تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنها قولهم كيف أصبحت ؟ وكيف أمسيت ؟ وإنما كان السلف يقولون السلام عليكم ورحمة الله . وقد جاء في الخبر : « من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه » . قال : وإنما حدث قولهم كيف أصبحت وكيف أمسيت من طاعون عمراس بالشام من الموت الذريع ، كان الرجل يلقى أخاه غدوة فيقول له كيف أصبحت من الطاعون ؟ ويلقاه عشية فيقول له كيف أمسيت من الطاعون ؟ لأن أحدهم كان إذا أصبح لا يمسي ، وإذا أمسى لا يصبح ، فبقي هذا إلى اليوم ، فنسيت به سنة السلام . وكان من عرف حدوثه من المتقدمين يكرهه . وقال رجل لأبي بكر بن عياش : كيف أصبحت وكيف أمسيت ؟ فلم يكلمه ، وقال : دعونا من هذه البدعة . انظر الإمام أبا طالب .

ومنها ، وهي من البدع المستحسنة عادة المستقبحة عبادة ، الذابح على الجزارين واختيارهم من أهل الفضل والدين وحملهم عليه ، حتى إن من تولى الذبح لنفسه منهم ولو كان من أهل الخير يخاف العقوبة والفرض له في أموالهم الذي يسقط به عن مرتبة العدالة . وهذا تشبيه باليهود في قصرهم الذبح على حزانهم : « لتتبعن سنن من كان قبلكم » ، وتضييق لما وسع الله علينا وتحمل لما وضع عنا . ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له اللحم يأتي به أهل البوادي لا يدرى أسموا عليه أم لا ، فقال : « سموا الله عليه وكلوه » ، أي ليس لكم البحث عما قلدوه من التسمية عند الذبح ولا التوقف في أكل ذبائحهم إلى أن يعلموا أنهم سموا ، وإنما عليهم التسمية عند الأكل ، فولوهم ما تولوا وافعلوا بهم ما يجب عليكم ، وكلوا ما أحل الله لكم .

[478 /2]

ومنها الحمل على الخيل واتخاذها رواحل ، لأنه مخالف لقوله تعالى : ﴿ لتركبوها وزينة ﴾ ، ومؤد إلى فسادها في الكر والفر ، كما يؤدي الأكل إلى إتلافها إلا أن يعارض في ذلك دليل أقوى .

قلت: وهذه الصورة كأنها النازلة المسؤول عنها، وقال المتيطي عن ابن الهندي: إذا حكم بتمويته فلابد من أيمان ورثته على مبلغ سنة، لأن البينة إنما شهدت في سنه بالتقدير، ولو شهدت بتاريخ ولادته لم يكن معهم يمين، فظاهر إيجاب اليمين عليهم أنهم الموجودون يومئذ؟

فإن قلت: في العتق الأول من المدونة ما نصه: قال مالك مال المفقود موقوف حتى يبلغ من السنين ما لا يحيى إلى تلك المدة. فإذا بلغ تلك المدة جعلنا ماله لورثته حينئذ، وظاهر هذا خلاف ما ذكرتم، ومذهب المدونة مقدم على غيرها.

قلت: الجواب من وجهين:

الأول منع ظهوره فيما ذكرتم لاحتمال كون تنوين حينئذ عوضا من جملة جعلنا وهو يوم الحكم، لأن جملة بلغ تلك المدة واحتمال المدونة لا يرد ظاهر غيرها فضلا عن نصه، بل هو يرد لذلك ويفسر به.

الثاني: منع ذلك الاحتمال، بل جعل التنوين عوضا من جملة جعلنا ترجح لقربه حسبما تقرر في فن العربية في الإعمال وفي أصول الفقه في الشرط والاستثناء إذا تعقب جملا أو جملتين والله أعلم وبه التوفيق.

[غرق سفينة حجاج مغاربة بحوز الإسكندرية عام 779 ه]

وسئل الأستاذ أبو سعيد بن لب رحمه الله عن المفقودين في القرقورة التي غرقت بحوز الإسكندرية عام تسعة وتسعين (¬1) ما الوجه الذي يتوصل به لوفاة من ذهب من ورثته لقسم ماله؟ وما حكم زوجات من لا تثبت وفاتهم؟ ومن ترك مالا بيد وكيل هل يستمر نظر الوكيل أو يعزل نفسه؟ وهل يصدق في مقدار أجرة من وكله هو وجعل له النظر في المال الذي بيده إذا جعل الموكل

[490/4]

[491/4]

ذلك إليه؟ وما حكم نفقة الزوجات في المدة التي تثبت الوفاة قبلها هل تسترجع أم لا؟

[نموذج رسم يثبت فقدان غريق في سفينة]

فجوابه أن الوصي إذا قاسم بين صغيرين ورشيدين وكان ما أخذ للصغيرين مشاعا فليس إلا الجواز قولا واحدا. نص عليه غير واحد. وإنما اختلفوا إذا عين سهم كل واحد منهما والجواز من القولين من غير كراهة هو مذهب المدونة. فالمقدم في نازلتكم كالوصي، وعمر كالرشيد مع صغيرين. وقولهم لا يجمع بين اثنين في القسم بالقرعة معناه عند الأيمة في أهل ميراث مفترق. وأما أهل ميراث واحد كالزوجات في الثمن أو في الربع والجدات في السدس والإخوة للأم في الثلث، والبنات، والأخوات في الثلثين. فليس إلا جواز الجمع، لأنهم أهل سهم واحد. وحكى اللخمي وابن رشد اتفاق المذهب عليه إن كان بالتراضي. وإن كان بتشاحح واختلاف، ففي نوازل التميمي ما نصه:

سئل ابن العواد عن رجلين كانت بينهما قرية مشاعة بنصفين: فمات أحدهما عن ورثة، فقال شريكهم: نقسم مناصفة، ثم اقتسموا نصفكم. فقال الآخرون: بل يقوم على أقل الأنصباء فجاوب هو وابن رشد وأصبغ بن

[561/6]

محمد بأن القسم لا يكون فيها إذا تشاح الورثة مع المنفرد إلا على أقل الأنصباء بالقرعة على ما مضى به العمل في القرعة. وفي نوازل ابن الحاج في مثلها إلا أنها لا تنقسم على أقل الأنصباء. أن الحكم القسم على الاشتراك الأول حتى يميز الشريك نصفه ويبقى نصف الميت لورثته، يصيرون إلى ما توجبه السنة قال: وجدتها مكتوبة عند أبي عبد الله محمد بن الفرج قال: أخبرنا بها أبو عمر.

وأما قولكم وهل قول عمر: إن الدين الذي وجب لها من بقية ثمن الربع شورها به مقبول، ولا بينة له على ذلك أم لا؟

478/7] صدقة على ضعفاء أهله من قبل أبيه وأمه, يبدأ في ذلك بأهل الحاجة منهم على ألصق القرابة منهم إليه وأقعدهم به, فيعطي كل واحد منهم من ذلك قوته وكسوته, هذا نص ما عقد فيه, وتوفي المحبس وحمل الثلث المحبس. ولهذا المحبس من القرابة بنو خالته أخت أمه وبنو عمته, وبنو عم أبى أمه, وبنو بنت عم أمه, ولهؤلاء المذكورين بنون صغار وكبار فتنازع جميع المسمين وبنوهم في الدخول في هذه الحباسة, فبين لنا رضي الله عنك هل يدخل جميعهم فيها؟ أم بعضهم أولى من بعض؟ وفسر الرتبة في ذلك بالواجب, ومن أولى منهم بالمستقبل؟ وهل يدخل الأبناء مع الآباء في ذلك ؟ وكيف إن جعل الموصي إلى أوصيائه معرفة أعيان المحبس عليهم مأجورا إن شاء الله.

فأجاب: تصفحت هذه المسألة فرأيت في لفظها التباسا تولد من قبل العاقب. والذي يدل عليه عندي ظاهرها والله أعلم أن الموصي إنما أراد تبدئة الأضعف من قرابته على قدر لصوقه به وقرابته منه, فإن كانوا كلهم محاويج فأقرب القرابة منهم ممن سميت بنو خالته وبنو عمته, فيعطى لكل واحد منهم ماذكره الموصي من قوته وكسوته عل حسب ما ذكر, فإن فضلت فضلة فأقرب من بقي من قرابته إليه ممن ذكرت في سالك, بنو عم أمه ثم بنو عم أبي أمه, وبنو بنت عم أمه, مع بني عم أم أمه, بمنزلة سواء, وإن كان الموصي جعل إلى الأوصياء معرفة الأعيان المحبس عليهم فإن ذلك يغني الأعيان عن إثبات أعيانهم إن شاء الله عز وجل.

[جواز صرف الأحباس بعضها في بعض على وجه النظر]

وسئل سيدي قاسم العقباني عن قبيلة اتفقت مع إمام مسجدها على أن يأخذ نصف أحباس المسجد دون أحباس العلم, وأن يحرث الأرض المحبسة على المسجد بالنصف هل يجوز ذلك أم لا ؟

فأجاب: إذا استحسن ذلك قيم المسجد وناظره وكان لا يوجد من يؤم

[

478/9] المشرف فيما يريد أن يعقده على اليتيم، فإذا لم يرد ذلك فلا كلام للمشرف معه فيما يريد تركه من شراء أو بيع، ولا سيما إذا ظهر أن ماله لا يتسع للشراء، والوصي مصدق فيما يذكره من ذلك. وما ذكره في السؤال من الخدمة فالشيء الخفيف من ذلك، لا بأس به على المعتاد المتعارف في ذلك كما يفعله الابن في موضع سكناه مع أبيه وهذا مما لا ينفك عنه في الأشياء الخفيفة المعتادة. واستيجار اليتيم من الناس بالأجرة لا يجوز بحال إلا عند الضرورة الملجئة إلى ذلك في نفقته إذا لم يكن له ما ينفق عليه، إلا أن يكون ذلك على وجه آخر من تعليم صناعة أو حرفة ليكتسب منها إذا كبر، فيخرج ذلك عن معنى الاستئجار إلى باب النظر والمصلحة، فحينئذ يسوغ ذلك. وهو مما يؤمر به الوصي إذا كان على هذا الوجه كما يفعله الوالد مع ولده على العادة في ذلك والسلام.

[الوعد بالإيصاء لا يعد وصية]

وسئل عن رجل مريض دخل عليه بعض عواده واستدعى معه غيره ليكونوا عليه شهداء كونه كان يذكر في أيام صحته أنه يكتب ثلثه لابنة عمه وكانت في كفالته فذكر له ذلك فقال نعم لا بد من هذا ثم توفي بإثر ذلك ولم يقع منه غير ما ذكر.

فأجاب: الحكم في ذلك أن اللفظ الواقع من أجل المذكور لا ( )(¬1) وصية المذكورة لاحتمال أن يكون مراده الوعد بالإيصاء كأنه يقول لا بد من أن أعمل بذلك ولا بد أن أكتبه ثم اتفق أنه لم يعهد ولم يكتب ويؤكد هذا ما ذكر موصل هذه من أن الرجلين العاقدين أو أحدهما انصرف ليجيء بشاهدين فاتفق الموت قبل ذلك وبالجملة لا بد في الوصية الموجبة للملك من التصريح وعدم الاحتمال.

وسئل عن رجل عهد بشيء لأسارى موضعه الضعفاء، وفضل منه فضلة عليهم، هل يعطى لأسير من أقرب المواضع؟

[

فأجاب : لا يجوز لأحد أن يقتضي منه شيئا مما عليه ، لأن الحصاص يجب في ماله ، فلا يجوز له أخذ شيء لا يدري هل يجب له أم لا ؟ ولا بأس لمن ابتاع منه بيعا وكان له عليه حق بوجه صحيح أن يحيله به مستغرق الذمة أو يضمنه عنه ضامن بأمره أو بغير أمره ويسوغ ذلك بأخذه ، لأنه لم يأخذ منه شيئا يقع ضرره على غرمائه ، وإنما جاز أن يشتري منه السلعة التي أصلها حلال لأنه صير إلى يده عوضا مما أخذ منه فلم يدخل على غرمائه ضررا، ومنع من الاقتضاء لما يدخل عليهم من الضرر، ولم يكن كقائم الوجه فيما يقبضه وفي هباته ومعروفه وتسلطه بالجبروت وقلة القدرة عليه أن يجري فيه حكم الله . وإذا علم مطالبوه من أهل الظلامات كان أشد في الكراهية على من يقبض منه شيئا.

[متى يجب الحميل بالوجه ؟ وبالمال ؟]

وسئل ابن عتاب وابن مالك في المطلوب بمال ثبت عليه يسال التأخير لينظر فيه ، وهو ذو أصول مأمونة أو غير مأمونة ، فيسأله الطالب حميلا بالمال ، هل يلزمه ذلك ؟ أم حميل بالوجه على ما يفتي به فقهاء طليطلة بخلافه ويحتجون بما رواه أبو زيد على ابن القاسم في كفالة العتبية فيمن عليه دين وله مال غائب يعلم غرماؤه ذلك ، فقالوا أعطنا حميلا حتى يقدم مالك ، قالوا ليس ذلك لهم إلا أن يخافوا عليه أن يهرب أو يغيب عنهم .

[463/10] فأجاب : ابن عتاب يلزمه إقامة حميل بالمال لا بالوجه ، كان ذا أصول أو لم يكن ، وبه جرى العمل والقضاء . ورواية أبي زيد ضعيفة خارجة عن الأصول ، والمسالة التي قبلها كذلك ، وكثير من رواياته كذلك . إلى هاهنا انتهى جوابه . ابن سهل : ثم تكلمت معه فيه عند اجتماعي به وقال يلزمه الحميل ، ولو كان قدر من الطالب بالحق رهنا وقبضه منه أو كان على يد عدل ، وهذا كان مذهب الشيوخ ، يريد ما تقدم من قولهم الذي نقلناه من أحكام ابن زياد .

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ٢ · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ٢ · ص ٥٩