ومنها تزيين البيوت والحوانيت بآنية الذهب والفضة واتخاذ المكاحل والمراود وطرق الغالية والقوارير لصون الدهن . وفي معنى المكاحل الأمشاط والأمرية والأنعلة والقباقب وخرز الأنطعة بخيط الذهب أو الفضة ، فإن هذا كله من الاستعمال المحرم ، وإن كان هذا من متخذات النساء لكنها ليست من حليهن المباح لهن ، لأن حقيقة الحلي ما يتحلين به وهو متصل بهن . قالوا : وجعل الفضة على طرف المرود للاكتحال به خفيف . ويحكى أن الشيخ العوفي صاغ لابنته مكحلة من فضة وقال : غلبتني على ذلك أمها . والعوفي المذكور هذا ليس هو المؤلف ، بل أحد فقهاء تونس المتأخرين في طبقة شيوخ ابن عبد السلام .
[انتصاب الجهال للفتوى والتدريس ]
ومنها المناكر العظيمة القاصمة للظهور ، المورثة للقبور ، المنجرة بتعاطي الجهال العلم وانتصابهم للفتوى والطلب والإلقاء ، فهذا أمر فاش قد كثرت البلوى به وعمت المصيبة به وهلكت بسببه الأديان والأبدان . وذلك لما ضاع العلم وقل القائم به والمناضل عنه وذهب أهل التمييز والتحقيق ، فانهمك الناس وتعاطى العلم جهالهم وأفضوا إلى ما حذر منه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم « في نزع الحق حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا » ، أعاذنا الله أن نكون منهم ووقانا التباعات .
قال الشيخ أبو عبد الله بن المناصف رحمه الله : وقد انتهى الحال اليوم
[503 /2]
وسئل ابن رشد عن رجل طلق امرأته وله منها ابنة وتركها عند والدتها فتزوجت المرأة وتركت الابنة معها مدة من خمسة أعوام ونحوها، ويريد الآن أخذها من والدتها، أي يستخدم بها الزوج فلم يحتمل ذلك ومنعته الأم من ذلك، أفتنا بالواجب في ذلك يعظم الله أجزك.
فأجاب: تصفحت سؤالك ووقفت عليه. وإذا كان الرجل ترك ابنته عند أمها بعد أن تزوجت التي ذكرت فليس له أخذها منها إلا أن يثبت تضييع الأم لها، واستخدام زوجها لها، وبالله التوفيق.
وسئل عن رجل كانت له زوجة فطلقها وله منها ابنة، فتزوجت المرأة وتركت البنت المذكورة مع أمها بعد أن تزوجت مدة من ثلاثة أعوام، ثم أراد أخذها منها هل له ذلك أم لا؟.
فأجاب: إن ترك الأب الابنة عند أمها بعد أن تزوجت المدة المذكورة
[517/4]
[518/4]
فهو رضى منه بتركها عند مسقط لما وجب له من حضانتها. فالواجب أن ترد إلى أمها تكون في حضانتها وكفالتها، ويجري الأب عليها النفقة. وهي رواية حذها في كتاب أبي غسحاق التونسي وبالله التوفيق.
[إذا تركت الحاضنة المحضون لسفر أو عذر آخر أخذته بعد رجوعها]
وسئل عن الحاضنة أم أو غيرها تسافر إلى موضع لا يكون لها حمل المحضون إليه وتتركه لأبيه ثم تنصرف من سفرها ذلك على قرب أو بعد، هل ترجع على حضانتها أم لا؟ وكيف إن كان خروجها إلى الصائفة ثم ترجع هل لها ذلك أم لا؟
فأجاب: لا يسقط ذلك حقها في الحضانة، ولها أن تأخذ ابنها إذا رجعت من سفرها، كما إذا تركت حضانتها لأبيه لانقطاع لبنها أو لمرضها.
[بيع الحضانة وبيع الشفعة]
وقال في كتاب الصرف أيضا: وإن قبضت من غريمك دينا، فلا تعده إليه مكانا سلما في طعام أو غيره انتهى. قال بعض الشيوخ يريد: وكذلك يحدثانه يدل عليه المسألة التي بعدها. وقال غيره من الشيوخ: ليس المراد بالمكان الوقت الحاضر، ولا بعد يومين والضابط ما تزول به التهمة كما صرح به في السلم. وقال أبو إسحاق وكأنه إذا ردها بالحضرة هكذا كأنه لم يقبضها انتهى. ونظيرتها في آخر -السلم الأول. قال فيه: ومن له على رج مال فقال له أسلمه لي في طعام، لم يجز حتى يقبضه ويبرأ من التهم، ثم يدفعه إليه بعد ذلك إن شاء، لئلا يكون تأخيره سلفا يجر به منفعة أو يعطيه من عنده، فيدخله الدين بالدين انتهى.
وقال في كتاب الصرف أيضا: ومن لك عليه دراهم فقلت له صرفها لي بدينار، وأجلني به لم يجز، لأنك فسختها عليه في دينار، فيصير صرفا مستأخرا، أو أخرته بها إلى أن يشتريه لك فيصير سلف جر منفعة انتهى. قال في الدخيرة: لأنه إن صرف من نفسه، فهو تأخير لما يرجوه من زيادة العوض أو من غيره، فتكون المنفعة تولية المصارفة. فإن فعل وشهدت البينة بصرفه من الغير فحكي عبد الحق عن المذهب المنع، وجوزه اللخمي انتهى. وأنظر نظيرة المسألة في أول مسألة من رسم من سماع ابن القاسم من كتاب السلم والآجال.
وقال في كتاب الصرف أيضا: ومن لك عليه ألف درهم إلى أجل، فلما حل الأجل دفع إليك عرضا فقال: بعه واستوف حقك جاز انتهى. قال عياض: اعترضها سحنون، وقال: أخاف أن يسلمها لنفسه، فيكون ربها مخيرا عند فسخ دينه فيما لا يتعجله. ولا أدري أرضي بذلك أم لا؟ وإنما يكون ربها مخيرا لأن الوكيل معزول عن البيع نفسه، والطالب محتمل أن يبيع العرض من غيره، فيكون بيعه صحيحا. ويحتمل أن يبيعه من نفسه، فيكون
[594/6]
ربه مخيرا، فيطالبه برد العرض، وله هو على رب العرض ألف درهم فيكون فسخ دينه فيما لا يتعجله.
وأما الفصل الثاني فإن الخيال الأول منه رسم الموت والوراثة, وفيه ذكر البنت بتونس, فنقول هذا باطل من وجوه كثيرة, قد أتينا على كثير منها في جوابنا الحافل في المسألة, واللائق بهذا الرق وجهان: الأول أن شهوده كلهم قد بلغوا الغاية من الضعف بحيث ليس فيهم موصوف بعلم ولا بعدالة, بل ليس فيهم موصوف بالمعرفة إلا محمد بن علي بن حيون, ويتأكد ذلك بأن قد ثبت في خامس سطر من رسم الثاني عشر الأخوين يحي ومحمد بصحة وفاة عمهما والد البنت وتاريخه بعد تاريخ رسم الوفاة والوراثة بسنين فلو كان رسم الموت والوراثة صحيحا لم يحتج أبي مهارش ولا من صار إليه الحبس من بعد والد البنت لإقرارهما لأنهما محجوبان برسم الموت والوراثة, والثاني مع ضعفهم فقد اضطربت شهادتهم, بحيث اروا أربعة أصناف, الأول من شهد بمعرفة الموت والوراثة بحضوره لذلك, وهو الأول, والثاني من شهد بالموت والوراثة فقط, وهو الثالث, والثالث من شهد بنصه تصريحا وهو الثاني, والرابع من كتب عليه القاضي شهد فقط وهو الخامس, الذي كتب عليه القاضي أنه معروف والسادس بعده, وكل صنف من هؤلاء الأصناف باطل, أما الأول فلتوحده, والوراثة لا تثبت بالواحد, ولأن في الوثيقة ثبوت الموت بالسماع, وأما الصنف الثاني فلتوحده أيضا, وزيادة إجمال الشهادة, لأن قول القاضي شهد بالموت والوراثة لا دليل فيه على السماع, ولا على العلم, ولا يح عطفه على من قبله الذي شهد بنص الوثيقة, لا فصاح القاضي فيمن بعده أنه شاهد بنص الوثيقة, وإهمال ما كتبه القاضي لا يجوز, ولأنه يوجب أن لا متمسك في قوله لأحد, فلا حجة للقائم في أمر البنت, وأما الصنف الثالث فلأنهم من حيث كانت الشهادة بفاس يحمل أمرهم أن مستندهم في إثبات الأخوين يحيى ومحمد العلم بحضورهما
[
فأجاب: إن هذه البكر لا يتعرض الحاكم إليها بوجه، فإن أرادت الحكم لها في أمر من أمور الوصايا فلا بد من إثباتها أهليتها وقيامها بما أسند إليها وعدالتها، غير أن هذا الشرط مطلوب في كثير من الأوصياء كما شرط في المؤذنين ولم يقدر عليه بوجه اليوم وأهمل هذا الشرط كما استهانوا في جوامع المدائن أخذ الأجرة على صلاة الفريضة ولم أر من ينسب إلى الطلب يتوقف عنه وللعلماء فيه خلاف والأقل على كراهته والقول بجوازه ضعيف.
وسئل عن محجورة لها وصيان، أحدهما له معها شركة ربع فباع نصيبه ذلك لا بمائة وخمسة وستين دينارا حالة وخمسين مؤجلة ووقع قبل الإشهاد أن الوصيين سلما في الشفعة تسليما تاما بعد وجوبها وعلمها بالثمن والمثمون ولكونهما ليس تحت أيديهما ما يشفعان به وقت الشهادة في البيع وتسليم الشفعة وثبت أن لها عمة تحت يد عمتها المشرف سبعون دينارا ولها ديون وصداق على زوج لها وفاضل غلات وأكرية عند أحد الوصيين وكانت رغبة الوصيين في الأخذ بالشفعة لها لما ذكرت فامتنعا فأخذت هي بالشفعة بشهادة
[506/9] عدلين لما لها من السداد والصلاح فقام من يخاصم عنها فبقي في الخصومة مدة ثم توفيت فطلب ورثتها الشفعة واستظهروا بعقد يتضمن معرفة الحصة المبيعة وقدر ثمنها وأن أخذها بالشفعة وقت البيع سداد وصلاح لنفاسة المبيع ولكون الثمن لم يكن مستوفيا وشهد به شهود ونازعوا في وقت عقد تسليم الشفعة هل هو قبل العقد أو بعده لكونه كان في زمن واحد وسئل شهود البيع والتسليم أيهما كان قبل صاحبه فلم يتحققا ذلك فهل للورثة في الشفعة حق إذا ثبت ما ذكر من السداد وأن عند الوصيين ما يشفعان به لهما مع مالها من دين على أملياء؟ وكيف إن قالوا لا نصبر حتى نقبض من الدين لكون أجل قبض ثمن الشفعة أضيق من ذلك؟ فالرغبة إليكم في بيان ذلك كله.