ومنها إيقاد الشمع بجبل عرفة ليلة الثامن ، ذكره النووي أنه من البدع القبيحة ، وأنه ضلالة فاحشة جمع فيها أنواع من القبائح ، منها إضاعة المال في غير وجهه ، ومنها إظهار شعائر المجوس ، ومنها اختلاط الرجال والنساء والشمع بينهم ووجوهم بارزة ، ومنها تقديم دخول عرفة قبل وقته المشروع .
ومنها إيقاد الشمع ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم وسابعه ، وما في ذلك من أنواع المفاسد . وقد تصدى لتغيير ذلك وشدة النكير فيه شيخ شيوخنا
[472 /2]
الشيخ المحصل العالم أبو عبد الله سيدي محمد بن مرزوق ، برد الله ضجيعته ، وأسكنه جنته ، فانقطعت تلك المفاسد من تلمسان طول حياته رحمه الله ، ثم عادت بموته رحمه الله بل زادت .
ومنها الاجتماع عشية عرفه في المسجد للدعاء تشبها بأهل عرفة .
ومنها تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم يشرع لها تخصيصا كتخصيص اليوم الفلاني بكذا وكذا من الركعات ، أو بصدقة كذا وكذا ، والليلة الفلانية بقيام كذا وكذا ركعة ، أو بختم القرآن فيها ، وما أشبه ذلك ، فإن ذلك التخصيص والعمل به إذا لم يكن بحكم الوفاق أو بقصد يقصد مثله أهل الفضل كالفراغ والنشاط كان تشريعا زائدا .
ومنها الذكر الجهري أمام الجنازة ، فإن السنة في اتباع الجنازة الصمت والتفكر والاعتبار ، وهو فعل السلف ، واتباعهم سنة ومخالفتهم بدعة . وقد قال مالك : لن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها .
ومنها الدعاء بالصوامع كما يفعله المؤذنون اليوم بالأسحار ، وكذلك إنشاد القصائد بها ، إذ لم يكن ذلك في زمن السلف المقتدى بهم .
الحمد لله تعالى وحده. سيدي أبقي الله سيادتكم، وحرص بمنه مجادتكم، الرغبة من كمالكم، وباهي جلالكم، أن تنظروا في تصديق الزوج محمد بن علي المذكور في الرسم فرقة زوجه أم العز المذكورة معه حيث أشير في دعوي المغيب والمنقضي من الأجل، هل يفيد الزوج مطلقا، أنعني علم صدقها فيما ادعت من المغيب والمنقضي من أجله أو علم كذبها أو جهل، فيمضي ما أوقعته على زوجها محمد المذكور بصفته ولا كلام له؟ أو إنما يفيدها إذا انبهم الأمر ولم يدر صدقها فيما ادعت من كذبها؟ وأما لو قامت بينة مرضية العدالة مقبولة الشهادة بنقيض ما زعمت فلا يفيدها التصديق فائدة معتبرة في ايقاع ما أوقعته من الطلاق عليه، لو قامت لمحمد المذكور بينة عادلة بأن خروجه عن زوجته المذكورة ومبدأ مغيبه عنها إنما كان في أوائل ذي حجة الحرام متم عام تسعة وثمانين القريب فروطه، وايابه إليها إنما كان في أوائل جمادي الأولي من عام تسعين الذي نحن فيه. وفيه أوقعت ما أوقعت من الطلاق المرسوم فوقه. فجملة مغيبة عنها خمسة أشهر وأيام قلائل، وهل يبطل هذا الطلاق لتخلف شرطه الذي هو مضي ستة أشهر أو لا؟ بينوا لنا ولكن الأجر الجزيل، والله سبحانه يبقيكم، والسلام عليكن ورحمة الله تعالى وبركاته.
ونص الجواب عنه لفقيه فاس ومفتيها أبي مهدي عيس الماواسي.
الحمد لله تعالى وحده دائما. الجواب والله سبحانه الموفق للصواب بمنه أن تصديق الزوج زوجته فيما تدعيه من غيبته، وأمد تلك الغيبة التي صدقت فيها لا يمنع من إقامة الزوج البينة على كذبها فيما ادعته ولا يكون تصديقه لها
[485/4]
[486/4]
554/6]
المعاوضة الواقعة في العقار مسامحة من الكاتب وتقصير، إلا على تعريف عياض وهو غير سالم من الاعتراض.
واستدلال الفقيه الذي أشرتم إليه بقول علي من رواية سفيان بن عيينة في نقل ابن الماجشون استدلال صحيح، وإن كان مذهب صحابي. وفيه للأئمة ما علمتم، لأنه إذا قال به في الصلح المنعقد على محظور أو مكروه، فلأن يقوله فيما لم يتضح وفيه علة من علل الفساد كهذه النازلة أولى وأحرى. فإن قلت: إن صح الصلح بتعذر إقامة البينة على بقاء العين بيد الوصي عمر المذكور، من الوجود المذكورة في الرسوم المتقدمة إلى حين الصلح، فلا يصح من جهة الكالئ الذهبي، فإنه وإن لم يجر له ذكر في الرسوم المذكورة، فالعادة باطراد بقائه على ظاهر الزوج وفي ذمته إلى موت أو فراق، فيكون عقد الصلح قد أتى عليه وعلى غيره فيكون فاسدا لعلة التفاضل المشار إليها آنفا، فلا تقوم لعمر الوصي مع محمد المذكور من هذه الجهة قائمة.
قلت: الكالئ لم يجر فيه من السائل محمد كلام ولا كان المجيب يعلم الغيب فيرتب عليه الجواب. ولو سلم بقاؤه في ذمة الزوج وإدخاله في عقد المفاصلة، ولم يدع عمر على محمد وجها صحيحا وغرضا صريحا يسقط به لكان حكمه مستفادا من قولنا قبل هذا: ولو شهدت بينة بأصالة قبض عمر لحظ الهالكة إلى آخره. وذلك كاف في الباب، عند أهل البصائر والألباب.
وليكن هذا آخر ما تقيد من الفقه والتفقه على فصول سؤالكم الأول، وجوابه الذي تناقضت فيه الدعاوي، وتصادمت في مضمون حكمه الأجوبة والفتاوي.
وأما ما يتعلق بالفصل الأول من فصول سؤالكم الثاني الذي أردفتم عليه بعد تقرير الأول وجوابه انعطفتم وهو دعوى البائع الجهل بقدر المبيع،
[555/6]
472/7] من الفوائد التي قل أن توجد في غيره ونصه: وقع في البيان والتحصيل لأبي الوليد بن رشد من أصحابنا ما ظاهره أن للإمام أن يوقف وقفا عل جهة من الجهات, ووقع للشافعية مثل ذلك. ومقتضى ذلك إن أوقافهم أعني الملوك والخلفاء, إذا وقعت على وجه الصصحة والأوضاع الشرعية لمصالح المسلمين, أنها تنفد ولا يجوز لأحد أن يناول شيئا منها إلا من قام بشرط الواقف, ولا يجوز للإمام أن يطلق ذلك الوقف بعد ذلك لمن لم يقم بذلك الشرط, فقد صار ذلك الشرط لازما للناس والإمام كسائر الأوقاف, ولا يجوز للإمام تحويله عن تلك الجهة وإطلاقه لمن لم يقم بتلك الوظيفة, فإن وقفوا على أولادهم أو جهات أقاربهم وحرصهم على حوز الدنيا لهم ولذراريهم واتباعا لغير الأوضاع الشرعية لم ينفد هذا الوقف, وحرم عل من وقف عليه تناوله لهذا الوقف, وللإمام انتزاعه وصرفه له, أو لغيره على حسب ما تقتضيه مصالح المسلمين.
وأما الوقف الأول فهو باطل, ومن تناول منه شيئا فهذا الوقف كان للإمام أخذه منه, ولأه وقف هذه الجهة على جهة أخر على الوضاع الشرعية, ولو صح الوقف بمصادفته للأوضاع الشرعية لم يكن للإمام تحويله.
فإن قلت: فإن وقف عل ولده بعض أراضي المسلمين وقراهم أو على واحد من أقاربه واشترى ذلك من ماله الذي اكتسبه في زمن مملكته هل يصح ذلك الوقف أم لا؟
قلت: الملوك فقراء مدينون بحسب ما جنوا على المسلمين من تصرفاتهم في أموال بيت المال بالهوى في ابنية الدور العالية, والمراكب النفيسة, والأطعمة الطيبة, وإعطاء الأصدقاء من الأموال وغير ذلك من التصرفات المنهي عنها شرعا, فهذه ديون كلها عليهم, فتكثر مع تطاول الأيام فيتعذر بسببها أمران: أحدهما الأوقاف والتبرعات على مذهب مالك ومن وافقه, فإن تبرعات الديون المتأخرة على تقدير الدين عليه باطلة,
[
وأجاب عبدالصمد بن أبي الفتح: جواب الفقيهين أكرمهما الله صحيح، وبه يقول عبدالصمد بن أبي الفتح وبالله تعالى التوفيق.
[تعتبر البكر الصغيرة لا يجوز بيعها إلا إذا خرجت إلى حد التعنيس]
وسئل ابن أبي زيد عن بكر غير مولى عليها باعت حصة من أرض وشجر
[472/9] مع إخوتها بسداد من الثمن، وكانت في حالة حاجة وفاقة، فلما تزوجت طلبت الرجوع فيما باعت وأنكرت البيع وثبت عليها.
فأجاب: إذا ثبت أن بيعها ذلك مع إخوتها كان لحاجة وفاقة ولما لا غنى لها عنه، وأن ذلك البيع بيع سداد ونظر لا غبن فيه عليها فالبيع تام ويجب الإعذار لها في شهادة من شهد عليها بالبيع إذا أنكرته فإن أتت بمدفع نظرت فيه.
[اختلف في حد التعنيس أهو 30 أو 40 سنة]
وأجاب عبدالرحمن بن بقي بن مخلد: البكورة كالصغر إلا أن تكون البكر تخرج إلى حد التعنيس فيجوز بيعها. وحد التعنيس مختلف فيه، فمن أهل العلم من يراه أربعين عاما، وهو المعمول به، ومنهم من يقول بالثلاثين ونحوها. ورأيت فيما أثبته المبتاع أن المبتاع أن البائعة كانت في حين البيع بحال حاجة وفاقة، وأن الثمن في المبيع سداد، ولم يذكر من شهد له أن الثمن دخل في مصالح البائعة ولا في سدادها وفاقتها، ولا تتم الشهادة عندي في معناها إلا بهذا. وذكرت أن البائعة في حين قيامها متزوجة ولم تذكر الأمد الذي كان بين بيعها وبين بناء زوجها بها، ولم أر للمبتاع في ذلك حجة أدلى بها. والنظر عندى لا يتم إلا بظهور ما ذكرته وبالله التوفيق.
وكذلك المتبايعان يختلفان في ثمن السلعة فيقول البائع بعتها بمائة ويقول المشتري اشتريتها بثمانين ، يحلف البائع لقد باعها بمائة ولا يستحق بيمينه المائة ، لأنه في العشرين منها مدع على المبتاع ، يحلف المبتاع ويسقطها عن نفسه بيمينه ، فإن نكل عن اليمين استحق البائع المائة كلها بيمينه الأولى، ولم يجب عليها أن يحلف ثانية إن رجع الحق إليه بنكول المبتاع . ومثل هذا كثير، ولا يوجد في شيء من المسائل أن أحدا يحلف مرتين على شيء واحد، ولا يقوم من الاختلاف الذي ذكرت في حصة من نكل من الغرماء عن اليمين مع الشاهد هل ترجع على من حلف منهم [457/10] أو لا ترجع إليهم الاختلاف في تكرار اليمين على الزوجة فيما ورثته من ذلك عن ابنتها، إذ لا يقول من يوجب لمن حلف من الغرماء حظ من نكل منهم عن اليمين أنهم يحلفون ثانية وحينئذ يستحقون ذلك ، والعلة عند من قال إنه لا يجب لهم حظ من نكل عن اليمين منهم أن أيمانهم إنما وقعت على ما يجب لهم من ذلك ، إذ لو كانت العلة عندهم في ذلك هذا لقالوا إنهم يحلفون ثانية ويستحقون أنصبائهم ، وذلك مالا يصح أن يقال . وإنما قال من قال إن الحالفين يستحقون حصص الناكلين عن اليمين لأنه رأى أنهم بنكولهم عن اليمين قد رضوا بترك محاصصتهم فى ذلك الدين ، وقال من قال إن حصص الناكلين لا ترجع إلى الحالفين من أجل أن الورثة لما نكلوا عن اليمين مع الشاهد صار الحق في ذلك للغرماء، فمن حلف منهم استحق ، ومن نكل عن اليمين رجعت اليمين في حظه على الغريم الذي عليه الدين ، فحلف على تكذيب الشاهد وبطل ذلك عنه .