442/1] يزيد في ذلك يقينا أن الذين أدركنا من مشايخنا ومشايخهم ومشايخ مشايخهم, والكل من كبار العلماء وأهل العلية في الذين, ومن كان في أزمنتهم من كبار الأولياء المقطوع بولايتهم لاشتهار كراماتهم وعلو مقاماتهم, وكان كثير منهم لم يحج مع توفر شرائط وجوب الحج في حقهم ما عدا الطريق السابلة, فهل يليق بمقامهم من العلم والدين أن يكون الحج واجبا عليهم ويتركوه عامدين؟ فإن كان ذلك لم يكونوا صالحين, ولكانوا عاصين فاسقين, ولكانت الولاية مجانة في حقهم. هذا وزمانهم كان أصلح من وقتنا, وحالهم في كل شيء أفضل من حالنا, فهذا أعظم دليل على أن فساد الطريق, واقع على التحقيق, وأن أكثر من يحج اليوم المتفردون الذين لا يحملون زادا ولا راحلة, ليس لهم شيء من المال, وإنما يتعيشون بالسؤال, فأؤلئك مخفون لا يخافون شيئا. ومع ما قررناه وقلنا من سقوط الوجوب فالجواز لم يرتفع, ولمن وجد نية لحمله على ارتكاب الأخطار, والتقلب في الأطوار بقضاء الأوطار, فسمحت(¬1) له بالوصول إلى تلك الديار الأقدار, فإنه إذا بلغ موضعا ترفع فيه الموانع والأعذار, صار من أهل الوجوب فأمر به, وقضى ما قسم له من أربه. هذا الذي عندي بينته لكم على ما ترونه لتعلمونه (كذا) والله تعالى ولي التوفيق والارشاد لنا ولكم بمنه, والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. وكتب عبد النور بن محمد العمراني لطف الله به.
[سبب جعل البيت في الطواف عن اليسار]
وسئل الشيخ الصالح المجاور أبو العباس أحمد بن محمد بن مرزوق رحمه الله من قبل ولده الخطيب الراوية المحدث الرحال السيد أبي عبد الله بما نصه: سألت أبي رحمه الله ونحن نطوف بالبيت الحرام زاده الله تشريفا فقلت له: لم كان البيت يجعل الطواف إلى جهة اليسار, ولم يجعل إلى جهة اليمن وهي أشرف؟
فأجاب بأن قال سريعا: يا بني إن القلب على جهة اليسار, فجعل
[
أبو إسحاق الشاطبي : بدعة إلتزام الدعاء بإثر الصلوات دائما على الهيئة الاجتماعية بلغت ببعض أصحابنا إلى أن كان الترك لها موجبا للقتل عنده . حكى القاضي أبو الخطاب بن خليل حكاية عن أبي عبد الله بن مجاهد العابد أن رجلا من عظماء الدولة وأهل الوجاهة فيها كان موصوفا بشدة السطوة وبسط اليد ، كان نزل في جوار ابن مجاهد وصلى خلفه في مسجده الذي كان يؤم فيه ، وكان لا يدعو في أخريات الصلوات تصميما في ذلك على المذهب ، يعني مذهب مالك ، لأنه مكروه في مذهبه ، وكان ابن مجاهد محافظا عليه ، فكره ذلك الرجل منه ترك الدعاء وأمره أن يدعو ، فأبى وبقي على عادته في تركه في أعقاب الصلوات . فلما كان في بعض الليالي صلى ذلك الرجل المعتمة في المسجد ، فلما انقضت وخرج ذلك الرجل إلى داره قال لمن حضره من أهل المسجد : قد قلت لهذا الرجل يدعو بعد الصلوات فأبى ، فإذا كان في غدوة غد أضرب رقبته بهذا السيف . وأشار إلى سيف في يده ، فخافوا على ابن مجاهد من قوله لما علموا ، فرجعت الجماعة بجملتها إلى دار ابن مجاهد ، فخرج إليهم وقال : ما شأنكم ؟ فقالوا : والله لقد خفنا عليك من هذا الرجل ، وقد اشتد الآن غضبه عليك لتركك الدعاء . فقال لهم : لا أخرج عن عادتي . أخبروه بالقصة ، فقال لهم وهو مبتسم : انصرفوا ولا تخافوا ، فهو الذي تضرب رقبته غدوة غد
[469 /2]
بذلك السيف بحول الله . ودخل داره وانصرفت الجماعة على ذعر من قول ذلك الرجل ، فلما كان مع الصبح من الغد وصل إلى دار الرجل قوم من صنفه مع عبيد المخزن وحملوه حمل المغضوب عليه ، فتبعه قوم من أهل المسجد ومن علم حال البارحة ، حتى وصلوا وصلوا به إلى دار الإمارة بباب جوهر من إشبيلية ، وهنالك ضربت رقبته بسيفه ذلك تحقيقا للإجابة وإثباتا للكرامة .
فأجاب: أما ما ذكرتم من اختيارات الشيوخ فيمن عقد في استبراء من زنى، فقد اختار شيخنا أبو علي ناصر الدين ما اختاره ابن القاسم... في التأييد في الحامل دون الحائل، واختار شيخنا أحمد بن عيسى عدم التأييد مطلقا، والذي تعتمدون عليه إن أردتهم الاحتياط توضحون الخلاف لمن سألكم وتحذرونه، فإن أراد الاحتياط فليجنب، وإن أراد الترخص فليقدم، فهذه طريقة الشيخ سيدي عمران المشدالي لا يختار شيئا. وإن أردتم أن تختاروا قولا معينا فلكم فيمن سلف أسوة والله أعلم.
وأجاب غيره من فقهاء بلدنا بما نصه: المقرر في الفقه أن ما لا يختلف في فساده من الأنكحة لا يلحق المطلق ما أوقع فيه من الطلاق قبل العثور عليه وإنابته إلى الله من ذلك، سواء بنى بها أو لم يبن. وأما من بنى على امرأة قبل استبرائه إياها من مائه الفاسد كالمسترسل على الزنى بامرأة إلى وقت عقده عليها، قال ابن القاسم في المدونة: لا تحرم عليه بعد اليوم سواء كانت حاملا أو حائلا، وقال أيضا إن كانت حاملا حرمت عليه أبدا. وقال المتيطي في المسترسل من زنى أو غصب لا يجوز العقد عليها في مذهب مالك، وإن عقد عليها ومسها فيه فروى مطرف عن مالك أنها تحرم عليه كالنكاح في العدة، وقال ابن الماجشون وأصبغ لا تحرم عليه. وبه قال ابن القاسم أيضا، فالمسألة ذات خلاف، وقد اختلف اختيارات الشيوخ في ذلك.
[امرأة نكحت في العدة فأتت بولد لخمسة أشهر وبآخر لشهرين]
وسئل ابن رعفة رحمه الله عمن نكحت ودخلت في العدة قبل حيضة فأتت بولد لخمسة أشهر ثم بولد آخر لشهرين.
فأجاب لما نزلت بتونس بأن الولد الأول للأول والثاني للثاني. قيل له هذا مشكل بما في لعانها وغيره، قال نعم وقد كان الشيوخ يستشكلونه بما ذكر، ولكن الفرق بينهما أن ما في اللعان الواحد متحد وهنا متعدد، فيصدق على الولد الثاني في نازلتنا أنها وضعته لأكثر من ستة أشهر فيكون للثاني.
فإن قلت إن انتظم لكم هذا وصح في حظها من العين في الوصية لكونه لا تعلق له بذمته عمر بل بأمانته، فلا ينتظم لكم فيما درك لها عليه من العين في المقاسمة، ولا يصح لتعلقه بذمته، لأن ذمة عمر قد عمرت بيقين، فلا تبرأ إلا بيقين. ولا يقين ببراءة ذمته من جهة إخباره عنها فقط باستنفاذه أو صرفه في بعض الوجوه المذكورة، بل يكون رهينا فيه حتى يقيم البينة على ما يزعم من ذلك. قلت لا يشترط في براءة ذمته مما عمرت به من دين محجورة أن لا يكون إلا بقيام البينة على أنه أدخله في مصالح محجورته من النفقة وغيرها، بل كما يكون بالبينة على ما ذكر يكون بغيرها.وهو دعواه أنه صرفه في ذلك، ولا يكون أسوأ حال ممن تسلف ما تحت يده من العين المودعة عنده، ثم ادعى تلفها بعد ردها بزعمه على المشهور من تصديقه وإبرائه(¬1) وهو مذهب مالك وابن القاسم في المدونة. وبه قال أشهب وأصبغ وابن عبد الحكم في الموازية، بل هنا أحرى لكون المودع ممنوعا من الإقدام على التسلف ابتداء على المشهور في المذهب. فإذا صدق في الإخراج من الذمة إلى الأمانة في مسألة الوديعة مع المنع من التصرف وجلان اليد، كان أحرى وأولى أن يصدق في هذه النازلة، مع ما للوصي من كمال التصرف والله أعلم.
وفي كتاب الوديعة من المدونة إشارة لطيفة إلى مثل هذا المأخذ أيضا وهو قوله: ومن أخذ من رجل مالا فقال الدافع: إنما قضيتك من دينك الذي لك علي، أو رددته إليك من القراض الذي عندي. وقال الآخر: أو دعتنيه فضاع مني صدق الدافع مع يمينه. انتهى فأخذ بعض المشارق منه أن لو كان
[550/6]
467/7] وفقك الله في ذلك؟ والفندقان مبنيان على سوار قائمة, واكلب خارجة, كيف يتصور النظر فيهما وهما لاينقسمان؟ والمرأة هل لها شفعة فيما ذكرت أم لا؟ وهل يجوز فيهما وهما على ما وصف, وقد اعترضه, والمحبس قد قال غلته ما بقيت الدنيا للموضع المحبس عليه أفتنا بالواجب في ذلك.
فأجاب: تصفحت السؤال ووقفت عليه. وإذا كان الأمر على ما ذكرته, وثبت على حسب ما وصفته, فالواجب أن يفسخ فيما ابتاعه المحبس من أخيه وأمه من القاعة, التي من المبيع المذكور, لأنه بيع فاسد من أجل الوظيف فيهما للحبس من الفندقين المذكورين, وهو البناء كله, وحصته من القاعة التي من المبيع المذكور إن حمل ذلك ثلثه, يكري الفندقان جملة, ويقبض الكراء في كل عام على قيمة البنيان قائما على حالته التي هو عليها يوم التقويم وعلى السبعين ذراعا من القاعة التي من المبيع المذكور حسبما تضمنه عقد التوظيف, وعلى سائرها التي لبيت مال المسلمين, فما ناب البنيان من ذلك وحصة المحبس من القاعة التي من المبيع كان للثغر بالتحبيس, وما ناب منه حصص سائر الورثة منها كان لهم على قدر مواريثهم, وما ناب منه سائر القاعة كان لبيت مال المسلمين, وليس للناظر في ذلك للمسلمين أخذ ما يقابل بقية القاعة من البنيان لفواته بالحبس, وتثبت بعضه ببعض. وبالله تعالى التوفيق.
[أنقاض القبب المبنية على المقابر لصاحبها, ولا تلحق بالحبس]
وسئل عن نقض ما بني في الروضات وقبب المقابر إذا تهدمت هل يكون حكمها حكم ما يبنى في الحبس على الخلاف المذكور؟ أم هو بخلافه وتبقى على ملك صاحبها؟ لأنه وإن وضع الحبس فهو حبس ممنوع في الشرع غير مأذون فيه, لكراهة البنيان عليها فحكمه كمن حبس حبسا لا
[468/7] يوجبه الشرع, فإنه مردود منتقض باق على ملك صاحبه؟ والله أعلم والسلام على شيخي ومعظمي ورحمة الله تعالى وبركاته.
467/9] اليتيم أو ابتاع لنفسه فالبيع مفسوخ إلا أن يثبت السداد فيه، وإذا باع من أجنبي حمل على السداد حتى يثبت غيره. قال واستحسن إذا اشترى من مال يتيمه أنه إن كان سدادا وقت عقده البيع نفذ، وهو قول سحنون. ابن سهل: وابن القاسم يقول يعاد إلى السوق، وهو يحتمل وجهين: أن يعاد إلى السوق بحدثان شرائه، وأن يعاد في السوق متى عثر عليه، وقال فيما باعه السفيه قبل أن يضرب على يديه: الذي أراه أن يفتى به في بلدنا هذا بأن يرد فعله، لأن الحكم أمير المؤمنين، رحمه الله، استحسن هذا المذهب وحمل الناس عليه وسجل القاضي محمد بن السليم، رحمه الله به. فمن هذه الجهة رأيت أن يفتى بهذا المذهب لأن إمام البلد حمل أهل بلده عليه وتقدم إليهم فيه وسجل به قاضيهم، فهو أمر حمل عليه أهل هذه البلد. قيل له إن الذي حملهم على ذلك قد مات، يعنون الحكم، فقال: وإن كان قد مات فقد حملهم عليه وهو حي، فيجب أن ينفذ ذلك. وكان ابن عتاب، رحمه الله، لا يرى ما ذكره ابن زرب من الأخذ برد أفعاله لأمر الحكم أمير المؤمنين بالعمل به. وكذك في وثائق ابن العطار أن العمل كان عندهم بقول مالك واصحابه في جواز أفعاله قبل أن يولى عليه إلى أن أمر الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين رضي الله عنه بعد صدر من خلافته محمد بن السليم، وهو قاضي الجماعة بقرطبة يومئذ، أن يحمل الناس على قول مطرف وابن القاسم في فسخ فعل السفيه الذي لو يول عليه وأن يقضى به، فمضت الفتيا بذلك في خلافته وترك قول مالك ومن تابعه من أصحابه.
وسئل ابن عتاب وكتب إليه بها ابن سهل من بياسة، في سفيهة صغيرة باعت ملكها ثم نكحت وأقامت مع الزوج عشرة أعوام، ثم قامت تطلب نقض بيعها.
فأجاب لا يسقط قيامها لمرور الأعوام التي ذكرت، لا سيما إن كان لها عذر يعلمن ولا يسقط عنها حقها إلا الأمر البين.
فأجاب : إقرار محمد بكتاب السلف يغني عن إثباته ، إذ الشهود فيه إنما يشهدون على إشهاده علن نفسه بما فيه عنده ، وذلك لا زم له وواجب عليه . وليست تعمل شهادة الشهود الذين شهدوا له أن فعله إنما كان على وجه الوصية شيئا، بل يجب أن لا يسمع منهم فيها. ولو جاز مثل هذا ما صحت وثيقة بشراء ولا بدين لا حد، وليس كان يؤمن أن يسترعى كل ما يلزمه الإشهاد على حق له ببينة أن إشهاده لوجه غير الوجه الذي أشهد به على نفيسه . ولا تضر الشهادة بإيقافه عليها بتسلف الإنسان ممن هو في عوله ، وبالله التوفيق .
وأجاب ابن زرب : تحلف فاطمة أن إشهاد عمها بالدين لم يكن إلا على ما وقع به إشهاده على نفسه لا على معنى الوصية ، إذ قد ظهرت شبهة من مقالته لها ومما شهد له به ، فإذا حلفت أعديت عليه بالدين ، ولها رد اليمين إن أحبت إن شاء الله .
[استظهار امرأة بعقد ابتياع دار من زوجها المتوفى المدين]
وسئل بعضهم عن رجل توفي وعليه ديون لأقوام شتى، فأثبت أحدهم لهذا المتوفى ساكنة، فاستظهرت المرأة بعقد ابتياعها للدار المذكورة من زوجها، وأثبتته بواجب الثبت ، وتاريخه قبل تاريخ بعض الديون ، فأخذ أهل [454/10] الدين نسخة عقدها ليعذروا فيه ، واعترضوا في ذلك بأنه لم يتضمن معرفة شهدائه لقبض المال وأنه توليج وطلب أن تخلى لهم الدار إلى أن ينقضي الإعذار، فهل يجب اعتقالها وإخراج الزوجة منها وقد ثبتت ملكا لها وسكناها معه فيها إلى حين هذا القيام ؟