443/1] الشق الذي هو محل القلب إلى جهة البيت ليكون إقرب موافقة لقوله تعالى أفئدة من الناس تهوي إليهم. فقلت له: إن الطبيعين وأهل التشريح أطبقوا على أن محل القلب الحقيقي هو الوسط لا الجهة اليسرى ولا اليمنى, نعم وضع رأسه مائلا ذات اليمين قليلا وإبرته مائلا ذات اليسار قليلا. ثم وقفت المسألة فأنهيتها إلى الفقيه العارف الطبيب أبي عبد الله الشقوري فقال لي: ما قلت للأستاذ حق, إلا أني أقول الحكمة في ذلك وجهان:
أحدهما أن جهة اليمين أقوى من جهة اليسار, وذلك مشاهد, والطواف سير دوري, ولا شك أن أبعد الجهات إلى المركز الذي هو جهة البيت أقوى حركة من الجهة التي هي أقرب إليه, فجعل الشق الأيمن الأقوى إلى الحيز الذي الحركة فيه أقوى, والشق الأيسر الأضعف إلى الحيز الذي الحركة فيه أضعف ليتعادلا.
الوجه الثاني إن جهة اليسار من القلب هي محل الروح ومنبعه, ومنه ينبعث في الشريان الأعظم المسمى بالأبهر إلى جميع الجسد, ولذلك تجد حركة النبض في الجهة اليسرى, والروح أشرف ما في الجسد, فجعل ذلك الشق مواجها للبيت الشريف ليكون الإقبال على بيت الله بما هو أشرف.
[يمر الشامي بميقات أهل المدينة ولا يحرم منه]
وسئل القاضي أبو عبد الله المقري رحمه الله قال, كنت جالسا ببيت المقدس عند القاضي شمس الدين بن سالم فسألني بعض الطلبة بمحضره فقال: إنكم معشر المالكية تبيحون للشامي يمر بالمدينة أن يتعدى ميقاتها إلى الجحفة, وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن عين المواقيت لأهل الآفاق" هو لهن ولمن مر عليهن من غير أهلهن. وهذا قد مر على ذي الحليفة وليس من أهلى فيكون له.
فأجاب بأن قال: قلت له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من غير أهلهن أي من غير أهل المواقيت, وهذا سلب كلي, لأنه من بعض
[
ولما رد ولد بن الصقر على الخطيب في خطبته وكذبه حين فاه باسم المهدي وعصمته أراد المرتضى من ذرية عبد المؤمن وهو إذ ذاك خليفة أن يسجنه على قوله ، فأبى الأشياخ والوزراء من فرقة الموحدين قتله ، فغلبوا على أمره وقتلوه خوفا أن يقول ذلك غيره فتختل عليهم القاعدة التي بنوا دينهم عليها .
ومنها ذكر الصحابة والخلفاء والسلاطين في الخطبة .
قال عز الدين : ذكرهم في الخطبة بدعة غير محبوبة ، وإنما يذكر فيها الثناء والدعاء والترغيب والترهيب وتلاوة القرآن . والأولى أن يقتصر في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما صح في الحديث ولا يزيد عليها ذكر الصحابة ولا غيرهم . وعن أصبغ : لا بأس أن يصلي على الملائكة ، وأما الدعاء للخلفاء فبدعة ولا تعمل ، وأحسنه الدعاء للمسلمين كافة ، ولا بأس بتخصيص الغزاة والمرابطين عند الحاجة ، وأكره الدوام على ذلك .
ووقع في زمن ابن عرفة أن خطيبا ترك ذكر بعض الصحابة في خطبته مستدلا بكلام عز الدين بن عبد السلام فنسب إلى الرفض ، وسئل عنه ابن عرفة فقال : هي بدعة مستحسنة ، والأفضل أن يذكرهم ويضيف إليهم بعض ما كانوا عليه من سيرهم من نصرته عليه السلام وبذل أنفسهم في الدين وغير ذلك من شمائلهم . ولا نص في المسألة إلا ما تقدم .
وفي الطحاوي لابن عبد النور : سئل السيوري عن ذكر السلاطين في الخطب بالدعاء هل يبطلها ؟ فقال : أما ذكر السلاطين بالدعاء وغيره فليس يبطلها أو يمنع وجوبها أو يسقط فرضا ، وما علمت خلافا بين أصحابنا الذين أذكر قولهم لطبقتهم في حياتهم ولا بعد وفاتهم . انتهى . وظاهر قول ابن العربي رأيت زهاد بغداد إذا أقبل الخطيب على أهل الدنيا صرفوا أنفسهم عن السماع أنها لا تبطل الخطبة ولا الصلاة . ومثل هذا ما نقل ابن يونس حين ذكر خطبة موسى بن نصير بالقيروان ، فقيل له لم
[470 /2]
وسئل ابن الفخار عن امرأة توفي عنها زوجها فاعتدت أربعة أشهر
[480/4]
[481/4]
وعشرا، ثم لبثت شهرا ثم نكحت فدخل بها زوجها فولدت بعد شهرين من عقد نكاحها معه.
فأجاب بأن قال: أعلم أن الولد لا حق للزوج الأول ما بينه وبين خمسة أعوام إذا ولدته عند الزوج الآخر لأقل من ستة أشهر من عقد نكاحها، ويفسخ نكاحه بغير طلاق ولا يتناكحان أبدا، لأنه تزوج في عدة، ويكون للمرأة عليه صداقها المسمي عاجله وآجله إلى أجله أن لم تكن غرت من حملها. وأن كانت غرت من حملها رجع عليها الزوج بالصداق وترك لها منه قدر ما تستحل به، وذلك ربع دينار أو ثلاثة دراهم. وقد قيل إنها لا تصدق أنها لم تعلم بالحمل لأنه شيء تجده في بطنها، وإنما تعذر في خطأ العدة إذا كانت العدة بالشهور دون الحمل.
[إذا احتال المطلق بإخراج المرأة من داره فإنها ترجع لتعتد بها]
وسئل عن رجل رحل مع زوجته من داره إلى دار إلى دار أخرى فسكن معها نصف شهر ونحو هذا هم طلقها ثم رجع إلى داره الأولي، أين تعتد هذه المرأة في الدار الأولي أم في الدار الثانية؟ وكيف إن تحيل الزوج فتشاجر معها وأخرجها من هذه الدار إلى الدار الثانية ثم طلقها ولم يعرف هذا التحيل ولكن قد داخلت الناس دواخل؟ هل ترد المرأة إلى الدار الأولي؟ وكم قدر ما يسكن الزوج الدار الثانية فتبعد التهمة عنه؟ هل الشهر والشهران بعيد أم لا؟
فأجاب: لا بد لها من الرجوع إلى الدار الأولي ويخرج الزوج منها حتى تعتد فيها المرأة أن شاء الله انتهي.
قلت: ولم يجب رحمة الله على قدر السكني المبعد للتهمة في الدار الثانية وحده في وثائق ابن كوثر بالشهر أو نحوه، ثم إن طلق استمرت على عدتها في الموضع الذي أخرجها أليه وسكن معها فيه وإن طلقها في دارها وجب عليه الكراء لقول الله تعالى ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم﴾ (¬1) انتهي.
[481/4]
[482/4]
[إذا امتنعت المطلقة من الخروج من دار مطلقها بعد انقضاء العدة بدعوى الحمل]
لابنته عليه دين فجهزها ثم مات، فقالت: هو من ماله وقال الورثة: من دينك أن القول قول الورثة. فتدبره وأمعن النظر فيه. فإن ظاهر الدلالة لما قلناه. وأما باعتبار ثبوت ذكره في رسم الهبة فلأنه خبر لم يتضمنه معرفة الشهود فلا يثبت بثبوت وثيقتها، إلا أن يزيده الشهود عند شهادتهم أو يشهد بذلك غيرهم على ما تقرر عند علماء التوثيق.
فإذا وقفت على هذا التحقيق، وأحطت علما بما للفقهاء في المسألة وأئمة التوثيق، علمت قطعا براءة المفتين مما نسب إليهما الموافق الأول من وصفي الهوس والتخليط، والتحامل على الأحكام الشرعية والتسليط، وعرفت منه أيضا أن قول الفقيه العالم المفتي أبي العباس: فإذا تقرر هذا ظهر أن الصلح المسئول عنه إلى آخر ما ذكر من النتائج الواهية الأساس، على خلاف الأصل والقياس.
ثم يلزم على طرده أن لو اختلف المتبايعان في الصحة والفساد، ثم رجع مدعي الفساد إلى تصديق مدعي الصحة أن لا تسقط اليمين عن مدعي الصحة، وأن لا تنقلب بنكوله، لانتفاء ثمرته وفائدته. وهي النكول. والجميع باطل، فيبطل ما قاله قطعا.
ويلزم عليه أيضا من قال لمطلقته بعد العدة كنت راجعتك قبلها. وصدقته ثم نزعا أو أحدهما أن لا تحل للأزواج بطلاق مبتدا. وهو خلاف ما عليه حذاق القرويين.
ويلزم عليه أيضا أن المرأة إذا ادعت أن زوجها طلقها ثلاثا فأكذبها ثم خالعها، ثم أرادت مراجعته وأكذبت نفسها أن لا يقبل رجوعها. والمنصوص خلافه.
ويلزم عليه أيضا أن لو شهد رجلان على رجل يعتق عبده، فردت شهادتهما، ثم ابتاعه أحدهما أن يعتق عليه ون أكذب نفسه لحق الحق سبحانه. وهو خلاف ما عن أشهب في المدونة.
[551/6]
ويلزم عليه أيضا أن العبد إذا زعم أنه حر، وادعى رقه رجل ثم أقر بالقرق للذي ادعى رقه وهو مجهول الأصل أنه لا يجوز إقراره بالرق لمن أقر له به، ولا يلزمه، ولا يجوز عليه طردا لذلك الاعتلال، وفساد الاستدلال. وهو خلاف ما أجمع عليه بقرطبة: ابن لبابة وأصحابه.
فأجاب: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا ووقفت عليه. ونقض ما بنى في الروضات لصاحبه, لا يلحق بالحبس باتفاق, ولا يدخل فيه الاختلاف في نقض ما بني من الحبس للمعنى الذي ذكرت من الفرق بين الموضعين فإنه صحيح, وبالله تعالى التوفيق.
[هدم القبب والروضات المبنية في المقابر واجب]
وسئل عما ابتدع من بناء السقائف والقبب والروضات على مقابر الموتى, وخولفت فيه السنة, فقام بعض من بيده أمر فهدمها وغيرها وحط سقفها وما علا من حيطانها إلى حد جدورها, هل يلزم أن يترك من جداراتها ما يدفع دخول الدواب فيها أم لا؟ قطعا للذريعة, ولا يترك منها إلا ما أباحه أهل العلم من الجدار اليسير ليتميز به قبور الأهلي والعشائر للدفن, وكيف إن قال بعضهم لبقاء جداري منفعة لصيانة ميتي لئلا يتطرق إليه بالحدث عليه, لاسيما ما كان منها بقرب العمران؟ وهل هذا عذر يوجب أن يترك عليها من الجدرات أقل ما يمنع هذا أم لا ؟ لأن الضرر العام بظهور البدعة في بنائها وتعليتها أعظم وأشد, مع أنه لا يؤمن من استتار أهل الشر والفساد فيها في بعض الأحيان, وذلك أضر بالحي والميت من الحدث عليه, ومراعاة أشد الضررين وأخفهما مشروع. بينه وجاوب عليه مأجورا إن شاء الله.
فأجاب: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا ووقفت عليه. وما بني من السقائف والقبب والروضات في مقابر المسلمين هدمها واجب, ولا يجب أن يترك من حيطانها إلا قدر ما يمتاز به الرجل قبور قرابته وعشيرته من قبور سواه لئلا يأتي من يردي الدفن في ذلك الموضع فينبش قبور أوليائه, والحد في ذلك ما يمكن دخوله من كل ناحية ولا يفتقر فيه إلى باب, وبالله التوفيق.
[469/7] وسئل عن نقص ما هدم من هذه الأبنية المذكورة فوق هذا, هل يكون لعامة المسلمين, إذ بناها بانيها في الحبس وبمعناه, وقد علمت ما وقع في هذا الأصل من الخلاف أم ترجع إلى ملك احبها؟ وهذا الأشبه والصحيح, إن شاء الله تعالى.
وسئل ابن سهل عن مال يتيم كان أبوه قد دفعه قراضا إلى رجل، ثم مات وأوصى بابنه إلى ذلك المقارض وغيره، ثم عزل وقدم مكانه غيره بعد أن
[468/9] استعفى الثاني فأعفي، فطالب المقدم المعزول بذلك المال. ونزلت بقرطبة وكان الناظر فيها ابن أدهم.
فأجاب: يا سيدي ووليي، قد نص مالك وأصحابه في غير موضوع من أمهات كتبنا أن العامل في القراض أمين مصدق في ضياعه وتلفه، والخسارة فيه وفي صرفه إلى ربه إن كان قبضه بغير بينة مع يمينه على ذلك إن كان متهما، إلا في صرفه إلى ربه فإنه يحلف وإن كان غير متهم. وقد روي عن مالك أنه يحلف في دعوى الضياع وإن كان أمينا ثقة غير متهم، وهو كالوديعة في هذه الوجوه. وقد قال مالك إنه يصدق إذا ادعى أنه أنفق من مال نفسه في سفره مائة درهم ليرجع بها في القراض، وله ذلك وإن لم يكن له في المال ربح. وإذا كان الأمر فيه عندهم على هذا فالعامل مصدق مع يمينه في مقطع الحق على ما زعم من الوضيعة في تجارته بهذا المال وأنه ما خان اليتيم في شيء منه، ويبرأ من ذلك الناقص من رأس المال إذا لم يشهد عليه بما يوقن به أنه اختار هذا الناقص ولم يوضع فيه. ولو كانت الشهادة متظاهرة قاطعة بأنه لم يوضع أحد في صناعته ومتجره ذلك بمثل تلك الوضيعة التي ادعى هو أنه وضع فيه لوجب الغرم عليه، هكذا ذكره بعض الشيوخ. وينبغى أن لا يحلف اليمين المذكورة إلا بعد الإعذار إلى محمد بن العافية الذي كان ناظرا لليتيم معه فيما أثبته من النفقات والدفع عندك لئلا ينكره ابن عافية فيها أو في بعضها، فربما تكررت اليمين عليه في ذلك مرة أخرى، أو يأتي محمد بن عافية بما يجب عليه به الغرم. وإذا حلف أحمد العامل هذه اليمين واقتضاها طالبه جعفر وثبت ذلك عندك سجلت بجميعه سجلا يكون على نسخ ليكون بيد الحالف منه نسخة وبيد الطالب أخرى سوى التي تكون في الديوان، إن شاء الله تعالى.
فأجاب : تصفحت سؤالك هذا ووقفت عليه . ومسألتك هذه تدور على اختلاف من أهل العلم وتنازع عند أهل الرأي ، وقد ذكر ابن لبابة ونحا إليه ابن أبي زمنين أن الإعذار فيما شهد فيه لا يكون إلا بعد العقلة ، وهو ظاهر أكثر الأمهات . وقد استدل بعض رواة المدونة من قول سحنون ، وقد حكاه عن غيره فيها، قال : وإنما توقف هذه الأشياء لأنها تحول وتزول ، فاستدل بهذا القول علي أن مالا يحول ولا يزول لا يوقف . وقد حكى محمد بن أحمد ابن عبد الله في مسألتك هذه أيضا أن لا عقلة تلزم الدار إذا ثبت للمرأة الشراء كما ذكرت ، وهو عندي أعدل وأحسن إن شاء الله .
وسئل أيضا غيره عن هذه المسالة وقيل له تأمل - وفقك الله - السؤال الواقع فوق هذا وما جاوب به هذا المفتي عليه ، فإن فقهاء مكانه خالفوه فيه وذكروا أن ما ذكر من أنه ظاهر أكثر الأمهات وهم جرى عليه وإنما الخلاف في مسألة غير هذه ، واتفقوا على أن لا عقلة تلزم هذه الدار، وإنما الخلاف في أن توقف عن التفويت أولا توقف ، فراجعنا ما عندك تؤجر إن شاء الله .