ومنها التحدث مع العوام بما لا تفهمه ولا تعقل معنافإنه من باب وضع الحكمة في غير موضعها ، فسامعها إما أن يفهمها على غير وجهها ، وهو الغالب ، وذلك فتنة تؤدي به إلى التكذيب بالحق أو العمل بالباطل ، وإما ألا يفهم منها شيئا وهو أسلم ، ولكن المحدث لم يعط الحكمة حقها من الصون ، بل صار في التحدث بها كالعابث بنعمة الله . ثم إن ألقاها لمن لا يعقلها في معرض الانتفاع بها بعد تعقلها كان من باب التكليف بما لا يطاق ، وقد جاء النهي عن ذلك ، فخرج أبو داود حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الأغلوطات . قالوا : وهي صعاب المسائل أو شرار المسائل . وخرج عن كثير بن مرة الحضرمي أنه قال : إن عليك في علمك حقا كما أن عليك في مالك حقا ، لا تحدث بالعلم غير أهله فتأثم ، ولا تحدث بالحكمة عند السفهاء فيكذبوك ، ولا تحدث بالباطل عند الحكماء فيمقتوك .
[جلوس العلماء على الكراسي بدعة محدثة ]
ومنها ما أحدثه المنتسبون إلى العلم ولا سيما أهل المغرب من الجلوس على الكرسي . وقد كان من هدي العلماء في قعودهم أن يجتمع أحدهم في قعوده وينصب ركبتيه ، ومنهم من كان يقعد على قدميه ويضع مرفقيه على
[477 /2]
ركبتيه . وكذلك كانت شمائل كل من تكلم في هذا العلم من قبل أن تظهر الكراسي . وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم « أنه كان يقعد القرفصاء ويحتبي بيديه » ، وفي خبر آخر : « كان يقعد على قدميه ويجعل مرفقيه على ركبتيه » . وأول من قعد على الكرسي من أهل العلم يحيى بن معاذ بالري وأبو حمزة البغدادي ، فعاب الأشياخ ذلك عليهما . ولم تكن سيرة العارفين الذين يتكلمون في علم المعرفة واليقين ، وإنما كان جلوسهم الاحتباء . وكان يجلس متربعا النحويون وأهل اللغة وأبناء الدنيا من العلماء المفتين ، وهي جلسة المتكبرين .
وما ذكرتم من الأوصاف في صدر كتبكم فأنا عري عنها. ولكن ستر الله ولطفه. وقد وقع للشيخ الفقيه القاضي أبي إسحاق ابن عبد الرفيع رحمه الله تعالى، ومحله من العلم معلوم، في بعض كلامه: أنا ليس لي من العلم إلا رسمه، ومن الفقه إلا اسمه، ولكن كما قال الله تعالى: ﴿فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾، وما أنشده الشيخ الفقيه أبو الحسن القابسي بعد موت الشيخ أبي محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى معلوم، وفق الله جميعنا لما يحبه ويرضاه وألهمنا رشده، وشغلنا بما يعنينا، إنه الجواد المتفضل. وصل الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وآله وصحبه أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
وسئل عنها الشيخ الفقيه الخطيب المفتي المدرس العلامة أبو عبد الله محمد بن عرفة، رضي الله عنه، إلا أن السائل لم يذكر ما احتج به كل واحد من المفتين.
فأجاب بما نصه: ظواهر مقالات أهل المذهب أن ميراث المفقود المذكور لمستحقي يوم الحكم بتمويته لا يوم بلوغه سن السبعين. قال اللخمي ما نصه: قال مالك إذا بلغ المفقود من الزمان ما لا يحي إلى مثله قسم ماله يوم يموت، ثم قال: قال مالك ميراث الأب لمن يرثه يوم يموت.
قلت: فما قلناه هو ظاهر قوله أولا ونصه ثانيا. وقال المتيطي: إذا موت المفقود بانقضاء تعميره لم يرثه ابنه الميت وإنما يرثه من كان حيا من ورثته يوم تمويته. قاله مالك وابن القاسم وجميع أصحابنا.
قلت: وهذا كالنص فيما قلناه مع عزوه لمن ذكر، وفي وثائق ابن كوثر: يستحق إرثه بعد انقضاء تعميره عند القاضي الذي أشهد بتعميره أو من ولي بعده من يشهد لهم أنهم أهل الإحاطة الآن بميراثه، ثم قال وإن لم يتقدم نظر في تعميره حتى انقضى تعميره ورثه المحيط الآن بميراثه لا غيره.
[489/4]
[490/4]
قلت: قد قيد ابن كوثر منع مقدم القاضي من تفويت الربع والعقار بما إذا أمكنه الرفع إلى القاضي. ولم يفعل. وابن الحاج بما إذا لم يثبت عند القاضي ما يوجب البيع. والقاضي إسماعيل بما إذا لم يأمر القاضي بذلك. ومسألتكم هذه قد فرضتم فيما تقديم القاضي للقسم بخصوصه، وموافقته على فعل المقدم وإقراره، فتنزل ذلك منزلة بيع القاضي نفسه، وبيعه ماض نافذ اتفاقا. فكذلك ما وقع عن أمره وصدر عن إرادته ورأيه ثم الخصم
[560/6]
قد لا يسلم انتفاء الضرورة في هذا البيع، لأن زيادة القيم والأثمان في القسم أمر غالب لا بد منه، لتفاوت المواضع في الكرم والرداءة وبحسب هذا التفاوت تفاوت القيم والأثمان. ولا سيما إن كان القسم بالمراضاة. وإن كان بالقرعة فالتراجع باليسير من القيم والأثمان عفو وهو الظاهر مما لابن القاسم في مسألة العلو والسفل وقد يدعي فيها درك لها عليه من العين، أيضا أنه لغرض التشوير وهو أحد الضروريات المسوغة لبيع عقار اليتامى والأيامى إن لم يكن لهن من العروض والغلل والأثاث ما يكفي لتحصيل هذا الغرض المهم الجليل، على ما نص عليه ابن الحاج عن أصبغ بن محمد ونقل صاحب غرائب الأحكام عن ابن عتاب اتفاق الشيوخ المتقدمين عليه وإن كان صاحب الطرر حكى عن أبي الوليد بن خيرة فيها خلافا.
وأما قولكم وإخراجهم من أجزاء مشاعة فإن دخلوا في أجزاء مشاعة.
[477/7] [من اشترى أملاكا فطولب بالإقالة فقال حبستها]
وسئل القاضي أبو الأصبغ بن سهل عن رجل ابتاع أملاكا من رجل, ثم إن البائع سأل المبتاع أن يقيله فيها, فقال المبتاع إني قد حبستها على بني وأعقابهم وعل الجامع إذا انقرضوا, وأسأل أهل العلم فإن جوزوا لي إقالتك فأنا أقيلك ثم إن المبتاع مات إثر ذلك.
فأجاب: الحبس الذي أقر به ضعيف إن كان لم يشهد به ولا أحيز, فإن كان قد أشهد به في صحته وحيز عنه وكان المحبس عليهم كبارا وكان فيهم كبير فينفذ, وما وعد به من الإقالة ساقط لا يلزمه ولا ورثته, صح الحبس أو لم يصح, وإذا لم يصح فالأملاك موروثة عنه, وبالله التوفيق.
[اختلف في جواز نقل الحبس من ذمة إلى أمانة]
وسئل ابن عتاب عن رجل اكترى أرضا محبسة عل حصن من حصون طليطلة لسبعة أعوام, فاجتمع من ذلك عليه كراء عامين, فأراد القاضي بطليطلة قبض ذلك منه وتوقيفه عند ثقة حنى ينفذ عل وجهه, فقال فقهاء طليطلة ليس للقاضي ذلك, لأنه يخرجه من ذمة إلى أمانة, وذلك تضييع, وقال ابن سهل لهم: للقاضي قبض ذلك الكراء من المكتري وتوقيفه حتى ينفذ في سبيله الذي سبل فيه, هل الصواب ما قاله فقهاء طليطلة أم لا؟
فأجاب: لا أرى توقيفه, ولينفق في الحصن. فغن كان الحصن عنه في غنى وكان المكتر مليا يترك في ذمته بعد أن يتوثق منه بالإشهاد عليه, حتى يحتاج إليه إن شاء الله؟
وأجاب ابن القطان, للقاضي إخراجه عن المكتري وتوقيفه, وليس لأحد اعتراضه, ولا حة عليه بإخراجه من ذمة إلى أمانته, هذا مذهب مالك, قال ابن سهل هذا هو الصواب عندي.
[من حبس على ضعفاء أهله من قبل أبيه وأمه]
وسئل ابن عتاب من المرية عن رجل حبس في وصيته ضيعة له حبسا
[
477/9] التحاسب بعد فرض الفارض للبنت من تلك المدة فمن شط له شيء في التحاسب رجع به.
وسئل عن امرأة توفيت وعهدت بثلث متروكها لأختها ثم مرضت المعهود لها بعد قبضها له بنحو من عام فأشهدت على نفسها في مرضها الذي توفيت منه أن الثلث الذي عهدت به أختها لها كان بشرط أن تصرفه هي على ابني أختها بشرط أن لا يقبضه الوصي عليها ويجعل بيده غيره ولا يمكن الوصي منه.
فأجاب: لا تصدق المعهود لها على ما ذكرت في مرضها الذي ماتت منه من أن عهد أختها إليها بالثلث كان بشرط الصرف على الابنين إلا أن يثبت ذلك ببينة على العاهدة فإن ثبت ذلك بالبينة صار ذلك الثلث ميراثا بين جميع ورثة العاهدة، ولا يختص به الابنان، وإن لم يثبت ذلك فيصير ما ذكرته المعهود لها في مرضها عهدا من قبلها للابنين بذلك الثلث على أنه من مالها، إذ قد ملكته بالعهد، فيخرج لهما من ثلث جميع مالها بعدنا يضاف إليه ذلك الثلث، وليس لهما إلا ما حمله ثلثهما. وإن ظهر غلك في تلك القسمة أولا فلا بد من استدراكه والسلام.
[إذا اختلف الوصي والمشرف في الشراء لليتيم أخذ برأي الوصي]
وسئل عن ولي على أيتام ومشرف عليه تخالفا، ودعا المشرف الوصي إلى شراء ملك للمحاجير، فلم يجبه الوصي إلى ذلك وذكر أن المحجور يخدم الوصي وأراد أن تكون خدمته مع الناس بالإجارة، وأبى الوصي ذلك.
فأجاب: على الوصي مطالعة مضرفه ومشورته في كل شيء يفعله في مال المحجور، ولكن الاعتماد على نظر الوصي، وهو العاقد لما ينعقد على المحجور من العقود. قال ابن رشد: المشاور ليس بوصي ولا ولي ولا إليه من ولاية العقود شيء، وإنما له المشاورة التي جعلت إليه خاصة. فإذا شاوره انفرد هو بالعقود دونه من غير أن يوكله على ذلك، إذ لا شركة له معه في ولاية العقود. فإذا دعا المشرف الوصي إلى شراء ملك لليتيم ولم ير الوصي ذلك نظرا لما يلزمه ما دعا إليه المشرف، لأن العقد إليه، وإنما عليه أن يشاور
[
يوكل وكيلا على تقاضي ديونه فيقوم على رجل بذكر حق عليه مائة دينار، فيقول المطلوب قضيت صاحبك منها خمسين دينار، قال لا ينفعه ما ادعى من الدفع إلا أن يأتي على ذلك ببينة، وإلا غرم ولا يؤخر إلى لقاء صاحبه .
وقال أصبغ في نوازله من الكتاب المذكور في الرجل يوكل رجلا في حق له على رجل ببلد آخر فيذهب إليه فيقول الذي عليه الحق إني كنت قد قضيته فاكتب إليه فيحلف أنه ما اقتضى منه شيئا . وقال أصبغ ليس ذلك له ، وأرى أن يقضى عليه بالحق ويغرم وترجى له اليمين يحلفه إذا شاء . قيل له فإن نكل عن اليمين إذا لقيه ؟ قال يحلف المطلوب ويعدى عليه بالذي كان قبضه منه وكيله . قيل . فإن وجده قد مات ؟ قال يحلف ورثته أنهم ما علموه قضى .
وقال ابن عبد الحكم : إن كان بعيدا قضي له ، وإن كان قريبا لم يقض له بشيء حتى يحلف .
وقال ابن كنانة يحلف .
وسئل ابن أبي زيد عن الرجل يشتري من الرجل ثوبا فيفلس المشتري والثوب عليه لابسا له وليس له ما يواريه غيره ، هل يكون ربه أحق به ؟
[462/10] فأجاب : هو أحق به عندي ، وليستأجر ذلك لنفسه ما يستتر به أو يستعيره .
[لا يجوز لأحد من الغرماء أن يقتضي شيئا من مستغرق الذمة]
وسئل أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي عمن كان له دين على من اغترقت التباعات والظلامات ذمته ، ولا يكاد يحصى أهل التباعات ، ولا يفي ما بيده بما عليه ولا يقاربه ، ولا يعلم منتهى ما عليه ، لم يجز لأحد أن يقتضي منه شيئا مما عليه ، لأن الحصاص يجب في ماله ، فلا يجوز له أخذ شيء ، ولا يدري هل يجب له أم لا ؟.