تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنها ما يستخفه بعض الناس من أذى البهائم والعنف على الدواب كإثقالها بالأحمال التي لا تستقل بها وإرهاقها في سرعة المشي بالضرب والزجر الشديد ليستخرج منها فوق وسعها ، مثل ما اعتيد فعله الآن من حمالي الزرع ونقالي الحجارة والجبص والخدمة من الزمالين وغيرهم ، فهذا من المناكر التي يجب الاحتساب فيها ومنعهم منها ، ولا حجة له في كونها ملكه ، فإن الحيوان محترم وحفظ النفس واجب ، حتى لو اتفق أن يرى أحد وقد حمل نفسه فوق ما يطيق من ذلك وعنف عليها عنفا يظهر منه سوء نظره لها لمنع من ذلك وقهر على إزالته وجوهد عليه إن أباه .

ومنها المنكرات المعتادة في الأسواق وعقود المعاوضات كأنواع الربا في المعاملات والأثمان والمصارفة ، وهو على وجوه : فمنها ما لا يكاد يخفى على أحد كإعطاء درهم باثنين والزيادة في دين حل على النظرة به فهو استعجال بعض عن كل فيما لم يحل ، وأشباه ذلك من ظواهر الربا .

فأجاب: الحمد لله تعالى دائما. الجواب والله سبحانه الموفق للصواب بمنه: أن الزوج الثاني إن عقد على الزوجة المذكورة بعد انقضاء عدتها من الأول وتمام الإقراء في الأشهر المذكورة واعترفت يوم عقد الثاني عليها بانقضاء عدتها، ثم أتت بولد لستة أشهر من يوم عقده المذكور، فإن الولد يلحق بالثاني إن أمكن وطؤه لها ووصوله إليها من يوم العقد، وكان الزوج ممن يطأ وتحمل منه. فإن كان الزوج بموضع بعيد المسافة عن موضع الزوجة بحيث يعلم أنهما لم يلتقيا بقرب يوم العقد لبعد المسافة، أو كان ممن لا يطأ لصغره، أو لا تحمل منه الزوجة لم يلتحق الولد به، والشاهد لصحة ما قررناه قوله عليه السلام الولد للفراش والحرة تكون فراشا للزوج بعقده عليها. وقد قال الإمام

[515/4]

[516/4]

أبو عبد الله المازري في المعلم: وأما الحرة فتكون فراشا بالعقد، وهذا متفق عليه. قال عياض في إكماله: هذا شرط إمكان الوطء ولحوق الولد، وهو أن تأتي به لستة أشهر فأكثر من يوم العقد انتهى بالمعنى. فحكم الشرع بلحوقه مع حصول هذه الأوصاف وأن لا ينتفي منه إلا بلعان. وفي ل عان المدونة: ومن لم يعلم له بزوجته خلوة حتى أتت بولد فأنكره وأنكر المسيس فادعت هي أنه منه وأنه غشيها وأمكن قوله وأتت بولد لستة أشهر فأكثر من يوم العقد وقد طلق أو لم يطلق لزمه إلا أن ينفيه بلعان انتهى.

ونازلة السؤال أحرى في إبجاب الحكم المضمن في مسألة المدونة وادعاء الزوجة عدم الغشيان لغو ولفظ جاء في السؤال لا يوجب حكما ولا يؤثر عدمه ومثله في سماع ابن القاسم في اللعان من أجوبة ابن الحاج: أجمع عامة أهل العلم أن الرجل إذا نكح امرأة نكاحا صحيحا ثم جاءت بعد عقد نكاحها لستة أشهر بولد أن الولد به لا حق إذا أمكن وصوله إليها، وكان الزوج ممن يطأ. وإن علم أنهما لم يتلاقيا بعد النكاح لبعد مسافة ما بينهما لم يلحق به الخ.

وفي الآجال ولا بأس أن تأخذ من دين لك مؤجل ورقا من ذهب، أو ذهبا من ورق، أو ما شئتما من السلع نقدا، ثم قال: ومن لك عليه ألف درهم حالة، فاشتريت بها منه سلعة حاضرة بعينها، فلا تفارقه حتى تقبضها. فإن دخلت بيتك قبل أن تقبضها فالبيع تام، وتقبضها إذا خرجت ثم قال فيه: وإن أخذت منه بدينك مالا مؤونة فيه من مكيل الطعام والفواكه في كيل أو وزن أو عدد، لم يجز تأخيره إلا ما كان يجوز لك في مثله أن يأتي بجمال أو مكتل تجعله فيه. انتهى.

وفي الفاسدة وكل دين لك على رجل من بعي أو قرض فلا تفسخه عليه إلا فيما تتعجله. فإن أخذت به منه قبل الأجل أو بعده سلعة معينة فلا تفارقه حتى تقبضها فإن أخرتها لم يجز. انتهى.

فهذه المسائل كلها في المدونة وغيرها، قائلة بصريح لفظها: إن الصلح المنعقد لا يصح لتأخير الأربعمائة دينار اثنا(¬1) عشر يوما سواء كان بشرط أو بغير شرط، لأنها صارت مأخوذة من دين، لأن فرض المسألة أن السيفي ضمن بالعداء دراهم الأمانة ودراهم القرض انتهى.

أقول لما قرر هذا المسكين أن علة فساد الصلح في نازلة ابن مدورة ما اشتملت عليه من فسخ الدين في الدين الذي عبر عنه بقوله: لأن غايته بيع ما في الذمة بشيء مؤخر، وهو لا يجوز على ما هو معروف المذهب شرح هنا الاستدلال والاحتجاج على صحة ما ادعاه من ذلك بما جلب من مسائل المدونة هنالك ومن ركب في المسألة منصة الإنصاف وجانب المكابرة المذمومة والاعتساب، وتأمل وحقق، وأمعن النظر ودقق، وزوال الفقه وحصله وعلم مجمله ومفصله، علم قطعا أن ما ادعاه المعترض من فسخ الدين في الدين الذي به أفتى لا يتصور في نازلة ابن مدورة ولا يتأتى، لأن

[592/6]

507/7] على وفقها في حرمان البنت المدعى وجودها, لأن من حلف عن عدم وجود البنت ليحرمها من الحبس فقد حلف على كل ما يوجب حرمانها, لما ثبت من اتفاق العقلاء من أهل الأصول والفقه وغيرهم من كل ما يحاول صناعة نظرية على أن رفع الأعم يوجب رفع الأخص ولا أعم من رفع وجود الشيء, وكلما تخصص الشيء المرفوع كان رفعه أعم, هذا معلوم بالضرورة ولنمثل لذلك مثالا من القول. فنقول من حلف على شخص رآه أنه غير حيوان فهو حالف عل انه ليس بإنسان ولا فرس ولا غيرهما من أنواع الحيوان وأصنافه, بل هو حالف على أفراد أشخاص الأنواع والأصناف, فذلك نحنثه بوجود شيء منها في حقيقة ذلك الشخص المحلوف عليه, وهذا ظاهر لا خفاء فيه, وإن لم يوجد العميري من يزكي أبا الحسن بن عشرين او عمه, فإن الحكم أن لا شيء للبنت أيضا, والدليل على ذلك أنا إن نظرنا إلى عدالتهما احتمل الأمر عدالتهما أو لا فيذهب كل احتمال لصاحبه, فلا شهادة لهما, والأصل أن الحبس بيد العميري بيقين, فلا يزال عن يده بمحتمل, ووجه ثان يليق لقلة النظار, وهو أن نقول إما أن يكونا في نفس عدلين أو أحدهما أو لا واحد منهما بعدل, وفي جميع الوجوه لا شيء للبنت, أما إن كان عدلين فظاهر, وكذلك إن كان أحدهما ويحلف معه العميري على حسب ما ذكرنا في الوجه قبله, وإن لم يكن واحد منهما بعدل بحيث لا يلزمها قولهما فذلك وجه واحد, وقد تقدم قبله وجهان.

وسئل عن صبي مولى عليه غاب عنه وصيه فبايعه أقوام باعوا منه متاعا بدين أو دنانير بدين سلعة فتجر بالذي اشترى منهم فاغترق الدين ما بيده، وله مال ببلده الذي به الوصي، وهو حين اشترى من هؤلاء الغرماء ابن سبيل ببلد نائية مقطوع به محتاج إلى كسوة ونفقة وحمولة تبلغه إلى بلده ثم قدم إلى البلد الذي به الوصي أن يهدر عنه هذا الدين كله ويأخذ ما بيده يضمه إلى ماله هل يجب له ذلك أو هل يجب عليه الدين في ماله وذمته إذ كان حين

[504/9] الشراء محتاجا إلى ذلك واشترى على شراء الناس أم هل يجب للغرماء أن يتحاصوا فيما بيده خاصة.

فأجاب: هو وإن كان ابن سبيل محتاج فتقلبه في التجارات غير لازم له إذا كان تحت الولاء باق بعد لم يستاهل الخروج منه، ولكن يلزمه ما أنفق من ذلك فيما لا بد له من معاش ودفء وركوب إلى مكانه. فما فضل بيده بعد ذلك من أموالهم فليس للوصي أن يأخذه وهو لغرمائه يتحاصون فيه إذا كانت معاملتهم إياه منفعة في حاجة ومن عامله منهم وهو مستغن عن النفقة ما لم يعرف بعينه أنه له فتأمل ما وصفت لك وجها وجها، وبالله التوفيق.

وسئل الأستاذ أبوسعيد بن لب عن بنت مات والدها وأوصى بها إلى أمها منذ نحو ثلاثين سنة ثم توفيت الوصية في عام خمسين وتركتها مهملة وعقد الإيصاء غير ثابت، ثم تزوجت البنت المذكورة وأقامت المتزوجة من نحو ستة عشر عاما فهل هي محجورة أو مهملة أو رشيدة تملك أمر نفسها ويجوز بيعها وشراؤها وإعطاؤها.

فأجاب: الحكم في المسألة المذكورة أن المرأة المذكورة لا حرج عليها إذا لم يكن عقد الإيصاء ثابتا بما يجب ولو ثبت وقد ماتت الوصي المذكورة وطالت المدة وتصرفت تصرف الرشيدات بطول المدة لكانت على حكم الرشد في أفعالها على الصحيح من الأقوال في أفعال المهمل في مثل هذه النازلة قاله فرج.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ٢ · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ٢ · ص ٩٢