ومنها متخذ الملاهي وأنواع الغناء المحرمات والآلات والمزامير صناعة وحرفة ، ويكتسبون بها ويستأجرون عليها عند السرور والحزن ، مثل الزفالين والمغنين وسائر ما لا يحل ، فهم أعوان للشياطين في تحريك النفوس لكل شر ، وترتيب أهل المعاصي على كل منكر ، فيجب على القاضي ابتداء البحث والكشف عمن شهر بذلك وارتسم به والقبض على من وجد منهم .
[499 /2]
ومنها تعرض الفساق وأهل الشر والدعارة لحريم المسلمين وأعراضهم باتخاذهم المجالس على قوارع الطريق لأذى المارين من المسلمين ، إما بإطلاق القول فيهم من الغيبة ونشر العيوب والهجر في المنطق ، وإما بالتعريض للنساء والكشف عن عوراتهن والاطلاع على محارمهن بالجلوس في مكان ذلك من أبواب الحمامات ومواضع تكررهن طلبا لمخاتلة الكشف عليهن واستمالتهن بالتعريض والمخالسة بالكلام ، وما أشبه ذلك من وجوه المنكر . فواجب فيمن عرف بمثل هذه المبالغة في نهيه وزجره والعنف عليه ، والعقوبة إن كان لذلك وجه .
[تبرج النساء بأنواع الزينة ]
ومنها تبرج النساء بأنواع الزينة البادية وأسباب التجمل الظاهرة على حال اختيال في المشي واستعمال منتشر الطيب واستظهار ما يستدعي الفتنة ، فهؤلاء ينبغي منعهن من التبرج على هذه الحالة . قال في الإكمال : شرط العلماء في خروجهن أن يكون بليل غير متزينات ولا متطيبات ولا مزاحمات للرجال ولا شابة مخشية الفتنة . وقال ابن سلمة : تمنع الشابة الجميلة المشهورة . انتهى .
وسئل الإمام أبو عبد الله المازري رحمه الله تعالى عن رجل من أهل
[512/4]
[513/4]
البادية ذكر أنه حلف على زوجه بالطلاق في شيء أحنثته فيه فاعتزلها أربعة أشهر ونصفا، ثم طلقها ثلاثا، فذكرت المرأة أن عدتها كانت قد انقضت من الطلقة.
فأجاب بأن قال: كان شيخنا أبو محمد يهرب من التساهل في هذه المسألة، وكنت أراه كلما تكررت عليه بغلظ القول على المستفتي ويبعده عن الزوجة، ويذكر لنا أن هذه المسألة أول ما نزلت بالقيروان في أيام الأشياخ المشاهير. فسبق إلى الفتيا أبو القاسم السيري (¬1) وأحلف الزوج أنه لم يقصد بوطئه وإمساكه الارتجاع، وأباح له الرجعة وخالفه غيره. وخرجوا المسألة على الخلاف المعلوم في أصلها. قال ثم كان شيخنا رحمه الله يقول هذا مبدؤها ثم كثر تحيل الناس بعد انقراض أولئك. والوجه حماية الذرائع وإغلاق الباب جمله في وجوه العامة. قال ولكن هذا السؤال فيه زيادة قد تعريه من الخلاف وتوجب كون الطلاق الثلاث غير لازم باتفاق، لقوله اعتزلها بعد الطلاق ولكني أتهم هذين الزوجين من وجهين: أما المرأة فقد تكون ادعت انقضاء العدة حتى لا يقع الطلاق الثلاث، لكنها مقبولة القول في هذا لكونها قد ذكرت مدة غالب عادة النساء أن يحضن فيها ثلاث حيض. وأما الزوج فلأنه لم يطلقها ثلاثا إلا وهو يعتقد أنها باقية في العصمة، إذ لا يخفي على العوام أن المرأة إذا بانت لا تطلق. فقد يدل على أنه كان بعد حنثه أمسكها بنية الارتجاع، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فهو أعلم. فإن صح أمرهما في الباطن فإن الطلاق لا يلزمه، وأما إن كانت عليهما بينة فينظر في أصل حنثه كيف كان، واعتزالها هل ثبت أم لا؟ وتسأل عن عادته في الحيض.
[من طلق زوجته ثلاثا وأردف: لا تحل له أبدا]
وسئل الفقيه الإمام القاضي أبو علي الحسن بن عثمان بن عطية الونشريسي (¬2) رحمه الله عن مسألة نصها:
[
ابن القاسم في المسألة أنه أجراه مجرى الدين لأجل ضرورة التناجز في القبض. وإن عين محل المنفعة فأشبه الدين قال وأجازه أشهب لأجل التعيين. والمعين لا يكون في الذمة. وما لا يكون في الذمة لا يكون دينا، فليس ها هنا فسخ الدين في الدين. قلت: قول القرافي: والمعين لا يكون في الذمة، وقد تقدم له مثله في الفرق السابع والثمانين واختصره القاضي أبو عبد الله المقري رحمه الله في القاعدة الثامنة والعشرين من كتاب الصلاة من قواعده الفقهية يستفاد منه صحة قول القاضي المؤلف الشهير أبو عثمان العقباني رحمه الله في كتاب لباب اللباب في مناظرته مع القباب. في مسألة قيطون الإعانة الواقعة بين الحاكة والتجار بمدينة سلا أيام قضائه بها. قال رحمه الله: لم يقل بأن من عليه دين يبرأ بغصب الغاصب له ولو صرح ا لغاصب بأن يقوم: إنما غصبت ذلك الدين، بل ينصرف الغصب لغير ما غصب ويبقى الدين فيا الذمة. انته. وأقام ابن عرفة في آخر ترجمة الرجوع عن الشهادة من مسألة لابن عبد الحكم مثله. قال ما نصه: يقوم منه أن ما في الذمة لا يتعين بحال ما دام في الذمة وأن المقترض المتعوض إليه بغير الواجب لا يوجب فيه حكما. ونزلت في أوائل هذا القرن مسألة: هي أن رجلا له دين على رجل، فعدى السلطان على رب الدين فأخذه من غريمه، ثم تمكن رب الدين من طلب المدين بدينه، فاحتج المدين بجبر السلطان على أخذه منه من حيث كونه حقا لرب الدين. فأفتى بعض الفقهاء ببراءة المدين وأفتى غيره بعدم براءته محتجا بأن ما في الذمة لا يتعين. وصوب بعض المتأخرين براءته فقال: وما ذكره شيخنا في مختصره من فتوى بعضهم بعدم براءة الغريم الذي أخذ منه دين لرجل آخر غصبا محتجا بأن ما في الذمة لا يتعين غير صحيح، وليس بحجة علينا. والصواب براءته ولا مقال. انتهى.
وعلى أن ما في الذمة يمتاز، أفتى ابن عرفة رحمه الله حين قيل له فيمن في ذمته دينار، ثمن ثوب، ودينار، ثمن طعام لرجل واحد، فهل
[589/6]
الرابع يكفي عن جميع ما ذكرنا وعن جميع ما لم نذكره من تراجيح قول قول ابن القطان ما ذكره ابن سهل رحمه الله في در ترجمة مسائل أداء الشهادة أوائل كتابه ونصه: قال محمد بن عبد الحكيم في كتابه: إذا شهد شاهدان أن لفلان على فلان مائة دينار ولم يقولا أقر بذلك ولا غيره, إنما أطلقا الشهادة هكذا لم أر شهادتهما تحد شيئا لأنهما حاكيان حتى يبينا ذلك فيقولا أسفله أو أقر عندنا الكلام إلى آخره فهذه نصوص في إبطال
[505/7] الشهادة مع الإرسال, بل وإن اتفقت أحكام الوجوه المختلفة, لأن معاينة القبض والإقرار به سواء باتفاق, فكيف مسألتنا التي أحكام وجوهها مختلفة الصحة والفساد, والفساد أكثرها.
وأما الفصل الأول فإن الأصل الأول منه أن القاضي الأوروبي رحمه الله قد حكم للفهري كما ذكرنا على الأصل الأول والثاني, فلا يزال الحبس من يد إلا بحكم صريح, نتردد (كذا) في الخصومة وتقييد الحاضر والاعذار للعميري, ولا شيء من ذلك إلا الرسوم الثلاثة, أعني رسم الموت والوراثة ورسم التقديم ورسم الإقرار. وسنذكر إن شاء الله تعالى بطلان جميعها في الفصل الثاني كما وعدنا آنفا, لاسيما وقد طال البحث عن البنت المذكورة بتونس بلدها زمن أبي الحسن بن عشرين فلم توجد حسبما تضمنه الرسم العاشر فوقه, ومن قبل البحث عنها من قبل عام ستة وعشرين إلى تاريخ خمس وستين ونحوها.
ومثل هذه المدة مع شدة مقاشحة الخصمين ولم يظهر لها وجود يقتضي القطع بعدهما, او ما يقرب من القطع, والأحباس لا تستحق بالشك, فكيف بهذه الوصاف حسبما في الرويات التي لم تختلف!
فأجاب: ليس هذا من امرأة جاهلة بترشيد، لا سيما على القول بأن الوصي لا يجوز إطلاقه لمن في حجره إلا أن تشهد البينة برشده، واليه ذهب أبوبكر بن زرب رحمه الله، وإن كانت الوصي من قبل القاضي فذلك أضعف بكثير لنزوله عن درجة وصي الأب وقد أفتى الشيخ أبوالوليد بن رشد،
[501/9] رحمه الله. في القاضي يقدم محجورا على يتيم أن التقديم باطل ولا يخرج عن الحجر بتقديم القاضي إياه على غيره إن علم بالسفه أو جهلت حاله، فكيف بهذه المرأة التي قد تقصد غبنه في اشترائه منها، وبالله التوفيق. وكتب إبراهيم بن محمد بن محمد بن إبراهيم اليزناسي لطف الله بنا وبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وتقيد بعقبه ما نصه: الحمد لله. ممن يعلم أن الجواب المرسوم أعلى هذا الرسم يليه الذي أوله بعد الحمد لله الجواب ليس هذا من امرأة جاهلة وآخره وكتب إبراهيم بن محمد بن محمد بن إبراهيم اليزناسي لطف الله بنا وبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هو بخط الشيخ الفقيه المدرس المفتي المحقق العالم العلامة الصدر العلم الشهير القاضي الأعدل القدوة الأوحد الأكمل المنعم المقدس المرحوم أبي سالم إبراهيم بن الفقيه الجليل، الماجد الأصيل، الحظى النزيه، المعظم الوجيه، الصدر الأشهر، العلم الأظهر، الأسمى الأسنى المبرور الأكمل المقدس المنعم المرحوم أبي عبدالله محمد بن الشيخ الفقيه المدرس المفتي المحقق القدوة الأشهر العلم العلامة الأظهر، الفذ الأوحد الصالح الناسك الخاشع الزاهد الورع المتبرك به الولي العارف المجاب الدعوة المبرور الأكمل المقدس المنعم المرحوم أبي سالم إبراهيم اليزناسي رحمة الله تعالى عليه وعلى السلف الصالح، والمتكرر به كتبه أيام حياته من غير شك لحقه في ذلك ولا ريب، قيد بذلك شهادته في العشر الوسط لشهر رمضان المعظم عام ثمانية وثمانمائة، عرفنا الله خيره، أحمد بن عبدالله بن علي الصباغ ومحمد بن محمد بن عبدالله المغيلي.
[