فأجاب الذي يظهر من كلام الفقهاء أن ذلك لا يلزمه, لأن زكاة الفطر ليس وجوبها مرتبطا بوجوب النفقة ارتباطا مطلقا, بل لابد من اعتبار السبب الموجب, وهو حق القرابة أو الملك, حتى إن النفقة إذا وجبت لعوض كنفقة الأجير فإن زكاة الفطر لا تجب معها. نص على ذلك ابن حبيب
[402/1] في الواضحة واللخمي في التبصرة. وهو وجه القول بعدم لزوم الرجل إخراج زكاة الفطر عن زوجته, لأن قائل هذا يرى أن النفقة عوض الاستمتاع.
[لا يزكي الصانع مصنوعاته إلا إذا باعها واستقبل بثمنها حولا]
وسئل عن الصناع يمر عليهم الحول وبأيديهم من مصنوعاتهم ما إذا قوموها وأضافوها إلى مالهم من النقد اجتمع فيه نصاب, هل يجب عليهم التقويم ويزكون ما حضر بأيديهم أم لا ؟
فأجاب بأن قال: الحكم في ذلك أن الصناع يزكون ما حال الحول على أصله من النقد الذي بأيديهم إذا كان نصابا, ولا يقومون صناعتهم, ويستقبلون بأثمانها الحول, لأنها فوائد كسبهم استفاوها وقت بيعهم, إلا أن ما وضع الصانع صناعته من جلد او خشب أو حديد او نحو ذلك يقومه المدير مجردا من الصناعة إذا كان اشتراه للتجارة.
[زكاة المال للسلف, والمدفون والمغصوب]
وسئل اتلقاضي أبو عبد الله بن عقاب رحمه الله عما وقع في الزكاة في الثمن المعجوز عن تنميته كالمغصوب والمدفون أن الزكاة واجبة على الخلاف المعلوم, وقالوا في العين الموقوفة أقوى في العجز لأن الأولى موجودة وقابلة للنماء, وهذه لا يتمكن لقيام المانع الشرعي, وهو إبطال ما لأجله وقفت.
بعض علمائنا ما أصابه المسلمون من غاشية المسلمين الساكنين بين أظهر المشركين أجراها بعضهم على مسألة الحربي يسلم فيهاجر ، أو يهاجر وببلد الحرب أهله وولده وماله ، وهي في كتاب الجهاد والنكاح الثالث منها ، والذي أختار من القولين قول أشهب وسحنون لعموم قوله عليه السلام : « لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه » ، وقوله : « كل المسلم على المسلم حرام » . ومسألة المدونة أضعف لأن مال الذي أسلم قد كان حلالا قبل إسلامه ، غير أن حكمه انتقل بإسلامه ، لقوله : « من أسلم على شيء فهو له » . وغلب ابن القاسم عليه حكم الدار ، ويد المسلم في الأولى باقية على ماله ولم يتقدم فيه مسوغ البته ، وأنبئت أن أصبغ من أصحابنا يفتي بحليته وأنه لا يد لصاحبه عليه وإنما اليد للكفار . ومثله قول ابن رشد انتهى . وقال وقد يستدل عليها بأموال الصحابة التي تركوها بمكة لقوله عليه السلام : « وهل ترك لنا عقيل من دار » إلى غير ذلك ، بل يكون أحرى هنا لكونه رضي بالإقامة بين المشركين وضرب الجزية عليه ، فهو وماله تحت ايالتهم مع الإجماع على وجوب الهجرة إن وجد سبيلا إلى ذلك ، ومثله عندنا بإفريقية أهل قوصرة فإنها تحت إيالة
أهل الكفر باختيار بعضهم ، فمن غلبوا عليه فله مندوحة وليست بجرحة في حقه لأنه كالمكره ، ومن كان باختياره فهو جرحة وحكم ماله يجري على ما سبق ، وهم ونحوهم من أهل الاندلس يسمون بالدجن انتهى .
[أفتى الأندلسيون بعدم جواز التعامل مع أهل الدجن ]
=فأجاب : يفسخ النكاح ويقبل في ذلك قول الأم لما بالغت في فضيحة نفسها(¬1).
[المعترض يؤجل عشرة أشهر عند بعض الشيوخ]
*وسئل شيخنا أبو الفضل سيدي قاسم العقباني عن قول ابن عبد السلام عند قول ابن الحاجب : وأما المعترض . . . إلى آخره ، وحكى عن بعضهم أنه يؤجل عشرة أشهر ، ولا وجه له ، فهل ترون لهذا القول وجها أم لا ؟
=فأجاب : يمكن أن يقال : إن حجة القائل بالعشرة الأشهر أن المداواة لما لم تظهر لها ثمرة في الثلاثة فصول ولا في شهر من الرابع ، لم يبق لإيقاف الزوجية بينهما إلا الضرر بالزوجة ، إذ المداواة لو كانت تؤثر في رفع المرض ، أثر البرء ذلك في شهر ، بل العادة تقضي برفع المرض في أدنى من الشهر إذا[416/3]صودف السبب ، فإن قلت : إذا كان أثر الدواء يظهر في شهر ، فلأي شيء وقفتموه عشرة أشهر وكان يكفيكم أربعة . قلنا : نعم الأمر على ما ادعيتموه لو وجدنا إليه سبيلا ، لكنا مضطرين إلى العشرة ؛ إذ من ضرورة الرابع أن لا يأتيه إلا بعد استيفاء ثلاثة فصول ، فإن قلت : يلزم على ما وجهتم به هذا القول أن لو كان ابتداء تأجيل الحاكم من أول شهر آخر الشتاء أو الصيف مثلا ، لما احتجنا إلى أكثر من ثمانية أشهر . قلت : نعم هذا إلزام صحيح ، ولعله الموجب لتبريء الشيخ ابن عبد السلام من تعليل هذا القول ، وإلا فليس ممن يخفى عليه مثل هذا ، والله أعلم ، وقال : هذا مردود إلى أهل الطب . انتهى .
[امرأة قامت على زوجها في امرأة أخرى في عصمته وادعت أنه التزم متى راجعها فهي طالق ألبتة]
*وسئل فقهاء قرطبة عن امرأة قامت على زوجها في امرأة أخرى في عصمته ، وقالت : إنه كان قد التزم أنه متى راجعها فهر طالق ألبتة . وأنكر هو أن تكون هذه تلك .
فأجاب: إن قعد الرجل أكثر الليلة في البيت فلا حنث عليه، وكذلك إن كانت نية الحالف أن لا يخرجه أحد من البيت، لا أن يريد هو أن يخرج، وإن كانت نيته أن يبقي في البيت الليلة كلها فقد حنث، وإن لم تكن له نية وكان بساط يمينه يدل على إرادة أن لا يخرجه أحد من البيت فخرج هو بنفسه فهو حانث، وإن لم يكن له بساط ولا نية فهو حانث بلفظه، لأنه حلف على أن يبيت فلم يبت.
[من حلف ألا فعلت زوجته حناء تلك الليلة ولا خرجت من البيت
فخرجت لقضاء الحاجة]
وسئل عن رجل كان مع امرأته ليلا في بيت مطبخة امرأة، فقال لامرأته ما تلك المرأة؟ فقالت جارتي فلانة دعوتها لتجعل لي حناء في المطبخة. فقال
[444/4]
[445/4]
لها أيمان المسلمين لازمتي إن فعلت هذه الليلة حناء، وإن خرجت من هذا البيت، فانصرفت المحلوف من أجلها ولم تجعل المرأة حناء برورا بقسمه، فلما كان بعض الليلة خرجت المرأة لحاجة الإنسان ولم تدخل المطبخة.
فأجاب: قد لزمه الحنث في امرأته بالأيمان اللازمة لأن قوله وإن خرجت هذه الليلة من الدار معطوف على قوله المتقدم، وإن كان مستأنفا لم يلزمه حنث. وإن كانت بينهما المهلة لم يحنث.
وسئل عن رجل حلف زوجته على العشاء بالأيمان اللازمة والمشي إلى مكة لا بد لك أن تقومي وتتعشى معي، فأبت عليه ثم أعاد عليها بالكلام فأبت عليه، فأكل وحده بعض العشاء، ثم قامت فأكلت معه بعد ذلك وكان بين قيامها وبين يمينه مهلة يسيرة. أفتنا بالواجب في يمينه بما تراه.
فأجاب: قد حنث فيها بالطلاق البتات، لأنه قد حلف أن تقوم معه أول العشاء فلم تفعل، فوقع عليه الطلاق.
[من حلف لزوجته بالله الذي لا إله إلا هو لا فعلت شيئا ففعلته، فعليه كفارة يمين]
وسئل عن رجل قال لامرأته وكانت تشارر أمه: بالله الذي لا إله إلا هو إن تشاررت مع أمبي وخرجت من الدار إن خرجت إلا كخروجها، فتشاورت وخرجت الأم.
لكونه الثلث فأقل على أحد الأقوال أو لغير ذلك على غيره من الأقوال الثلاثة المتقدمة فليس بمغبون، فإن قلت هبها جزئية فليس من شرط صورة ثالث الثالث كلية صغراه، إنما صورته موجبتان والكبرى جزئية فلم تخرج جزئية الصغرى عن كونه من ثالث الثالث، قلت لا قياس عن جزئيتين وإذا أردت صدق الصغرى كلية قيل: كل من نقص من عوض سلعته جزء معتبر شرعا من غير علمه مغبون، وبعض من نقص من عوض سلعته كذلك له الرجوع، فبعض المغبون له الرجوع، لكنها جزئية فلا تفيد المطلوب، وقولكم وإذا كان لبعضه الرجوع كان جميعه كذلك، أقول هذا المسلك سماه القاضي ابن العربي في كتابه التلخيص بالمفاقهة وفي صحتها ههنا نظر، أما على صورة القياس عندكم فإن سلمنا كلية الصغرى منعنا أنه إذا كان لبعضه الرجوع كان جميعه كذلك، لأن من نقص من عوض سلعته جزء غير معتبر شرعا ليس له الرجوع، وهو بعض المغبون ضرورة تسليم كلية الصغرى، وأيضا قولكم إذ لا قائل بالفرق أقول حكى القاضي ابن رشد في سماع أبي زيد من البيوع الاتفاق في مسألة المرابحة، قال وأما بيع المساومة فالمشهور في المذهب أنه لا قيام له فيه انتهى؛ فقد ثبت بقول ابن رشد وجود القائل بالفرق بين بعض المغبون له الرجوع وبعضه ليس له الرجوع، وق ولكم فله الرجوع على الوجه المذكور وإن أردتم بذلك ما تقدم لكم من قولكم إلا إن رضى منعناه، وقولكم الخامس كل منقوص من عوض سلعته بغير علمه ولا رضاه مغبون، وبعض من له الرجوع في سلعته بالثمن منقوص من عوضها كذلك فبعض المغبون له الرجوع كذلك، فيكون كله كذلك لعدم القائل بالفضل، وهذا من رابع الرابع، أما الكبرى فواضحة كمسألة المرابحة، وكذا الصغرى وإن احتاجت إلى دليل فهو ما مر، ولك استنتاج هذه النتيجة من جميع ضروب أشكال الاقتراني الحملي والمتصل والمنفصل والجزء تام أو غير تام أقول الذي اعتقده أن قولكم وهذا من رابع الرابع من غلط القلم، وإنما هو من ثاني الرابع، لكن قرينة أخذكم
فأجاب: إنما يحمل حسان وختنه محمد على ما أشهد به القريشي حفظه الله وصدقاه في شهاداته من أن الصلح الذي تشاهدا عليه إنما انعقد أصله على دعوى في ثياب وحلي وجارية ابنة أنكر جميع ذلك محمد وتصالحا على ذلك، ثم ذكر لهما أن الصلح لا ينعقد إلا بإقرار محمد بكون الجارية عنده. وهذا صلح غير جائز، إذا انعقد أصله بتقاررهما على غير ذلك على غير ما تشاهدا عليه، ويدخله الفساد من أن الصلح انعقد في ثياب وحلي وجارية ممنوعة بذهب. وهذا غير جائز ويجب فسخه. إن شاء الله.
وأجاب القاسم بن خلف قد أشار بعض أصحابنا حفظهم الله بالاجتماع في هذا الأمر لما قد ظهر من الالتباس. والذي أشاروا به هو رأيي في ذلك. وفي كل ما وقع في الاختلاف فيه، لأن مع الاجتماع والمناظرة في الحوادث ترتفع الشبه المعترضة فيها إن شاء الله.
[من أشهد على نفسه في وثيقة ثم زعم أنه لم يفهم الخ]
ومن معنى ما تقدم ما في أحكام ابن جدير فيمن أشهد على نفسه في وثيقة بقطع دعواه عن خصمه، ثم قام يزعم أنه لم يفهم الوثيقة التي أشهد فيها على نفسه ولا قرئت عليه.
أجاب هاشم بن أحمد بن خزيمة بأن قال: قرأت الوثيقة المنعقدة بين حسان وابن حجاج والوثيقة معقودة على الكمال والتمام، فإن كان شهد عندك فيها فأمضها. فإن قال حسان: إنه لم يفهم الوثيقة ولا قرئت عليه، إنما يرغب في ذلك إبطال البينة وتزويرها. ولو أن كل من عقدت عليه عقدة، وشهد عليه بها ذكر بعد انعقادها أنه لم يفهمها ولا يتقنها لم يصح لأحد
[512/6]
الغلة إذا لم يكونوا هم البائعون الذين غروا المبتاع, ألا ترى قوله إلا أن يكون المحبس عليه هو البائع فلا يكون له
[430/7] في الغلة شيء بمنعه نفع الأرض حتى يؤدي قيمة البنيان والغرس, لأنه هو الذي غر المبتاع وأدخله في ذلك الغرس والبنيان. قال ويدخل عقبه فيها, يعني إن كان لهذا البائع عقب من أهل الحبس دخلوا في الغلة, وذلك مثل إيجابه لمن استحق الحبس الدخول مع البغارس والباني في الغلة إذا كانوا لم يبيعوا الحبس وإنما رأى أن يحرم الغلة بائع الحبس, ورأى أنه لولا أن هذا الغرس يكون باقيا لأهل الحبس الذين لم يأتوا إذا تأدت عنه القيمة لكان قبض المبتاع قيمة غرسه أو بنيانه آمن من ان يأخذ ذلك من غلة الشجر لكن ذلك لو كان لامتنع أهل الحبس المستحقون غلته من الانتفاع بحبسهم الآن لنفع من لم يأت من العقب بعد ولا ستوجب الغلة.
فأجاب رحمه الله أكرمكم الله، هذا البيع يرد بوجوه، منها أن عاقده ليس له أهلية العقد لوجهين: أحدهما أنه معزول حكما لعدم عدالته، الثاني عدم عدالة من قدمه فكأنه غير مقدم، ومنها أنه باع الملك في دين لم يجب بعد في التركة، إذ لا يجب إلا بعد أن يؤدي عدول عند من يجب ويمين القضاء، ومنها أنه باع فيه أنفس الملك ولو وجب البيع لم يبع فيه إلا ما يفي به من أخس الأملاك إن لم يوجد غير الأملاك من العروض والحيوان، ومنها أنه باع من الأملاك بأكثر من الدين والبيت لو وجب لم يبع إلا بمقدار الدين، ومنها عدم التسويق في البيع والإشادة والنداء عليه في مضاف الزيادة حتى يبلغ سدادا من الثمن لأن الظاهر أن المبيع لم يعرض للنداء عليه وبعض هذا كاف في رد البيع على ما لا يخفى. وأما الذين عقدوا التقديم فلا يشهدوا عليه لو كانوا عدولا لأنهم شهدوا على فعل أنفسهم، فكيف وهم غير عدول؟ ولا تجوز شهادتهم لعدم عدالتهم في شيء من الأشياء. وأما التقديم فلا يعقده إلا القضاة المنصوبون لأحكام القضاء من قبل من يجب، وجماعة العدول في البلاد النائية عن السلطان لا غير. وبالله تعالى التوفيق.
[437/9] ... ... [بيع الأب على ولده يمضي إن كان نظرا]
وسئل أبومحمد سيدي عبدالله العبدوسي عن قول الشيوخ في بيع الأب على ولده إن كان نظرا مضى وإن كان سوء نظر رد وفسخ ما معنى سوء نظر هل باعتبار الغبن أن يباع مثل ما يساوي مائة بعشرين أو بيع ما لا يبيعه رشيد لغبطته وإن باعه بثمنه أو أكثر.
وسئل ابن رشد عمن عليه دين حال وبيده سلعة ، فأراد الطالب بيعها في التأخير وتنازعا ما يفعل فيها .
فأجاب : إن من حقه أن يبقى رهنا ويؤجل في أداء الدين بقدر قلته وكثرته وما لا ضرر عليهما فيه بحسب اجتهاد الحاكم ، وبه جرى القضاء والعمل ، وتدل عليه الروايات عن مالك وأصحابه .
وسئل أبو عمران عمن خرج لفريضة الحج وقدم صهره على ربعه فلم يف بخراج السلطان فتداين فأوفى ذلك ، ثم توفي الموكل بعد قدومه فقام أرباب الديون لبيع الربع ، فقال لهم الخراج مقدم ، فقالوا له أنت أسوتنا ، ما الواجب في ذلك ؟
فأجاب : إذا كانت الضيعة لو لم يعط عليها خراجا أو رفع يده عنها هلكت فحجته قوية وإلا لم يكن أحق من الغرماء .
[418/10] وأجاب التونسي : بأنه لو لم يؤد صهره الخراج لباع الغاصب الرباع وأهلكها فهو أحق من الغرماء ، كمن استنقذ متاعا من أيدي اللصوص فهو أحق به من ربه ويعطيه ما فداه به وفيه اختلاف .
قيل : ومثله اليوم ما يقع من الإيقاف على التركة من دفع ذلك .
وسئل التونسي عمن طولب بخراج فقال لصهره أوصيت يدفع إليك فأحاله فلان على الآخر فدفع له دينارين ورد الصهر الدينارين السابقين ، فمات الذي عليه الخراج والمدعى عليه في الحجاز ، فقال دافع الدينارين إلى الصهر أحدهما على ، فقال الصهر إنما دفعت بسبب وأنا أيضا دفعت دينارين هل عليه غرمها أم لا ؟