ابن مرزوق : واستحسن بعض أصحاب الشافعي رضي الله عنهم القيام قريبا من الفجر ما بين الصادق من الفجر والكاذب ، وكرهوا التقديم قبل ذلك ، وأما أهل الثغر المحروس فهم يزيدون عليهم في البكور ، وكذلك أهل الحجاز في الغاية ، والتبكير في قاعدة المغرب فاس المحروسة ، فإنه من نصف الليل لا تزال في استماع أنواع الأذكار والأدعية والتكبير في المساجد ، وأعانهم على ذلك كثرة المياه المتدفقة الدفيئة ، والخير لها قائم ، لا سيما الآن لما وقعت العناية والاهتمام بأمر الصلاة أدامها الله تعالى ، وتونس وغرناطة دونها في ذلك .
وفي البيان عن سحنون : كان المؤذنون إذا صعدوا المنار عاينوا ما في الدور ، وطلب أهلها منعهم من الصعود فمنعوا ، وإن كان بعض الدور على البعد بينهم الفناء الواسع والسكة الواسعة ، لأن هذا من الضرر المنهي عنه .
ابن رشد : وكذلك يجب عندي على مذهب مالك ، لأن الاطلاع من الضرر الواجب الإزالة ، ومن يرى من أصحابه أن من أحدث اطلاعا على جاره لا يقضى عليه ، ويقال للجار استر على نفسك يفرق ، فإن المؤذن ليس بمالك ، بل طالب
[473 /2]
مندوب بفعل محرم . وهكذا حكم الدور البعيدة إلا أن لا يتبين فيها الذكر من الأنثى والهيئات ، والله تعالى أعلم .
ومنها ما يفعله المؤذنون وجرى عليه العمل بالبلاد المصرية اليوم وبالثغر والشام والحجاز .
ابن مرزوق : ولقد رأيت بالجامع الغربي بالثغر المحروس ثغر الاسكندرية خمسين يؤذنون بين يدي الإمام يوم الجمعة ، وفيهم من ينطق بنصف الكلم ويسكت حتى ينطق ببعضها من كلمة أخرى ، وكذلك عددت نحو هذا بجامع مصر العتيق وبجامع الأزهر وجامع الحاكم وبيت المقدس وسائر بلاد الشام ، وعلى ذلك العمل في الحجاز . ورأيت جماعة من كبار علمائنا بالديار المصرية ينكرونه .
تكذيبا منه للبينة الشاهدة بكذبها، إذ تصديقه لها إنما هو مع الإ=بهام حيث لا يعرف صدقها من كذبها. وأما لو قامت البينة بكذبها فإن الزوج لا يصدق للكذب الظاهر الواضح. كما إن اختلف الخصمان في قضية فكان القول قول فلان منهما مع يمينه، فإن قوله في ذلك مصدق إلا أن تقوم بينة لخصمه بدعواه. ويدل على ذكر نصوص الأيمة الواردة في مسألة التصديق:
منها ما ذكره القاضي أبو الوليد بن رشد في المسألة الخامسة في رسم الرطب باليابس مع سماع ابن القاسم في الرجل يشتري زقا فيه زيت. وزعم بائعه أن فيه عشرة أقساط القمح جزافا،قال ابن رشد إنما كرهه إذا أعطاه الزيت على التصديق، لأن مشتري الزيت قد يكيله بحضرة بينة لم تفارقه منذ أخذه من صاحبه، فيجده ينقص نقصا بينا فيرجع عليه في الطعام الذي اشتره به بمقدار ما نقص الزيت فلم يتناجزا. فقوله فيرجع عليه في الطعام واضح بين على قبول البينة الشاهدة بنقص الزيت، مع أن المشتري مصدق لبائع الزيت منه في كيله، وقول ابن القاسم في المسألة باجازة البيع بناء على حصول التناجز في القبض. وما طرأ بعد ذلك من قيام البينة الموجب لرد الطعام لا يؤثر في صحق العقد بناء على أن الطواري لا تعتبر.
بعد انعقاد الشهادة عليه باعترافه في عقد الصلح أنه توصل إلى جميع ما وجب له في التركة بعد اطلاعه بذكره على رسم المفاصلة الواقعة بين عمر ومحاجيره الذي من جملتهم المتوفاة المذكورة، وموافقته عليه أتم موافقة. فجوابه أن هذه الدعوى ضعيفة جدا أو ساقطة، لا توجب على المبتاع يمينا من هذه الجهة أعفى جهة الجهل بالمقدار، لأن قوله قد توصل إلى جميع حقه الواجب له في التركة إلى آخره كالنص منه على معرفة جميع ما أبرزته له الفريضة مما اشتملت عليه وثيقة القسم من الأصول الربع والعقار ودعوى التلفيف من الموثق في مثل هذا محال عادة.
ففي أجوبة ابن رشد رحمه الله من نصه:
وسئل رحمه الله عن رجل باع أملاكا، انجرت له بالوارثة وهو غائب عنها ويعلم أنه لم يدخلها قط ولا عرف قدرها ولا مبلغها حين باعها وقد انعقد عليه عقد بالبيع وقبض الثمن، وانعقد عليه في العقد أنه يعرف قدرها ومبلغها وأشهد عليه بذلك على حسب ما يكتب في وثيقة الابتياع وكل من في الموضع الذي فيه الأملاك المبيعة يشهد أنه لم يدخلها قط ولا يعرف قدرها ولا مبلغها ولا يحوزها لا قبل الابتياع ولا بعده، فأراد أن يقوم على المبتاع فيها بفسخ البيع لأنه باعها ببخس من الثمن هل له ذلك أم لا؟
فأجاب رحمه الله إذا انعقد عليه العقد بما ذكرت فلا يلتفت إلى دعواه ويجوز عليه البيع، ولا يكون له قيام فيه انتهى.
فإن قلت: لا متمسك لكم في نازلة الأجوبة ولا دليل على عدم اليمين في جانب عمر المدعي عليه، لأن ابن رشد قد سكت عن حكم اليمين في جوابه. وأنتم قد صرحتم بسقوطها وسقتم ما في الأجوبة مساق الدليل. والساكت لا قول له، فيكون استدلالكم بجواب الأجوبة باطلا.
قلت: قول الإمام القاضي أبي الوليد بن رشد رحمه الله: لا يلتفت إلى دعواه نفى السبب الموجب لليمين جملة ونفيه نفي للمسبب. ونفي
[556/6]
473/7] فيتخرج ذلك على هذا الخلاف. وثانيهما الأرث, لأنه لا ميراث مع الدين إجماعا فلا يورث عنهم شيء وما تركوه من المماليك لا ينفذ عتق الوارث فيهم, بل هم اموال بيت المال مستحقون بسبب ما عليهم من الدين, فلا ينعقد فيهم الأعتق المتولي بيت المال عل الوجه الشرعي واعتقابهم لغير مصلحة المسلمين لا يجوز, فإن وقفوا وقفا على جهة البر والمصالح العامة, ونسبوه لأنفسهم بناء على أن المال الذي في بيت المال لهم, كما يعتقده جهلة الملوك بطل الوقف, بل لا يصح إلا أن يوقفوا معتقدين أن المال للمسلمين, والوقف للمسلمين, اما إن المال لهم, والوقف لهم فلا, كمن وقف مال غيره على أنه له فلا يصح الوقف, فكذلك ها هنا. انتهى.
وسئل ابن عتاب عن مسجد يحتاج لإصلاح أو يحتاج دوره لذلك, ويستغرق الإصلاح قبالة العام أو الأعوام, ولا يجد الإمام من أين يأخذ أجرة, ثم تعود قبالة المسجد إلى حالها فيريد الإمام أخذ أجرته منها لما مضى من الأعوام.
فأجاب: ليس له أن يؤم إلا بأجرته ولا كلام له في ذلك.
[من التزم مع الجماعة أداء أجرة الإمام لزمته]
وسئل ابن الحاج عن قوم استأجروا إماما للصلاة على كل من تجب عليه, فقال أربعة رجال منهم: لا نعطي شيئا لأنا نجيء عشيا ونسرح غدوا.
فأجاب إذا التزموا الأجرة مع الناس لزمهم ما لزم جيرانهم, وكذلك إن كان لهم عرف بذلك, وإن لم يكن لهم عرف بذلك ولا التزام فلا تلزمهم, لأن شهود الصلاة في الجماعة سنة, وينبغي أن تلزم أجرة الجمعة من أباها, لأن شهود الجمعة فرض
[لا يصل الإمام بقوم وهم له كارهون]
وسئل أبو أحمد بن عبد الله عن غمام اختلف عليه الجيران وكره بعضهم اللاة وراءه.
[
وأجاب محمد بن حارث: ذكرت أيدك الله في كتابك أن هذه القائمة في حين قيامها متزوجة في غير ولاية، وأنها أنكرت البيع، فلما ثبت البيع عليها أتت بما يجب به انحلال بيعها، ومثل هذا لا يقبل منها ولا من غيرها لأنه أعدل على نفسها من شهودها لها. وإلى ذلك فإنه قد أثبت القائم عندك أن بيعها كان في حال حاجة وسداد من الثمن. وإذا كان بيعها في وقت كان ينبغي للحاكم أن يبيع عليها فالبيع جائز ولا سيما أنها أقرت عندك الآن أن الثمن بقي في يدها حتى جعلته في ثياب دخلت بها على زوجها. وهذه وجوه ظاهرة وأقواها وأكبرها إنكارها البيع ثم قيامها بما يحل البيع. هذا ما عندي والله أسأل لك التوفيق.
وأجاب أصبغ بن سعيد بمثل ذلك. وفي قوله إن البكر عندنا غير نافذ
[473/9] فعلها، فإذا فعلت وتزوجت ودخل بها زوجها لزمها ما فعلت ما لم تكن في ولاية. ولا أبالي أدخلته في مصالح أمرها أم لم تدخله. وكذلك لو نظر لها في ذلك رجل من المسلمين أو أمها مما رفع إلى السلطان أمضاه.
وأجاب ابن زرب: إذا ثبت عندك بكورة البائعة في حين بيعها إلى نحو أربعة أشهر من قيامها عندم فبيعها غير نافذ عليها، إلا أن يثبت عندك مع ثبوت الفاقة والسداد أنها أدخلت ذلك في مصالحها وانتفعت به في حين بيعها، فبهذا تتم الشهادة في بيع البكر، وهكذا الرواية فيه، وبالله التوفيق.
وسئل زرب عن مولى عليه ابتاع أمة فحملت منه وهو في ولاية أبيه.
وقد قيل إن لمن نكل منهم حظه من الدين بيمين من حلف أن ما شهد به الشاهد حق ، وذلك نحو ما روي على مالك رحمه الله في الحبس المعقب يشهد به شاهد واحد أنه يحلف الجل من أهل الحبس أو الواحد منهم على اختلاف الرواية في ذلك فيستحق الحبس لنفسه ولجميع أهله ولمن يأتي منهم بيمينه مع الشاهد، ويأتي على طرد قياس هذا القول في مسألتنا إن البنت تستحق حقها لأن نكلت عن اليمين إذا بلغت بحلف أمها مع الشاهد، إذ قد أحقت بينيمنها المال للمتوفى، وهذا يدل على سقوط الاختلاف في يمين الأم مرة أخرى، لأنه يبعد أن يقال !ن الأم لا تجزئها يمينها الأولى فيما صار إليها من حظ ابنتها، على أن من أهل العلم من يرى أنها تجزىء ابنتها . وبالله التوفيق .
وسئل عمن مات وترك ديونا ومالا يفي بها ويفضل ، فقام بعض ورثته فباع من بعض رباعه نصيبه منها لو لم يكن دين وانعقد البيع على ذلك النصيب المعلوم له من الربع ، مثل أن يكون له النصف فأشهد أنه باع نصيبه من الدار وهو النصف ، وذلك قبل إخراج الدين . هل يجوز هذا البيع ؟ وهل [458/10] يجوز أن يبيع بعض الورثة لنفسه وثم دين أو يبيع وحده للدين ؟ بين لنا ذلك مأجورا .
فأجاب : تصفحت أعزك الله بطاعته سؤالك هذا ووقفت عليه . وإن سلم له سائر الورثة بيع نصيبه من الدار من بقية التركة جاز ذلك على مذهب ابن القاسم ، وروايته عن مالك خلاف رواية أشهب عنه في أن البيع لا يجوز على حال . وقول ابن القاسم وروايته أظهر عندي ، إذ قد اختلفت في فساد البيع إذا طابقه النهي على علمك ، وليس هذا بمطابق للنهي حقيقة فيه أقوال ، والله حسبي ونعم الوكيل .
[إقرار المديان ببعض ديون غرمائه في مجلس القاضي]