ومنها اجتماعهن في بعض الأسواق التي قد يضطررن إليها كسوق الغزل ونحوه ، وربما خالطهن الرجال وسفلة السماسرة وحدثوهن وتمازحوا بما لا يحل ، وذلك منكر ظاهر ومدعاة إلى النزو وارتكاب لمحارم الله تعالى ، فينبغي بعد اضطرارهن إلى ذلك أن يقدم هناك أمناء ويختار ثقاة السماسرة وشيوخهم ، ويمنع من كان متهما من التصرف لهن ، ويعين للنساء موضعا مستترا يخصهن للخلوة في قضاء ما يحتجن إليه من ذلك ، بحيث لا يخالطهن من يتصرف لهن من الرجال .
ومنها اتخاذ بعض الناس ما يؤول إلى أذى المسلمين والتضييق في الشوارع عليهم كتكديس المرحاضات المستخرجة من سروب المحلة وقنوات تلك الحومة وتركها كذلك في المواضع الضيقة بحيث يتنجس المار وقد يقع فيها الصبيان والماشي ليلا . وكذلك اتخاذ مرابط الدواب على الطرق واتخاذ الكلاب العادية في الحومات وعلى أبواب الديار .
ومنها ما يكون من قطر الميازيب التي تجري بالغسالة والنجاسة في موضع لا يكاد المار يسلم من لوثها ، وكذلك اتخاذ مرابط الدواب على الطرق بحيث ينال المارين من ضيق الموضع بها وتعذر الجواز بروع كثير من الناس مضرة ظاهرة ، وربما أدركهم شيء من تلويث ثيابهم وتنجيسها بما يكون من أرواثها وأبوالها .
[501 /2]
[إرهاق البهائم والإنسان بالأثقال منكر يجب تغييره ]
يكون قوله لا تحل له أبدا دلالة على أمر زائد على الثلاث، فإما أن تكون دلالة الزائد طلاقا أم لا، فإن لم يكن طلاقا فلا شيء في تحريم الأبد، وإن كان طلاقا فأغياه تأثر الحرمة بالثلاث، ولا خلاف في النفي بعد الإثبات، لأن بعض كل أعم من الآخر، نقول لا حلال أعم من حرام ومكروه، فلما دل لإحلال على وجهين على السواء لم يكن صريحا في طلاق ولا تحريم، قاله ربيعة رضي الله عنه وهذا هو المذهب في اللفظ المحتمل شيئن على السواء. لأنه يسأل عما أراد، وإن قامت عليه بينة، ويحلف على ما ادعى لاحتمال إرادة الثاني احتياطا للفروج، ولنقف هنا إن شاء الله تعالى. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
[المعتبر في أقصر أمد الحمل تاريخ العقد لا الدخول]
وسئل بعض المفتين عمن تزوج امرأة وبني بها ثم طلقها بعد البناء فتزوجت رجلا بعد انقضاء عدتها بالأشهر والإقراء، ثم إنها أنت بولد لستة أشهر من يوم العقد، فادعت الزوجة أنه لم يبن عليها إلا بعد مضي ستة أيام من يوم العقد، ووافقها الزوج الثاني على ذلك. وادعى الزوج الأول أنها أبقته جهلا منه بالحكم. ووافقه الزوج الثاني على ذلك وصار يعطي للأم فرضها. وفارقها الثاني، فهل يا سيدي يلحق بالثاني ولا يعتبر إلا يوم العقد؟ أو يلحق بالأول؟ جوابكم شافيا والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
ومحققيه، نص على هذا المحال، ولا في المسائل المذهب ما يقتضيه بحال، عصمنا الله وإياكم من الغفلة والزلل، ووفقنا لصالح القول والعمل.
لا يقال قدمت من كلام ابن رشد ما يقتضيه، لأنا نقول: ما قدمناه من كلام ابن رشد ليس هو بقول، بل هو المذهب، لأنه مستثنى من محل الخلاف للضرورة وللضرائر أحكام تخصها. ومن أقوالكم الجمهورية(¬1): الضرورات تبيح المحظورات. كالقصر، والفطر في السفر الطويل، وأكل الميتة للمضطر والسفائح، ومسألة دار الضرب على رأي فيها.
قال: قال في كتاب الصلح من المدونة: ومن له على رجل دين عرض أو طعام من سلم، فصالحه على رأس ماله، ثم فارقه قبل أن يقبضه لم يجز. انتهى. وفي الصلح أيضا: وإن بعت من رجل طعاما لك عليه من قرض بدراهم أو غيرها، فإن تأخر بعد ذلك أو بعضه حتى فارقك لم يجز، وترد الدراهم ويبقى له الطعام بحاله، ولا يجوز من ذلك حصة النقد إلا أن يكون افتراقكما شيئا قريبا، مثل أن يذهب معه إلى البيت أو السوق فينقدك. انتهى. وفي الصلح أيضا: وإن كان لك عليه دراهم نسيتما مبلغها جاز أن تصطلحا على ما شئتما من ذهب أو ورق أو عرض نقدا أو ما انتخالا ومغمز التقية فيه سواء. ولا يجوز تأخير ما تصالحه به بأنه يدخله الخطر ودين بدين فقف على قول دين بدين. إنما جاء من التأخير. وفي الصلح أيضا إن صالحته من دين لك عليه بثوب على أن يصبغه أو على أنك بالخيار فيه ثلاثا لم يجز ويفسخ ذلك، وهو دين في دين. انتهى. وفي الصلح أيضا: والصلح جائز على الإقرار والإنكار. فمن ادعى على رجل مالا فأنكره أو أقر له فصالحه منه على شيء قبضه جاز ذلك. وكان صالحا قاطعا لدعواهم. انتهى. فمفهومه لو لم يقبضه لم يجز. وهو كذلك. حسبما صرحت به المسائل التي قبله.
[591/6]
لا يقال: إذا كانت من عقب علي والدها فليس إشهاد أبي الحسن بن عشرين وعمه باللازم لها, لأنها ليست من ورثتها بحيث يلزمها اقرارها بهما شاهدان, وإذا كانا شاهدين فلا تقبل شهادتهما عليها إلا بعد معرفة عدالتهما وليس إقرار أبي الحسن بن عشرين المذكور بعدالتهما يلازم لها, لأنه لا يحكم عليه بذلك إلا في خاصة نفسه كما ذكرنا.
لأنا نقول: أما إن وجد العميري الآن من يرضي أبا الحسن بن عشرين وعمه فلا إشكال في حرمان البنت كما ذكرنا, وكذلك إن وجد من يزكي أحدهما ويحلف معه العميري كما حلف مع ابن مسونة في الرسم الثاني أعلاه, وهذه اليمين المقدرة داخلة في اليمين التي أمرنا بها أو لا, لأنها
[
وسئل العبدوسي رحمه الله، عن قائم قام عند القاضي برسم يتضمن تجديد حجر على بكر فأبطل الحجر لعدم تضمين الشهود معرفة وقت الدخول ما وجهه؟
فأجاب: إنما حكم القاضي المذكور بإبطال الحجر المذكور لأن الحج إنما يكون بعد البناء بقربه إلى ستة أعوام على ما قال بعضهم لأن دخولها مظنة رشدها فإذا ظهر له سفهها في هذا الوقت داز حجره عليها وأما
[503/9] قبل دخولها فالحجر مستمر عليها ولا مظنة لرشدها فلا فائدة في الحجر عليها كالولد يجدد تحجير أبيه عليه بفور بلوغه لا قبله، فلما كان التحجير لا يصح إلا بعد الدخول ولم يضمن الشهود معرفة وقت الابنتاء عليها احتمل أن يكون تجديده قبل الابنتاء فلم يصادف محلا ولا عبرة بتاريخ عقد النكاح إذ يحتمل تأخير بعده إلى غير ذلك من الاحتمالات وبهذا القضاء وعليه العمل وإن كان يظهر من كلام ابن سهل خلافه وبالله تعالى التوفيق.
وسئل الشيخ أبوالحسن القابسي عن ورثة ليس لهم وصي ولاهم في ولاء قاض، هل يجوز لمن بلغ منهم الحلم أن يبيع حقوقه التي ورث من أبيه مشاعا غير مقسومة؟
فأجاب: إن كان بعد احتلامه ممن يصلح له أن يلي نفسه وينظر في ماله ويأخذه من يد وصي لو كان عليه من صلاحه ورشده، فأفعاله من بيوع وغيرها جائزة. وإن كان بعد احتلامه في صفة من يولى عليه بعد، فإن كان لم يبع شيئا فلا يشترى منه إلا بإذن قاض يجوز قضاؤه وإن كان قد فعل وباع ففي ذلك اختلاف وللقاضي العدل أن ينظر فيه فإن رأى فسخ ما باع فعل وإن رأى إجازته نظرا فعل وإن رأى النظر في فسخه لم يكن على الغلام من الثمن إلا ما وجد في يديه منه فإن أتلفه في غير مصالحه ولم يوجد في يده منه شيء كانت مصيبته على المشتري ولا يرجع على السفيه منها بشيء وبالله التوفيق.