فاستحسن اللخمي هذه النادرة من جهة طريق التصوف لا من جهة طريق الفقه. والضابط في هذا ما قدمناه. قيل وبالجملة إن من هانت عليه نفسه في طلب مرضاة الله وترك الدنيا وزخرفها وتخيل ما يحصل له في حضرة الله وميزان رحمته وإحسانه, فلا يبالي أي حالة جاء. ومن حصل له ذوق يرى ذلك ويعرف. فالله أسأل أن يرزقنا من ذلك النصيب الوافر الذي تقربه أعيننا, وتتلذذ به من طاعة الله وعظيم غفرانه بمنه وكرمه.(¬1)
[لا يجب الحج إذا كان الطريق مخوفا]
وسئل اللخمي عمن أراد الحركة إلى الحج, وطريق البر في هذا الوقت متعذر, فأراد ركوب البحر فخوف أيضا من ركوبه وقيل له أن الغالب عليه الغرور والخوف من الروم والتغرير بما يتقى على المراكب وأنت معذور في ذلك. فهل يسوغ في مذهبك ركوب البحر على ما يخشى؟ وهل يلزم الرجل
[435/1] في هذه الأوقات المبادرة بالحج أو التراخي لأحوال القطاع في الطريق؟ وهل هو مأثوم إن تراخى وأدركه الموت قبل أن يحج وهو واجد لم يمنعه إلا خوف البر وركوب البحر على الغرر؟ وقد ذكر لنا عن بعض الشيوخ الفقهاء المتقدمين أنه رأى أن فرض الحج قد سقط ولا يأثم من تأخر في هذه الأحوال, فبين لنا مذهبك في ذلك.
فأجاب الطريق اليوم من أسكندرية وما بعد ذلك على مكة على صفة لا يلزم معها فرض الحج ولا يأثم من تأخر لهذه الأحوال.
ومنها الاجتماع للذكر والدعاء يوم عرفة أو غيره من المواسم . وقد وقع التداول والتناوب فيه في مصلى العيد في القيروان بمحضر الشيخين أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي عمران الفاسي فما أنكراه ، بل سئلا عنه فاستحسناه .
ومنها الدعاء بعد المكتوبة على الصورة المعهودة .
ومنها قول الرجل للآخر في العيد : تقبل الله منا ومنك ، وغفر لي ولك ، وشبهه من الكلام .
ومنها تزويق المساجد . واستنبط الفقهاء رضوان الله عليهم من حديث الخميصة كراهية كل ما يشغل عن الصلاة من الأصباغ والنقوش والصنائع المستظرفة ، فإن الحكم يعم بعموم علته ، والعلة الاشتغال عن الصلاة . ابن مرزوق في شرح العمدة : ووقعت هذه المسألة بمجلس أمير المسلمين ، يعني أبا الحسن تغمده الله برحمته ، في المسجد الجامع الذي أنشأه بالعباد بمحل ضريح شيخ العارفين والمريدين أبي مدين شعيب بن الحسن رضي الله تعالى عنه بظاهر تلمسان المحروسة ، إذ لونت قبلته وذهبت واحتفل فيها الاحتفال المناسب لتلك البنية ، أرجو له أن يكتبها الله في ديوان قبوله ، وأن يبلغه من حلوله بأعلى الدرجات غاية مأموله .
فأفتى الفقيهان الإمامان أبو زيد وأبو موسى ابنا الإمام رحمة اله عليهما ومن حضر من أئمة المغرب بزواله ، وأبيت لهم من ذلك . وكان إنشاء تلك البنية بما اشتملت عليه على يد العم تاصالح أبي عبد الله رحمه الله وعلى
[462 /2]
وسئل سيدي عمر القلشاني عن قول ابن عبد السلام أيضا على قول ابن الحاجب في التداخل: وكالمتزوج زوجة البائن ثم يطلقها بعد البناء الخ، يعني ويستغني بالعدة من الطلاق الثاني أو بعدة الموت عن عدة الطلاق الأول من يتزوج مطلقة بطلاق بائن أو رجعي وانقضت عدتها ثم يدخل بها ثم يطلقها أو يموت عنها بعد الدخول أو قبله، فإنها تستأنف العدة وتستغني بها عن العدة الأولى، أشكل علي يا سيدي إدخال الرجعية المنقضية العدة في هذا الحكم، فإن قصد ابن الحاجب تمثيل من طرأ عليها موجب عدة أو استبراء قبل تمام العدة والاستبراء المتلبسة هي به. والرجل متحد والفعل سائغ، وحكم على من هذه صفته بانهذام الأولى واستئناف ما تمني من أهله، ومثله بمثالين، ثانيهما هو قوله وكالمتزوج زوجة البائن أي قبل انقضاء عدتها والله أعلم ليتطابق الفرق ويصبح الحكم عليها بقوله انهذمت الأولى. وأما الرجعية المنقضية العدة فكيف تطابق ذلك أو يقال فيها إنهذمت عدتها الأولى؟
فأجاب بما نصه: أما تفسير عبد السلام لكلام ابن الحاجب فلتعلم أنه
[471/4]
[472/4]
أعمل فيه مقتضى لفظه من طرف، وغفل عن طرف أو الغاه، وما خفه أن يلغيه. وبيان ذلك أنه نظر إلى لفظ البائن في كلامه فوجده محلي بالألف واللام، وهو من صيغ العموم عند المحققين، ومنهم المؤلف. وإذا ثبت ذلك وجب حمله على عمومه فتندرج فيه الصورة المنتقد على الشيخ إدخالها في نفس لفظ المؤلف، وهذ العام وإن كان واردا على سبب فالصحيح عمومه وعدم قصره على سبب، هذا مما يمكن أن يكون الشيخ لاحظه من اللفظ. وأما ما أغفله منه فما أدخله المؤلف من كاف التشبيه المقتضية كون ما دخلت عليه مثالا لما تقدم ذكره من الضابط. ومن المعلوم أن التمثيل لا يتم إلا فيمن شرعت في عدة ولما تنقض، وأما من نقضت عدتها فلا تنطبق عليها المثال المذكور بوجه.
من العين أكثر مما يجب له في التركة منها. وأيضا منها في ذمة الموصي من دين التركة إن ثبت فهو قاض بالفساد على كل حال، كما هو منصوص عليه في المدونة وغيرها والله أعلم. انتهى.
وتقيد بعقبه ما نصه: الحمد لله ما أجاب به الفقيه المشارك، المحقق الضابط فوق هذا. هو طريق أئمة الفتوى المحققين، الذي حفظوا الشريعة المحمدية من هوس المخلطين فجزاه الله عن استفراغ وسعه في ذلك أفضل الجزاء، إذ لم يبق لقائل في ذلك مقالا سوى اقتفاء أثره، والاستضاءة بنور شمسه وقمره، فيجب على كل من بسطت يده إن وقف عليه يقوم بحق الله فيه، لما فيه من أوجه الفساد الربوية، التي يجب تغيير المنكر فيها، وردها إلى مقتضى الشريعة المشرفة زادها الله شرفا. قال ذلك كله صادعا بالحق: عبيد الله محمد بن عبد الله التونسي(¬1).
وتحته ما نصه الحمد لله وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله ما تضمنه الجواب المكتتب أعلاه من نقل وفهم كله صحيح ظاهر. لتحصنه بسرد النصوص المحققة من توجه الانتقاد إليه من مطابقتها لنازلة السؤال. فوجب التعويل من تنفيذ الحكم الشرعي عليه.
قال ذلك كله وكتبه بخط يده: عبيد الله بن يوسف السنوسي.
[كتاب تنبيه الطالب على توجيه صحة الصلح المنعقد بين ابن صعد والحباك]
[تأليف الونشريسي صاحب المعيار]
وكتب إلى صاحب النازلة: صاحبنا الفقيه أبو عبد الله محمد بن صعد المذكور في سنة ثلاث وثمانين(¬2) يسألني السؤال وجواب الفقيه أبي العباس بن زكري المقيد من قبل هذا. وأن أكتب بعقبهما ما أقامه الله عندي من الجواب.
[542/6]
فأجاب: لا يجوز له أن ينبشها وينقلها عن موضعها, ولا يحل له ذلك لأن حرمتها ميتة كرحمتها حية, فلا يحل له أن يكشفها ويطلع عليها وينظر إليها, ولو كان غذ محرم منها لما ساغ له ذلك فيها بعد هذه المدة, إذا لا شك في تغييرها.
[من حبس أرضا للدفن وحيزت, ثم بنى فيها حماما]
وسئل أيضارحمه الله عن رجل حبس أرضا له لدفن موت المسلمين, ثم بنى بعد هذه في قطعة منها حماما. هل يجوز له ذلك أم لا؟ ونص السؤال والجواب, سيدي رضي الله عنك في رجل حبس أرضا له عل موتى المسلمين, فحيزت الأرض واحترمت بحرمة الأحباس, وإقامته مدة من ثلاثين عاما يدفن فيها الموتى, ثم إن المحبس المذكور تعدى على ناحية الأرض المحبسة كانت منحدرة لا يمكن فيها الدفن إلا بعد تسهيلها فبنى فيها حماما لنفسه, فقال له بعض الناس عند بنائه كيف تبني في أرض محبسة؟ فقال: أنا أشهدكم أني إذا أكملت الحمام فقد أعطيت ثمنه للجامع فكمل الحمام واستغله مدة من عشرة أعوام أو نحوها, ولم يعط للجامع منه شيئا, فما يكون الحكم أدام الله توفيقك- في الحمام- هل يهدم أو يترك على حاله؟ وإن ترك على حاله, فلمن يكون؟ وما وجه الحكم فيما استغل في الأعوام السابقة؟ بين لنا ذلك مأجورا مشكورا.
فأجاب: إذا كان الأمر على ما وصفت وثبت ذلك كله ببينة عدلة لا مدفع فيها لباني الحمام وجب أن يهدم ويعاد موضعه مقبرة على ما سبل عليه, ويكون ثمن غلته في العشرة الأعوام للجامع فيما يحتاج إليه وبالله التوفيق.
[
ومنها إذا أراد أن يوكل غيره هل له ذلك أم لا؟ إلى غير ذلك من المسائل. ابن عبدالسلام وإنما ذكرنا هذه المسألة لأن كثيرا من أهل الزمان ينكر أن يكون ما قلنا هو المشهور انظره عند قوله في الحجر وولي الصبي أبوه، وانظر الطرر وابن سهل تقف على توجيه القولين. وقد حكى المتيطي في كتاب الوصايا قولين في توكيل مقدم القاضي. وانظر ترجمة وصي الوصي بما أوصى إليه من الطرر وابن سهل والطرة الأولى من ترجمة إنكاح الوصي من قبل القاضي ففيها توجيه حسن أيضا، وانظر شروح المدونة حيث قال وأقام القاضي له خليفة كان كالوصي في جميع أموره فهي من النفائس.
[اختلاف فقهاء سبتة وفاس في مسألة تقديم القاضي على المحجورين]
وقد اختلف فيها قديما طلبة سبتة وفاس وذلك ان قاضي سبتة الفقيه أبا عبدالله محمد ابن عبدالله بن عبدالمهيمن بن محمد الحضرمي انعقد عليه في التسجيل ما نصه: لما ثبت عند الشيخ الفقيه الأجل القاضي الأفضل الأعدل الأكمل أبي عبدالله محمد بن الشيخ الفقيه الأجل الأفضل المكرم المرحوم أبي محمد عبدالمهيمن ابن الشيخ الفقيه الأجل القاضي الأفضل الأعدل الأكمل أبي عبدالله الحضرمي قاضي سبتة وجهاتها وفقه الله وسدده وحرسها رسم الاسترعاء المقيد أعلى هذا بموجب أثبت فيه وسئل منه وفقه الله النظر للإخوة الأشقاء أحمد ورحمونة وفاطمة المذكورين في الرسم المذكور، اقتضى نظره وفقه الله أن قدم عليهم أمهم خوخة ابنة محمد بن الهنا المذكورة فيه للنظر لهم والقيام بمصالحهم وكافة شؤونهم تقديما تاما أقامها به لهم مقام الوصي التام والنظر والإيصاء حاشا تفويت أصل أو ما يؤدي إليه فإنه لم يجعل لها إلى ذلك سبيلا إلا عن إذنه أو إذن من
[
وسئل عن رجل أشهد على نفسه أن قبله وفي مال وذمته لفلان عددا من الذهب المرابطية من معاملة صحيحة جائزة بفوضة جرت بينهما ، عرف قدرها وأحاط علما ومعرفة بها ،والعدد المسمى مؤخر عنه إلى أمد كذا ، وأقر فلان المذكور أنه قادر على أداء الثمن وأضعافه وغير عنه ، وأنه ملي ومتى ادعى ضعفا أو عجزا أو عدما فدعواه باطلة ، وبيناته زور ساقطة الشهادة . تأمل وفقك الله ما نص فوق هذا ، فإن المشهد على نفسه لما حل أمد هذا الدين الذي أشهد به على نفسه ، ومبلغ هذا الأمد من نحو تسعة أشهر ، استظهر بعقد أنه عديم وأن ماله من الأحباس محبسة على بينة من قبل أمد هذا الدين . _ وفقك الله _ هل ينتفع بعدم ؟ وكيف وجه العمل في ذلك ؟ مأجورا إن شاء الله .