ولقد استباح الناس النقل من المختصرات الغريبة أربابها ، ونسبوا ظواهر ما فيها إلى أمهاتها . وقد نبه عبد الحق في تعقيب التهذيب على ما يمنع من ذلك لو كان من يسمع ، وذيلت كتابه بمثل عدد مسائله أجمع ، ثم تركوا الرواية فكثر التصحيف وانقطعت سلسلة الاتصال ، فصارت الفتاوى تنفذ من كتب لا يدرى ما زيد فيها مما نقص منها لعدم تصحيحها وقلة الكشف عنها ، ولقد كان أهل المائة السادسة وصدر السابعة لا يسوغون الفتوى من تبصرة الشيخ أبي الحسن اللخمي لكونه لم يصحح على مؤلفه ولم يؤخذ عنه ، وأكثر
[480 /2]
ما يعتمد اليوم ما كان من هذا النمط ، ثم انضاف إلى ذلك عدم الاعتبار بالناقلين فصار يؤخذ من كتب المسخوطين كما يؤخذ من كتب المرضيين ، بل لا تكاد تجد من يفرق بين الفريقين ، ولم يكن هذا فيمن قبلنا ، فلقد تركوا كتب البرادعي على قبلها ولم يستعمل منها على كره من كثير منهم غير التهذيب الذي هو المدونة اليوم لشهرة مسائله وموافقته في أكثر ما خالفت فيه ظاهر المدونة لأبي محمد . ثم كان أهل هذه المائة عن حال من قبلهم من حفظ المختصرات وشق الشروح والأصول الكبار ، فاقتصروا على حفظ ما قل لفظه ونزر حظه ، وأفنوا أعمارهم في حل لغوزه وفهم رموزه ، ولم يصلوا إلى رد ما فيه إلى أصوله بالتصحيح ، فضلا عن معرفة الضعيف من ذلك والصحيح . بل هو حل مقفل ، وفهم أمر مجمل ، ومطالعة تقييدات زعموا أنها تستنهض النفوس . فبينا نحن نستكثر العدول عن كتب الأئمة إلى كتب الشيوخ ، أبيحت لنا تقييدات الجهلة بل مسودات الشيوخ ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . فهذه جملة تهديك إلى أصل العلم وتريك ما غفل عنه الناس .
[العلاقة بين العلماء ورجال السلطة ]
ولنصلها بخاتمة تشير إلى أحوال العلماء أيضا .
الحسن فكتب لي بذلك كله خطه، فأخذته عندي ودرأت عنها الحد وألحقت الولد بأبيه، إلا أن يقدم فينفيه إن شاء باللعان، وبالله التوفيق.
[امرأة بفاس أيام القاضي عياض أتت بولد لخمسة أشهر وأيام]
ونزلت قديما مسألة بفاس في امرأة جاءت بولد لخمسة أشهر وأربعة وعشرين يوما هل يلحق به أم لا؟ قال عياض اختلف فيها فقهاء بلدنا، والصواب ألا يلحق به، إذ لا يصح توالي ستة أشهر ينقص، وبه أفتى أحمد ابن القاضي ومحمد ابن العجوز وغيرهما، وخالفهما أبو علي القيسي.
[البخاري يبقى بفاس يراجع زوجته بعد الثلاث متأولا الخلع فسخا]
مسألة الفقيه البخاري موسى بن يمويمن المصمودي الهسكوري (¬1) التي اختلف فيها الشيخان الفاضلان سيدي أبو الحسن الصغير وسيدي إبراهيم المعافري السريفي رحمهما الله تعالى ورضي عنهما وأرضاهما.
قال سيدي أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الحق الزرويلي رحمه الله تعالى.
وباعها ودفع ثمنها للعامل فيضيف ثمنها إلى مال القراض ويعمل بالجميع. وأشهد على هذا كله بينة، فلما سافر العامل، وبلغ البلد المسمى تعدى على الأمانة وباعها بنفسه، ولم يوصلها إلى الرجل المسمى، وشهدت عليه بينة بذلك، ثم زعم أنه عمل بثمن الأمانة وأضافه إلى مال القراض، وعمل بالجميع. ثم إن رب المال حدث له خوف من بعض ذوي الجاه، فخرج من بلده فارا خائفا على نفسه وماله، عالما هو والناس، أنه إن بقي أخذ وطلب منه ما بيده من المال. وإن لم يؤده عذب بالضرب وغيره. فلما بلغ إلى محل يحصل له فيه بعض الأمان، خاف من قدوم العامل على هذه البلاد التي يخاف فيها، وعاملها بعلم ما بين رب المال والعامل، فأرسل إليه رسولا يعرض له في أثناء الطريق. فأمره أن لا يقدم بمال رب المال لهذه البلاد لما يخاف على المال، فلقيه الرسول في بعض البلاد. وهو قادم إلى وطن رب المال، لكن قبل وصوله بحيث إنه لو أنزل المال هناك، لم يقدر عليه. فقال له الرسول بمحضر بينة عدلة بل على أعين الخاص والعام: إن رب المال خرج من بلده خائفا على نفسه وماله، وأنك مهما قدمت بماله، فقد عرضته للهلاك، وهو يأمرك أن تنزل به في هذه البلدة فركب البحر لينزل متاع رب المال، فتمنع ولم ينزل وشهدت لرب المال بهذا كله بينة ثم قدم العامل إلى وطن رب المال، فسأله عاملها وهو الذي كان يخافه رب المال على المال الذي بيده قراضا فأخبره به وزعم العامل، أنه أخذه منه، واستند العامل لبعض ذوي الجاه، فلم يقدر عليه حتى التزم له العامل أن يعطيه أربعمائة دينار يؤديها إليه. فأشهد رب المال أنه مهما عقد مع المال صلحا، أو أسقط له كل المال أو بعضه، فإنه غير ملتزم بذلك. وإنما يفعل ذلك إن فعله لكونه على ما هو عليه من الخوف لا يقدر على مخاصمة العامل، وضمنت البينة أنها المنعقد بين رب المال والعامل، كتب الموثق بينهما:
بعد أن التزم فلان بن فلان وهو العامل لفلان بن فلان الذي هو رب
[564/6]
فأجاب بما نصه: الحمد لله وحده. السؤال عن توجه اليمين كالدليل على وضوح عدم تضمينه, وفيه نظر, والصواب إن قام دليل تفريطه تضمينه. وقد نزلت هذه أو قريب منها أيام الفقيه القاضي ابن عبد السلام رحمه الله, فقضي بتضمينه, وأظن دليله في ذلك مسألة التضمين, فالترك المشهور ذكرها في كتاب الصيد, وما ذكره ابن سهل في كتاب الوصايا أن الوصي إذا بور أرض اليتيم وأهمل عمارتها حتى نقصت أن عليه ما نقصت, وللخمي ما يقرب من هذا, فالأولى بالضمان, وأما توجه اليمين على من يظن به علم ذلك غواضح, وحلف السفيه ظاهر المذهب عدمه, خلافا للأصيلي, وموافقيه, والصلح عن اليمين حسن, وحكم نزول هذا وصاحب الأحباس حي واضح مما تقدم, وحيث لا ينهض دليل غرمه فاليمين تلزمه, إلا أن يظهر دليل براءته بمقتض حاله وحسن سيرته. قال العبد الفقير إلى الله محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي لطف الله به بمنه.
[إذا حل ببلد مرضى من غيرها, وأرادوا الدخول مع مرضاها في أحباسها]
وسئل ابن سهل عن مرضى احتلوا بقرطبة من غيرها وطلبوا الدخول مع مرضاها في أحباسها المحبسة على المرضى بقرطبة, فاختلف فيها في الوقت الذي يجب لهم فيه الدخول مع مرضاها فيما يقسم عليهم من غلة أحباسهم.
فأجاب بأن ذلك لهم بعد مقام أربعة أيام إذا قالوا إنهم يريدون الاستيطان بها, وبمثله أجاب ابن القطان فيما ذكر عنه أبو عبد الله بن رشد.
واجاب ابن مسلمة: إذا ثبت استيطانهم بها فمن يوم ثبت في ذلك يفرض لهم في الأحباس إن شاء الله وانظر في حج الاستذكار.
وسئل ابن عتاب(¬1) عن تغليق حوانيت من حيطان جامع بلدة كذا, هل
[482/7] يجوز وتكون الحوانيت محبسة عليه أم يترك ما حوله رحابا؟ وهل لمنجاور مسجدا أو جامعا أن يغرز خشبة في جداره قياسا على جدار جاره أم لا؟
فأجاب: أما المعهود له بالثلث فلا يلزمه من ذلك الإشهاد على نفسه بأنه يصرفه في شيء لأنه وعد منه أن يفعل والوعد غير لازم على المشهور إذا لم يدخل فسببه بعد علمه به في نكاح أو شراء أو نحو ذلك وقد عدم ذلك هنا فلا يلزمه من إشهاده شيء لا للبنت الأولى وإنما عليه يمين بالله أنه ما عهد له العاهد على شرط الصرف على بعض ورثته فإن حلف فالله حسيبه وإن نكل وحلف من يدعي الصرف من الورثة كان موروثا بين جميع الورثة.
وسئل عن رجل أعطى من ثلث متروكه موضعا لمن يؤذن بقرية ثم أعطى وهو مريض ثلثا آخر لشخص آخر ثم صرف ثلثا آخر قد كان أعطاه فيما قبل على رجل آخر وعمل لبنت كانت من جهته حوائج وثلاثة أردية من مال خالتها والورثة يريدون قسمة ذلك وكان لا يحاسبها بالنفقة ولا تطلبه هي بكراء مالها إذا كان يعمره.
فأجاب: إن الرسوم الثلاثة رسم الثلث ورسم العهد بالموضع المعين ورسم الصرف كل ذلك يتحاص به في جميع ثلث المتوفى وتكون المحاصة للموضع بقيمته وكل ما عهد للبنت من الأردية وإن طال الكتاب نافذ لها إذا كان في حوزها أو حوز حاضنتها أو من له النظر عليها وكان الحوز في حياة من صار ذلك من قبله وفي صحته.
وسئل عن رجل أوصى بولده الصغير لرجل، وكان له أملاك يستغلها الوصي وينفق عليه مدة من نحو أحد عشر عاما لا قيد فيها داخلا ولا خارجا إلى أن توفي الصبي المذكور وعهد بثلث متروكه لأولاد وصيه وأحاط بميراثه بيت المال، فكيف يكون العمل في ضبط متروكه مع ما ذكر من عدم تقييد الداخل والخارج؟
فأجاب: الحكم في ذلك أن ينظر إلى كراء الأرض على المتعارف في السنين كلها ويرعى منه ما يفرض للابن في نفقته ومؤنته كلها على العادة بمثله فمن شط له شيء اتبعه ويضم ايضا إلى الكراء ما ثبت دخوله بيد الموصي
[482/9] للمحجور من غير الكراء وإن كان الوصي حيا فهو المصدق فيما يدعيه مما يشبه وإن اتهم أحلف.
[إقرار المرأة في مرضها لزوجها نافذ عليها]
فأجاب : العقد ناقص إذا لم يسم الأمين فيه ، ولا بد من تسميته . ابن سهل : فتكلمنا معه في ذلك وقلنا له ما الفائدة في تسميته ؟ فقال قد يمكن أن ينكر الأمين ما ذكر عنه من قبضه الرهن ويدعي عند الإعذار إليه فيه غير معنى الرهن من وديعة أو غيرها. ثم أخبرنا أنها نزلت قبل ذلك ، وكان الأمين أحد الشاهدين اللذين ثبت الرهن بهما، وأنه أفتى أن شهادة الأمين في ذلك ضيفة، فسألناه عن العلة المضعفة لشهادته ، فقال . قد يمكن أن يدعي الراهن إذا حضر أنه ليس برهن وأنه عارية استعارها الأمين منه ، وربما لم يوافقه على هذه الثياب التي أحضرها أنها هي العارية وادعى غيرها. فلو كان الأمين يريد إسقاط هذه الدعوى عن نفسه بشهادته أنها رهن ويصير خصما [465/10] لا شاهدا . ابن سهل : وفي شهادات العتبية في نوازل سحنون خلاف ما ذهب إليه من ذلك . قال سحنون : شهادة العدل الموضوع على يده الرهن جائزة في الديون ، ويحلف معه صاحب الحق على ذلك كله ، ويجوز إن كان شهد له بذلك قبل بيع الرهن . ثم قال لنا ابن عتاب أفتيت بعض الحكام منذ زمان في رهان كانت ثيابا استشارني في بيعها إذ سأله المرتهن ذلك أنه يأمن بيعها وأداء المرتهن عند ثمنها ولا يحتاج في ذلك إلى إثبات ملك الراهن لها، وذكر أن بعض أصحابه خالفه في ذلك وأفتى أنه لا يأمر ببيعها إلا بعد أن يثبت الراهن ملكها، ورد الرد عليهم في ذلك وشنعه ، فقلت له : أرأيت إن كان الرهن دارا يحتاج إلى ثبوت ملك الراهن لها قبل أمره ببيعها؟ فقال لي نعم لا بد من ذلك ، والأصول مخالفة لغيرها من المتاع والعروض
[انتهى الجزء العاشر من هذا الكتاب]
محتويات المجلد العاشر
نوازل الأقضية والشهادات والدعاوى والأيمان
الموضوع ... الصفحة
من يكتب لخليفة بالبيعة وهو في قطر أمير آخر ................................... 5
أبو يحيى سلطان افريقية في أواسط القرن الثامن يكتب ولاية العهد ويخالف ......... 5