وسئل ابن السيد رحمه الله عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم في سورة الإخلاص : « إنها تعدل ثلث القرآن » ، وفي سورة الكافرون « تعدل ربعه » وفي إذا زلزلت « تعدل نصفه » .
فأجاب بأن الفقهاء والمفسرين قالوا : إن قارئ سورة الإخلاص له من الأجر والثواب ما لقارئ جملة القرآن ، ولقارئ قل يا أيها الكافرون ربع ذلك ، ولقارئ إذا زلزلت نصفه . وليس عندهم من الجواب عن تخصيص أحدها بالربع والآخر بالنصف أكثر من أن الله يهب لمن يشاء ما يشاء . قال : وأما المتكلمون فقالوا : إن القرآن على ثلاثة أقسام :
1 - قسم في صفات الله وما يجوز له وما لا يجوز .
2 - وقسم في أمور الدنيا .
3 - وقسم في أمور الآخرة .
وقل هو الله أحد تضمنت القسم الأول فقط ، ولذلك سميت سورة الإخلاص ، لأنها أخلصت في صفات الله . وأما قل يا أيها الكافرون فليس فيها أكثر من البراءة ، وأما إذا زلزلت فالقرآن يشتمل على أمور الدنيا وعلى أمور الآخرة ، وهذه لم تتضمن غير أمر الآخرة فكانت تعدل نصفه . وانظر أول رسم المحرم يتخذ خرقة لفرجه من كتاب الصلاة الثاني ، وانظر العارضة لابن العربي ، وكتاب الصلاة من إكمال عياض .
واحتج من سواه ممن أفتى بأن الميراث للمحكوم له بظواهر النصوص. بل المجوع إليه بعد والمعول عليه في فك عضلها وحل أقفالها ونشر طيها وكشف لبسها على بركتكم لتعيينكم لذلك. والغرض من سيادتكم تبيين الصواب فيها. فإن رأينم ما ذهب إليه الأول وما احتج إليه صوابا أقرر تموه، وإلا بينتم وجه الرد عليه وما يحق أن يعتمد عليه فيها. والله سبحانه يديم عافيتك، ويجري الصالحات على يدكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب رحمه الله بما نصه: الحمد لله ميراث المفقود إنما يستحقه من كان من ورثته حيا يوم يحكم بموته على ما تقتضيه ظواهر المذهب القريبة من النص كما أشرتم إليه، وإن كان ظاهر المدونة في كتاب العدة والعتق الأول محتملا.
فسخه، ولا فرق فيه بين القليل والكثير وهو عندكم ظاهر المدونة. وهو قول أشهب وابن حبيب. ومثله في المبسوط. وقيل قسم القاسم، كحكم الحاكم، لا يرد منه إلا الخطأ البين.
قلت: وهذا الخلاف إذا لم يحكم القاضي بقسم القاسم. وأما إن حكم كما في فرض النازلة. فلا، لأنه يصير حينئذ حكم قاض، لا قسم قاسم. وبه احتج أبو الحسن ابن حمدين على ابن سهل وابن فرج لما خالفاه حين نزلت أيام ولاية أبي بكر(¬1) بن منظور قضاء الجماعة بقرطبة، واستشارهم فيها. وإن كان بالتراضي،وهذا الظاهر من قوة السؤال، فإنه يرجع بالغبن الكثير، ولا يرجع باليسير. وهذا كله بعد تسليم جواز القسم عليه بالتراخي بعد التقويم والتعديل، من غير قرعة. وهو قول ابن أبي زمنين وابن العطار. وبه القضاء. وهو ظاهر ما في رهون المدونة. وأما على القول بالمنع، وهو قول ابن الهندي وصرح الباجي في وثائقه بغلطه فلا. ثم على فرض ظهور الغبن الموجب للقيام في نوعي القسم المذكورين، فإنه لا قيام به هنا لفوات حصة الزوج بالهبة من شقيقه وبيع الموهوب له محمد بن عمر بعدها، لأن بيع الغبن أو قسمه، يفيته ما يفيت البيع الفاسد، بل أحرى.
قاله ابن رشد وابن الحاج في نوازلهما.
وأما قولكم:وقوم الربع من غير نداء، فجوابه أن إشهار ربع المحجور للنداء والمزايدة والتعريف به والهتف في قضائه زمانا ومكانا إنما يشترط في بيعه لا في قسمه، فليس هذا موضع نداء ولا إشارة. فتأملوه.
وأما قولكم: فاستلزمت هذه القسمة بيع الربع على المحاجير لغير ضرورة، فجوابه أن هذه القسمة وإن استلزمت البيع فالبيع بعد نزوله ماض نافذ. قال في الطرر عن المشاور: فإن باع الوصي عقار اليتيم مضي بيعه وجاز ما لم يكن غبنا في الثمن مما لا يتغابن الناس بمثله، وإن لم يكن
[559/6]
وأما إذا كان الفاضل شيئا يسيرا فلا يجوز أن يصرف منه شيء فغنه يخاف نقص الغلة فيما يستقبل, فلا يكفي المحبس عليه فيما يحتاج إليه, ولو كان الإمام أو القاضي هو الذي رتب على صلاة الجمعة من مال ذلك الجامع نفسه ما رتب بالنظر لم نقل بارتجاعه, فغنه حكم بقول أئمة لا تقدر على نقضه, وأما حكم الحاكم لنفسه فليس كذلك ومن ثم كان أحد المذكور له عل الوجه المذكور تساهلا قبيحا مبعدا عن الأحوال المرضية, وأما اعترافه بأنه مجرح بالإقرار على هذا النوع بالتأكيد, يجب أن ينظر فيه إلى شاهد حاله ومخرج قوله, فإن كان ذلك على وجه حيح من صريح الإقرار فلا نزاع في ثبوت الجرح به, وإن كان لأمر ما, من فحار(¬1) أو استصغار لنفسه مما يظهر أنه صارف له عن
[
فأجاب بأنه يقدم له القاضي رجلا يعذر إليه فيما ثبت عنده، والدليل على ذلك أن الحق لو كان على الغائب لحكم به على الغائب، فهو كالحكم عليه في هذا ولا ينتظر قدوم الغائب.
ونزلت سنة خمس وخمسمائة في يتيم كان عليه أبومحمد الدمناتي وصيا وكان الدمناتي في الحج فأفتى بذلك، وشاهدت الفتيا بذلك فيمن مات وصيه وثبت رشده.
وسئل ابن رشد عن مشرف جرى بينه وبين من في نظره شنآن ومخاصمات، هل يجب عزله بمجردها أم حتى يظهر منه ما يوجب الريبة به في شأنهم؟ وكيف لو أخفى لهم مالا واختلسه من عند الوصي واحتج باحتياطه لهم بأخذه واتهامه الوصي فيه، هل يرفع عنه هذه الريبة التي ظهرت عليه باختلاسه وإنكاره له أم لا؟ أم يعذز في ذلك بما زعمه؟ بينه لنا مأجورا مشكورا.
فأجاب: ما جرى بين المشرف وبين اليتيم الذي جعل إليه الإشراف عليه وألزم الوصي ألا يفصل في شيء من أموره دون رأيه يوجب أن يسقط إشرافه عليه ومشورته في أموره، لأن العدو لا يؤتمن على عدوه في شيء من أحواله. واختلاسه المال من عند وصيه وصرفه بعد الإنكار له ريبة في أمره لا يسقطها عنه ما اعتذر به في ذلك. فإذا ثبت هذا من حاله وجب أن يصرف عما جعل إليه من الإشراف عليه ويقدم سواه مكانه مع الوصي وبالله التوفيق.
وسئل الأستاذ أبوسعيد بن لب، رحمه الله، عن رجل شهد عليه شاهدان أنه أوصى بتحبيس نصف موضع من ثلثه يكون وقفا على قارئ الحديث بالمسجد الجامع إلا أن أحد الشاهدين كتب بعد شهادته أشهده الموصى أبوفلان المذكور أن نصف الموضع المذكور إنما يتعين للقارئ بين العشاءين، وبعد شهادة الثاني سمع الموصي يقول: هو حبس على
[
فأجاب : تصفحت السؤال الواقع فوق هذا ووقفت عليه . والذي أراه في هذا على أصولهم أنه إن كانت المدبرة مأذونا لها في التجارة أو كان سيدها المدبر لها قد أذن لها بقبض كالئها حلفا جميعا، لأن الكالىء يسقط بإقرار من أقر منهما بقبضه وإن لم تكن ثم بينة على الدفع . وأما إن كان سيدها لم يأذن لها في التجارة ولا في قبض كالئها فلا تحلف هي ، إذ لو أقرت بقبضه لم تصدق في ذلك ، ويحلف هو ما قبض ولا عالم أنها قبضت ، لأنه لو أقر أنه قبضه أو أنه يعلم أنها قد قبضته لبرئى بذلك الزوج منه . وأما إن كان لهادين على زوجها بشاهد واحد فهي تحلف مع شاهدها أن ما شهد لها به حق وأنها ما قبضت ولا وهبت ، كان مأذونا لها في التجارة أولا ، غير أنها إن لم تكن مأذونا لها في التجارة فنكلت عن اليمين كان من حق سيدها أن يحلف إن شاء مع الشاهد ويستحق الدين لها، وإن شاء انتزعه [460/10] منها. ولا يدخل في نكولها عن الدين إن نكلت عنه الاختلاف الذي في نكول السفيه ، إذ ليست بسفيهة . وإقراره لها بدين في المرض وورثته عصبته كإقراره للصديق الملاطف مع العصبة حسبما ذكرت ، وبالله تعالى التوفيق .
[من ترك أملاكا ودينا عليه لبعض ورثته ، فأراد الآخرون أداء الدين وقسم الأملاك]
وسئل عن رجل توفي وترك أملاكا وترك ورثة، ولبعض الورثة على المتوفى دين ، ولم يترك غير الأملاك ، فذهب بعض الورثة ممن ليس له دين إلى أن يدفع لصاحب الدين ما يجب عليه في حصته من الدين ويأخذ ما يجب له في ميراثه من الأملاك المذكورة، وذهب صاحب الدين إلى أن يأخذ في دينه ما يجب له بالقيمة من الأملاك ، والأملاك دور وأرضون مما ينقسم . هل لمن ليس له دين أن يدفع ما يجب عليه من الدين ويكون أولى بما يجب له من ميراث أبيه من غيره أم لا ؟ بين لنا الواجب في ذلك موفقا إن شاء .