانيه ولا ملاقاة شيخ فيه أنه أفتى الناس مجاهرا غير مستتر ولا مستحي من الله تعالى أو مراقب لمن يقيم عليه حدوده بأشياء من الفواحش منكرة ، منها أن يمين الرجل بالطلاق والعتاق وما أشبه ذلك من متعلقات الشروط في مثل هذا والتزام العقود لا يوجب الحنث عليه فيها شيئا ، ويحملهم على ذلك ويريهم تسهيل سبيله ، بأن يحلف لهم بالطلاق على شيء وضده في مقام واحد ، ويجرئهم بذلك على حدود الله تعالى ، وعن آخرين يفتون في عظيم النوازل على حسب أغراضهم بما قد سمعوه فلم يفهموه أو قاسوه فحرفوه ، من رخصة قائل أو علة ناظر في مذهب من المذاهب الشاذة والأقوال الفاذة ، وربما مر بنظره الفاسد في أشباه هذه الأقوال إلى استنباط أشياء لا رأس لها ولا ذنب ، يخرق في بعضها الإجماع ، فبيناه يفتي في المطلقة ثلاثا ترد إلى واحدة ، وفي جواز بيع أم الولد ، وإذا به يفتي بإباحة التيمم للصلاة والفطر في رمضان للقادر والصحيح المقيم ، وما أشبه هذا من الفواحش القاصمة للظهر . وما أشد ما أولع ضعفاء العامة بالأخذ عنهم والاقتداء بهم ، لأن النفوس الخسيسة تنزع إلى الشر الذي هو جنسها .

وسئل عن رجل طلق امرأة وله منها ولد تحضنه، فتراضت مع زوجها أبي الصبي على أن تسقط الحضانة بعوض أخذته منه. هل ينفذ هذا العقد بينهما أم لا؟ فكيف إن تعلق بالعوض غرر، هل يجوز ويجري ذلك مجرى الخلع أم لا؟ فإن المسألة اختلف فيها أهل الشورى من الجهة التي نزلت بها، فمنهم من أجاز بيع الحضانة وقاسها ببيع الشفعة، ومنهم من منع ذلك وأجرى المسألة على ما وقع في المرأة إذا أرادت الحج فمنعها زوجها فبذلك له صداقها على أن أباح لها ذلك، وعلى مسألة المرأة إذا نذرت صيام أيام فمنعها زوجها فبذلك له مالا على أن أباح لها صيام الأيام على ما وقع في علمك، أي القولين أجدر بالحق وأولى بالصواب؟ مأجورا إن شاء الله تعالى.

فأجاب: تصفحت رحمني الله وإياك سؤالك هذا وقفت عليه. والذي أراه فيما سألأت عنه على منهاج قول مالك الذينعتقد صحته أن ذلك جائز، لأن الحضانة حق للام إن شاءت أخذته وإن شاءت تركته. واختلف هل ذلك حق لها دون الولد تنفرد به دون الابن؟ فقيل إنها تنفرد به دونه، وقيل إنها

[518/4]

[519/4]

وقال في كتاب الصرف أيضا: ومن له عليك دراهم، فلا يعجبني أن تعطيه دينارا ليصرفه ويستوفي دراهمه وأخاف أن يحبسه فيصير مصرفا لنفسه. وكذلك الفلوس. قال بعض الشيوخ: ولا يعجبني هنا على المنع، لأنه يصير صرفا مستأخرا وفسخ الدين في الدين. وحمله اللخمي على بابه. وقال مالك في سماع أبي قرة(¬1): لا بأس أن يدفع الرجل إلى الرجل دنانير، فيقول له: صرفها وخذ حقك منها لدراهم يسأله إياها. وكأن مالكا استضعف التهمة في مسألة الألف. والفرق أنه يجتمع في هذه المسألة علتان: صرف مستأخر، وفسخ دين في دين بخلاف الأولى.

وقال في آخر كتاب السلم الأول: قال ابن أبي سلمة: وكل شيء لك على غريم، كان نقدا فلم تقبضه، أو إلى أجل. فحل الأجل، فأخرته عنه وزادك عليه شيئا قل أو كثر، فهو ربا ولا تبعه منه ولو برضيعة من سعر الناس وتؤخره عنه فإن ذلك ربا إلا أن ينقدك يدا بيد مثل الصرف انتهى. أقام بعض الشيوخ من قوله ولا تبعه منه ولو بوضيعة من سعر الناس، أن من له على رجل وسق من قمح يساوي عشرة دنانير، فباعه منه بعشرة دراهم إلى أجل، أنه لا يجوز، واستشكل بأنه لا ربى فيه، وفسخ الدين في الدين إنما علته سلف بزيادة، وليست هنا. وأجابوا بأنهم ما فعلوا هذا إلا لغرض مقصود. وإن فخي عنا. أو يقال: يمنع لكونه حماية وذريعة، لئلا يتذرع به إلى علة فسخ الدين في الدين. وقاله أبو محمد صالح. قلت: أو يقال ما فعلاه مظنة السلف بزيادة، لاختلاف الجنس، ولا علينا حصل أو لم يحصل، لأن التعليل بالمظان لا يختلف الحكم فيه عند تخلف العلة، كالقصر في الصلاة للملك والمترفه والقوي البينة. وقول عبد العزيز: هذا وفاق للمذهب وبيان، لأن سحنونا إنما يسوق من فتاوى الصحابة ومن بعدهم في المدونة ما يكون موافقا للمذهب إما نصا وإما إجراء. وما كان ظاهره

[595/6]

509/7] لها, كما يحمل أمرهم أنهم لم يحضروا موت الموروث بتونس, لما في الوثيقة من التصريح بكون الموت بالسماع, ويبقى النظر في البنت من حيث أنهم شهدوا بها بفاس, يحتمل أن يكونوا شهدوا بها بالسماع, لأن الأصل عدم سفرهم, ويحتمل أن يكونوا شهدوا بالعلم, وكلا الوجهين لا تصح فيه شهادتهم, وأما السماع يثبت به وارث لمن له وارث معروف حسبما ذكرناه في المسألة الثالثة من المقدمة, وإذا احتمل السماع والعلم سقطت الشهادة, حسبما ذكرنا في المسألة الخامسة من المقدمة, هذا لو كان العلم في مسألتنا موجودا فكيف ونحن نذكر إن شاء الله في الوجه بعده أن العلم باطل من أجل الإستبعاد, وأيضا لو فرضنا قبول السماع في الوراثة لم يزل بها ما عليه يد حسبما ذكرناه في المسألة الثانية من المقدمة, وهو معنى ما ذكرناه عن الولاء من المدونة في المسألة الثالثة, وقد ثبت في الرسم الثاني فوقه القضاء للعميري تصريحا, وأقل ذلك إثبات اليد وشهادة السماع لا ينتزع بها ما عليه يد, إما باتفاق أو على المشهور, حسبما ذكرنا. وأما العلم فلا تثبت به البنت من وجهين: الأول الإستبعاد لاسيما والأصل عدم سفرهم, والثاني أن مستد العلم بالبنت لا يمكن إلا من جهة التواتر والرؤية, إذ باقي مدارك العلم كالشم والذوق لا يتصور فيها التواتر بحال عادة, لأن الدواعي لا تتوافر على نقل وجود بيت ابن عشرين بتونس والرؤية إما أن تكون قبل موت الأب أو بعده أو حين الموت, وحين الموت باطل, لأن في نص الوثيقة أن الموت بالسماع, وقبل الموت مالذي أفادهم العلم بوجودها حين الموت وهم غير حاضرين ببلد الموت, والتواتر في حقها محال عادة كما ذكرناه آنفا.

لا يقال: إن المفقود هكذا شأنه, أعني أن يتقدم العلم بوجوده قبل موت موروثه.

فأجاب: الشهادة الثابة توجب للمحجور الرشيد الآن إذا كان عنده ما يشفع به الشفعة لأن الوصي من شرط تصرفه المطلق تحصيل المصالح الظاهرة فإذا تركها لغير عذر ولا فقدان شرط فالشفعة لمن ملكها قائمة والشفعة عند مالك من جملة الحقوق الموروثة فهم يقومون مورثهم في طلبها.

وسئل عمن توفيت وتركت بعلها وأخاها لأمها وعصبتها، وكانت أوصت بثلثها بوصايا لمعينين وغيرهم وما بقي من الثلث بين ما يتزايد لبعلها وأخيها المذكورين بالسواء فإن لم يتزايد لأخيها شيء فهو لابن أخيها فلان وعينت موضعين عن باقي الثلث وكان أخوها غائبا وأخوها غائبا وأخوه المذكور وكيله فطلب الجميع المفاصلة وقام على أخيها ابن الأخ المذكور ولم يتقدم للموصي لهم أحد فرفعوا القضية للقائي فأمر بإحضار شاهدين لتقديم الأملاك فقوموا وشط على باقي الثلث مائة دينار فتفاصلوا على ذلك قبل رفع شهود اليتيمة للقاضي ولا علم ولا إذن ثم قدم الأخ ولم يذكر المفاصلة حتى مات ولم يولد له فاستحق الوصية ابن الأخ المذكور فطعن في القيمة قال فيها غبن كثير وبقي موضع لم يقوم وكنت عن غير إذن القاضي ولم يقدم أحدا لينوب عن الموصى لهم وقال لم أحضر أولا إلا للغائب لا لنفسي، والآن أقوم أطلب حق نفسي. فهل له مقال فيما قال أم لا؟ لأنه حاضر وقت القسمة ونائب لكن عن الغائب.

[507/9] فأجاب: من له حق في ملك معين بالوصية فيمكن منه وما فعل فيه من تصرف فتبين أنه آئل إلى هذا الآخر فلا ينفذ إلا في المشترط ما اشترط وتعيين ما انبهم وما فعلوا من ذلك من قيمة عدل بحيث لو رفع لما فعل غيره فإذا حصل فلا نظر فيه إلا في استمراره على ذلك المنهج وما جاء عنه رد إليه بغير بخس في ثمن.

[من أوصى في مرضه بأولاده ولم يذكر صغرهم وكبرهم]

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ٢ · الصفحة ٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ٢ · ص ٩٥