ومنها ما قد انتشر ووقعت المجاهرة بفعله في الأسواق من غير نكير كبيع القلائد وعقود الجوهر المشتملة على شذور الذهب أو الفضة المنظومة مع غيرها من الجواهر واليواقيت والقرنفل ونحو ذلك ، فبيع هذه الأصناف وما في معناها منظومة في صفقة واحدة بدنانير أو دراهم فاسد لا يصلح ، كان الثمن من جنس ما في المنظوم أو من جنس غيره من الذهب والفضة ، لأنه إن كان من جنسها ففاسد من حيث عدم التماثل في الوزن ، وإن كان من غير جنسها ففاسد من حيث إنه بيع وصرف ، إلا أن يقل ما كان من غير الجنس مع السلعة حتى يكون كالتبع ، أو تقل السلعة قلة بينة فيستخف نقدا . والوجه في هذا أن ينقص ويباع كل على حدة بما يصح به بيعه أو يباع منظوما بعرض غير الذهب والفضة كالبر والشعير وأنواع العروض فلا اعتراض فيه إذا سلم من الجهالة ببعض المنظوم وعظم القدر والخطر . وما تواطأ الناس عليه اليوم وأعلن بالنداء عليه في الأسواق بمحضر الخواص والكافة من بيع اللجم والركب وقوائم السيوف ونحو ذلك مما هو محلى بأنواع الذهب والفضة التي لها
[502 /2]
قدر عظيم بالدنانير والدراهم ، وذلك فاسد إذا كان الثمن من جنس تلك الحلية إلا أن تكون تلك الحلية تبعا كالثلث فدون ، وإن كان بغير جنسه استخف تلك الحلية قلت أو كثرت ، وكل ذلك نقدا ، ولا يصلح في شيء منه نسيئة ، وفي استعمال اللجم والركب بحلية الذهب والفضة نظر قبل كل شيء ، لأن الذي أبيح من ذلك ما كان في المصحف والخاتم من الفضة خاصة .
[ما لا يباح للمرأة اتخاذه من أواني الذهب والفضة ]
فحاصل نصوصهم وظاهر كلامهم أن المعتبر في مبدأ الستة الأشهر يوم العقد لا يوم الدخول، فليست نازلة السؤال من مسألتي المدونة في كتاب العدة التي اعتبر بها ابتداء الستة الأشهر من يوم الدخول، لاختلاف موضوع هذه النازلة مع موضوع تلكم المسائل، لأن فرض هذه النازلة أن عقد الثاني بعد انقضاء عدة الأول فصح النكاح، وفرض مسائل عدة المدونة أن الثاني عقد بعد حيضة وقبل انقضاء العدة فكان النكاح فيها فاسدا. فضعف اعتبار العقد وحده لفساده، وقوي باعتبار إضافة الدخول إليه فاعتبر من يوم الدخول. وصحة العقد توجب اعتباره منفردا من غير إضافة له ما ينعشه لاستقلاله بقوته، فبان الفرق واتضح. وفي كلام ابن محرز بسط لهذا المعنى وإيضاح له. وإنكار الزوج للمسيس وقت العقد وتأخره بزعمه غير موجب لنفي الولد كما تقدم تقريره وأخذ من المدونة وغيرهما. نعم يتعلق باعترافه بعدم مسيسه بقرب يوم العقد معنى آخر عائد إلى الزوج وحده، وهو اعترافه ضمنا أنه تزوج الزوجة المذكورة في عدتها. فترتب عليه آثار هذا
[516/4]
[517/4]
الاعتراف في حق نفسه من فسخ النكاح وتأبيد التحريم، ولا يترتب عليه نفي الولد الذي هو من حق غيره. وللمسألة فروع باعتبار ما يتضمنه اعتراف الزوجين بنفي المسيس كما في السؤال. تركنا الكلام عليها لعدم السؤال عنها والله تعالى ولي التوفيق بمنه (¬1).
[المرأة الهاربة عن رضيعها حتى مات]
وسئل ابن هارون عن امرأة الهاربة عن رضيعها حتى مات من عدم اللبن.
فأجاب: ديته على عاقلتها، وقاسها بالمسافرين الذين منعوا الماء حتى ماتوا عطشا، أن ديتهم على عاقلة المانعين.
[ترك الأب ابنته عند مطلقته أعواما مسقط لحقه]
فسخ الدين في الدين على ما نص عليه علماؤنا وصوروه، وأوضحوه وقرروه، مشروط بأن يكون في غير الجنس على أكثر قدرا أو أجود صفة. وقد انتفت في نازلة ابن مدورة جميع هذه الشروط. لأنه إنما فسخ جيدا كثيرا في قليل رديء، فينتقي مشروطها. هذا إذ كان ذهب القيمة المفسوخ في التبر والحدادي والخارجي زيانا. وعليه، فيكون قولكم فقف على قوله: دين بدين، إنما جاء من التأخير. وقولكم فمفهومه لو لم يقبضه لم يجز إلى آخر كلامكم باطلا، واحتجاجكم بما جلبتم من مسائل المدونة على فرض النازلة ساقطا لأن المنع فيها ليس لأجل التأخير فقط كما توهتهم، بل من أجل التأخير مع اختلاف الجنسية فافهموه.
وإذا تقرر هذا فاستدلالكم بالمسائل المذكورة صحيح في نفسه، لكنه لا يتنزل على نازلة السيفي وابن مدورة مسمى فسخ الدين في الدين، وإنما المنع فيها من ناحية الصرف المستأخر، والبدل المستأخر مع ربا الفضل إذا باء كثير بقليل، يدا بيد. ويدلكم دلالة ظاهرة، على أن من شرط فسخ الدين في الدين ما ذكرناه، جملة المسائل التي جلبتم من المدونة ما سنجلبه منها ومن غيرها تذييلا لما سردتم، وتكميلا لما إليه من الاستدلال قصدتم، لا على المهيع والمعنى الذي أردتم، وكلها دالة بالاستقراء التام، على صحة تلك الشرطية في هذا المقام.
قال في كتاب المكاتب: ولا بأس في تفسخ ما على المكاتب من عين أو عرض حل أو لم يحل في عرض معجل أو مؤجل، مخالف للعرض الذي عليه أو من صنفه، بخلاف البيوع انتهى. ومحل الدليل منه قوله: بخلاف البيوع.
وقال في كتاب الصرف: ولو كان له عليه ألف دينار حالة فباعها منه بطوق من ذهب، ثم فارقه قبل قبضه، فلا خير فيه، ويرد الطوق ويأخذ دراهمه،
[593/6]
انتهى. قال أبو عمران كل ما يكون التناجز شرطا في صحته، فلا يكون النظر إليه قبضا.
وقد ثبت النظريات أن وقوع واحد من اثنين وهو حرمان البنت أكثر من وقوع واحد بعينه, وهو كونها تستحق الحبس, وإذا ثبت كثرة حرمان البنت فالمصير إليه بإجماع من كل قائل بالترجيح, وهم كافة أهل العلم إلا من لا يؤبه به, ولا يعتد بخلافه, وعل هذه الطريقة اعتمد ابن القطان رحمه الله في القضاء على الغائب مستدلا لحة مذهب أهل المدينة, عل ساكنها السلام فقال: القضاء على الغائب واجب, لأنه إما أن يكون مقرا حين القضاء عليه أو لا, فإن كان مقرا فغرامته واجبة, وإن لم يكن مقرا فكذلك أيضا لأنه ملزوم بقول البينة, واحتمال إتيان
[508/7] الغائب بقادح في البينة أو ببراءة من الحق يذهب به احتمال إبطال الغائب لذلك, فلم يبق للغائب وجه تسقط فيه غرامته إلا وجه واحد وهو أن يأتي بقادح في البينة أو ببراءة لا مدفع فيها للطالب, وذلك أمر نادر فهو ملغي.
وسئل عمن توفي وترك أطفالا إناثا وذكورا، وترك ربعا بأيديهم فرفع خبرهم إلى حاكم الموضع فحاط عليهم الربع وأجرى عليهم أرزاقهم وبلغوا وهم كذلك إلى أن عزل الحكام، وتزوجوا وولدوا الأولاد وباعوا قبل التزويج وبعده وهم لم يرشدوا لا ولم يخرجوا من الولاء، أيرد البيع أم لا؟
فأجاب: إذا نظر فيهم الولاية لحكم جائز عليهم فليس لهم أن يخرجوا من الولاية إلا بما يوجب خروجهم منه من صلاح الحال وحسن النظر في الأموال وإن خرجوا بأنفسهم وفرط في النظر لهم وليهم ولم يتأهلوا الخروج من الولاء
[505/9] فأفعالهم أفعال المولى عليهم لا تجوز وما باعوه فمردود إليهم والمشتري منهم قد غرر بماله وينظر القاضي العدل في نكاحاتهم إن كان عقدوها قبل بلوغهم فما رآه صلاحا أمضاه وما رآه غير صلاح فسخه وليس لامرأته إن كان أصابها وفسخ نكاحها إلا ما تستحل به ربع دينار وإنما ينظر في هذا على حقيقته قاضي المسلمين فيحكم فيه بما ذكرنا وكل من بيده مال هؤلاء الموصى عليهم شيء اشتراه مما يحل التماسك به فلا يرده إلى يد المولى عليه ولكن ينظر القاضي فيوقفه على يد من يستأهل ذلك وليس يؤخذ المولى عليه بشيء من الثمن إذا كان قد أنفق من الأثمان وذهبت.
[إذا رشد الرجل ابنته البكر في مرضه وأوصاها على أخيها، لا يتعرض إليها الحاكم]
وسئل ابن البراء عمن رشد ابنته في مرضه وأسند الإيصاء إليها في ابن له آخر، هل يفتقر بعد موته إلى إثبات رشدها؟ أو هو كاف في نفسها وفي إسناد الإيصاء إليها بأخيها؟