قال أبو محمد الخزرجي : أخبرني أبو عبد الله القوري في المسجد الجامع بقرطبة ، قال : كنت بمصر فأتاني نعي أبي فوجدت عليه وجدا شديدا ، فبلغ ذلك الشيخ ابن غلبون المقري فوجه بي ، فأتيته فجعل يصبرني ويذكرني ثواب الصبر على المصيبة والرزية ، ثم قال لي : ارجع إلى ما هو أعود عليك وعلى الميت من أفعال البر والخير مثل الصدقة وما شاكلها . وأمرني أن أقرأ عنه ﴿ قل هو الله أحد ﴾ عشر مرات كل ليلة ، ثم قال لي : أحدثك في ذلك بحديث ، قال : كان رجل معروف بالخير والفضل ، فرأى في منامه كأنه في مقبرة مصر ، وكان الناس قد نشروا من مقابرهم وكأنه مشى خلفهم ليسألهم عن الشيء الذي أوجب نهوضهم به إلى الجهة التي توجهوا إليها ، فوجدوا رجلاعلى حفرته قد تخلف عن جماعتهم ، فسأله عن القوم إلى أين يريدون ، فقال له إلى رحمة الله جاءتهم
[476 /2]
يقتسمونها ، فقال : فهلا مضيت معهم ؟ فقال : إني قد اقتنعت بما يأتيني من ولدي عن أن أقاسمهم فيما يأتيهم من المسلمين . فقلت له : وما الذي يأتيك من ولدك ؟ فقال : يقرأ كل يوم ﴿ قل هو الله أحد ﴾ عشر مرات ويهدي إلي ثوابها . فذكر الشيخ ابن غلبون لي أنه منذ سمع هذه الحكاية كان يقرأ عن والديه ﴿ قل هو الله أحد ﴾ كل يوم عشر مرات عن كل واحد منهما ، ولم يزل بهذه الحالة إلى أن مات أبو العباس الخياط ، فجعل يقرأ عنه كل ليلة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ عشر مرات ويهدي إليه ثوابها . قال الشيخ ابن غلبون : فمكثت على هذا مدة ثم عرض لي فتور قطعني عن ذلك ، فرأيت أبا العباس في النوم فقال لي : يا أبا الطيب ، لم قطعت عنا ذلك السكر الخالص الذي كنت توجه به إلينا ؟ فانتبهت من النوم فقلت السكر الخالص كلام الله عز وجل ، وإنما كنت أوجه إليه ثواب ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فجعلت أقرؤها عنه رحمه الله .
لكنه يرجح بالتأويل لما عليه الظواهر. وما احتج به المفتي بخلاف ذلك من حكم الحاكم، وأن مذهبه في التعمير سبعون وأن حكمه يرفع الخلاف، لكنه إنما حكم بموته يوم القيام فكيف يرث منه بعد السبعين وقبل الحكم، لأن في الجائز كان أن يرفع إلى غيره قبل أن يرفع إليه فلا يحكم بموته. وتأمل كلام أهل المذهب حين تكلموا على ما إذا مات له ولد فقالوا يوقف للأب ميراثة حتى يتبين موته، فإن موت بالتعمير فلا توارث بينهما. ويرث الأب من كان حيا يوم يموت، وبرث الولد ورثته يوم موته، ولم يفصل أحد منهم بين أن يكون موت الولد بعد مضي سني التعمير على قول، ويكون مذهب الحاكم بموته ذلك القول. فإطباقهم على هذا دليل على عدم اعتباره. ثم إن الذي يبين هذا ويرفع الإشكال فيما مضي عليه الشيخ أبو حفص ابن العطار القروي ونص إذا فقد ابن سبعين سنة ورفع أمره إلى الحاكم بعد عشر سنين من يوم الفقد فكان قد مضى من عمره ثمانون سنة، وكان قد مات له ولد قبل الرفع بخمس سنين في وقت كان قد مضى من عمره خمس وسبعين سنة. فإنه لا يرث ولده ولا يرثه ولده، وتمويته إنما يقع يوم الحكم، وإن كان القاضي الذي رفع إليه ممن يكون عند التعمير سبعين سنة، لأنه لما لم يرفع إليه إلا بعد تمام الثمانين فلا يحكم أنه ميت قبل ذلك، لعله لو رفع إلى غيره قبل ذلك.
[488/4]
[489/4]
فلا يموته فلا يقع موته إلا بالموت. هذا نص كلامه وهو ظاهر والله أعلم وبه التوفيق.
بشيء من الوجوه المذكورة في بيع ربعه. قال ابن عتاب: وهو أشبه. ثم قال عن المشاور أيضا: فإذا باع نفذ بيعه ومضى. وهذا قول شيخ الشيوخ من أهل الشورى قديما. وبه العمل انتهى. فإن قلت ما جبلته من الطرر، واستشهدت به لإمضاء البيع بعد النزول، إنما هو في بيع الوصي. ونازلة السؤال إنما هي في بيع مقدم القاضي. وبين مرتبتهما بون ظاهر. ألا ترى أن القاضي إسماعيل قال: لا يبيع العقار لأنه كوكيل على شيء مخصوص بعينه؟ وهو بخلاف وصي الأب. واستحسنه القاضي أبو القاسم ابن خلف بن كوثر. وبه جرى العمل في نقل ابن الحاج عن أصبغ بن محمد.
[حرى العمل بسبتة أن وكيل الوصي كالوصي في جميع أموره]
واختلفوا أيضا هل له أن يوكل أم لا على قولين حكاهما المتيطي. والقول بأن له أن يوكل هو ظاهر ما في أحكام ابن سهل عن ابن لبابة وعبيد الله بن يحيى وجماعتهم. وظاهر المدونة أيضا عند قوله: وإذا أقام القاضي له خليفة كان كالوصي في جميع أموره، وبه جرى العمل بسبتة. وعليه انعقدت نصوص الوثائق. ولم يختلفوا في الوصي أن له أن يوكل. واختلفوا أيضا إذا أراد دفع مال المحجور له بعد أن علم على رشده. هل له ذلك دون أمر القاضي؟ أو لا بد في ذلك من أمره. الأول هو المشهور في حكاية المازري وغيره إلى غير ذلك من المسائل الدالة على ضعف رتبته عن رتبة الوصي، فلا يلزم من إمضاء البيع بالنزول في الأقوى وهو خليفة الأب إمضاؤه في الأضعف وهو خليفة القاضي في مورد البحث والسؤال.
476/7] صحة الإقرار فلا يثبت به الجرح عل الأظهر. وأما طلبه فيما تعين عليه والسؤال عن سجنه فمن المعلوم أنه متى وجب على شخص حق من الموال ولم يكن مأمونا فغنه يلزم دفع الحق وإلا سجن, فإن قال أبيع عروضي أو نحوها وأدفع ما وجب علي, فلابد أن يلزم حميلا بالمال إلى ما يراه الحاكم, وهل ذلك بعد يمينه على انه ليس عنده ناض, المختار أنه إن كان ممن يظن به وجود الناض عنده كالتجار أحلف وإن كان لا يظن به ذلك لم يحلف, وما زال الشيوخ يختلفون في المسألة, فكان بعضهم يختار ما قلناه, وكان بعضهم يحلفه مطلقا وكان بعضهم يصدقه مطلقا, فإن لم يأت بحميل سجن, والسجن حميل من لا حميل له, وإن كان مأمونا ذا أصول فقال أنا أبيع ربعي وأدفع, فقد كان بعضهم يلزمه الحميل بالمال وبعضهم بالوجه, وبعضهم لا يلزم حميلا بالواحد من المرين, ويرى أن المقصود من الحميل التوثق, وهو حاصل. ألا ترى أنه لو أتاه بحميل بما له دون المطلوب في المال ألزم قبوله ولا فائدة إذا في الحميل, وهو الذي كان يختاره أبو مروان ابن مالك, وبمثله أجاب سحنون في مسألة المتعدي في المال المبعوث معه يقر بين يدي الحاكم, ويقول هذا ربعي أبيعه ويعرضه للبيع فلا يجد من يشتريه, وطلبه صاحب الحق بحميل هل يسجن له إذا لم يجد حميلا؟ فكتب رحمه الله تعالى: لا حميل على هذا ولا سجن إذا بذل من نفسه هذا, ولم يتهم, وفي كتاب ابن سحنون, يحبس ما لم يعط لخصمه حميلا فيجب على الحاكم أن يراعي مظان التهم, ويحقق أحوال الناس بحسب ما يخص كل شخص, ثم يعمل على حسب ذلك بعد استفراغ الوسع.
وأما ما وجد في ديوان القاضي بعد عزله من شهادة البينة وعدالتهم, فغنه لا ينظر من ولي بعده في شيء من ذلك, ولا يجيزه إلا بإقامة البينة بعد العزل, ولا يقبل في ثبوت ولا في أداء مثل أن يقول ما في ديوانه قد شهدت به البينة ونحو ذلك, لأن الذي كان, انتهى ما حدث من جواب هذا الشيخ رحمه الله لضياع بقيته.
476/9] القارئ بالمسجد المذكور، وتقيد في رسم آخر ما مضمنه الشهادة على والد العاهد المذكور على أنه سلم في العهد التسليم التام ورفع النزاع فيه والاعتراض، ولم يكن للموصي وارث غير والده. وبالمسجد المذكور قارئ بين العشاءين وآخر بعد الصبح، على أن وقت بين العشائين بقي مدة دون قارئ نحو عامين بعد أن قرأ فيه قارئ سنة، ثم قرأ بعد العامين قارئ آخر، ووقت السحر ما زال معمورا طول هذه المدة الأعوام. فلمن ترون يكون فائد العامين اللذين لم يقرأ فيهما بين العشائين؟ هل لهذا القارئ الأخير أو القارئ وقت السحر؟
فأجاب: الذي يظهر لي في الحبس المذكور منذ أسلم فيه الوارث أن يختص به قارئ واحد بالمسجد المسمى، لا أنه يقتسمه القارئان فيه عملا بظاهر لفظ المحبس حيث قال على القارئ للحديث بالمسجد الجامع، ويكون تعيينه إلى نظر الناظر في الحبس وإن رأى أن يجعله مناوبة بينهما في أوقات مختلفة فذلك له إذا لم يثبت تخصيصه بقارئ بين العشائين بشهادة كاملة، لكني أستحسن للناظر أن يجعله للقارئ بين العشائين استحسانا لصدق لفظ المحبس عليه لأنه قارئ في المسجد مع موافقة زيادة الشاهد الآخر على تقدير صحتها. أما في العامين اللذين لم يقرأ فيهما إلا قارئ واحد بعد التحبيس فهو له، إذ لا يزاحمه غيره، والزيادة لم تثبت.
وسئل عن بنت توفي والدها وتركها مع زوجة له غير أمها، وتزوجت المرأة وكفل البنت زوجها، وكانت البنت ذات مال، فعمد زوج المرأة وأنفق على البنت من مالها، وتوفيت البنت فأظهر الزوج المذكور عقد فرض يستغرق مالها.
فأجاب: الحكم في النازلة المذكورة على ما وصف السائل أن يكلف العاصب إثبات استغلال زوج الأم الأملاك المعروفة للبنت المدة المحدودة، وأنه لا تعلم له براءة من الواجب عليه بسبب ذلك إلا ما ذكر من إنفاقه عليها إن ثبت له ذلك. فإذا ثبت الاستغلال وثبتت النفقة للمنفق بما يجب وجب
[
فأجاب : إن اتفق جميع الورثة على أن يؤدي كل واحد منهم إلى الذي له الدين ما ينوبه منه ويقتسموا الأملاك المذكورة على فرائض الله فذلك لهم ، وليس للذي له الدين أن يأبى ذلك عليهم . وبالله التوفيق .
[من أثبت حقا على غائب وأراد أن يخرج أو يوكل لاقتضائه]
وسئل عما وقع في رسم العتق من سماع عيسى من كتاب الأقضية من العتبية في الرجل يثبت حقا له عند القاضي على رجل غائب ويريد الخروج في ذلك أو يوكل ، قال يستحلفه في الوجهين جميعا إلى آخر المسألة، ما العلة الموجبة أو الفائدة في تحليف الطالب إذا كان خارجا بنفسه وشاخصا بذاته لاقتضاء حقه ؟ ولعل غريمه لا ينكره فيما عليه ولا في شيء من حقه عند اجتماعه به ؟ أو لعله إن أنكره يصالحه فيه ؟ ومن الناس على علمك من يكره اليمين في مقطع الحق بارا، وهل جرى العمل قديما باليمين ولا بد عند الحاكم أولا؟ لأن كان العمل جرى بذلك وتواتر الحكم به فهل ترى اليوم مندوحة لحاكم في تركها إذا كان الطالب خارجا بنفسه نظرا منه في ذلك وجهلا [461/10] به ؟ وإن رأيت ذلك له فهل يكون للحاكم المكتوب إليه بذلك صرف الأمر على الحاكم الكاتب به ؟ أم لا يكون له صرف ذلك عليه ويلزمه تنفيذ الحكم وتحليف الطالب هناك عنده إذا ادعى المطلوب قبله ما يوجب اليمين عليه ؟ بين لنا فإنه مما ينزل عندنا وتعم البلوى به مأجورا إن شاء الله .
فأجاب : تصفحت السؤال ووقفت عبيه . وقد قيل إن للحاكم أن يكتب
له دون أن يستحلفه خرج أو وكل ، وهو ظاهر ما في سماع عيسى ونوازل أصبغ من كتاب البضائع والوكالات ، فإن فعل ذلك الحاكم لم يخط ، فقد تساهل ذلك الحاكم للاختلاف الحاصل في المسألة، وإن كان الذي يوجبه النظر بما لا يخفى عليك إذا تدبرته مما تضمنته الرواية الذي ذكرت ، وبالله التوفيق .
ونص ما وقع في سماع عيسى من كتاب البضائع : قلت . أرأيت الرجل