وأفتى ابن حمدين في رجل قادر على الحج بجسمه وماله انه إن كان من الأندلس أو قطر مجاور لها وهو قادر على الجهاد أنه آكد عليه من الحج, والنفقة فيه أفضل.
وسئل المازري عن سقوط فرض الحج في هذا الزمان.
فأجاب هذا السؤال لا يخفى جوابه, ولا يمكن لمحصل أن يطلق القول فيه, ولكن الذي لا يخفى أن الحاج متى وجد السبيل ولم يخف واجبات على نفسه وماله أن يفتن في دينه وأن يقع في منكرات أو اسقاط واجبات من صلوات أو غيرها, فإنه لا يسقط وجوب عنه. وإن كان يخاف على نفسه الهلاك او لا يصل على ذلك إلا ببذل الكثير من ماله لظلمه في الطريق والغرامة
[434/1] تجحف بماله وتضربه ضررا شديدا, فإن الحج ساقط في هذه الحال على ما نص عليه أصحابنا. وإن كان أيضا يقع في ترك الصلوات حتى تخرج أوقاتها أو يأتي ببدل في وقتها ولم يوقعه في ذلك إلا السفر للحج, فإن هذا السفر لا يجوز, وقد سقط عنه فرض الحج. وإن كان إنما يرى منكرات ويسمعها, فهذا باب واسع يفتقر فيه إلى معرفة تمييز عين المنكر, ووجه التخلص منه والكلام عليه عموما لا يحسن, إذ يمكن التفضيل. هذا هو التحقيق في هذه المسألة وتفاوض فيها الحاضرون وتنازعوا في ذلك وأكثروا القول والتنازع, فقائل لا يسقط الفرض, وآخر يوجبه, وتوقف آخرون, فإذا في أخريات الناس الواعظ أبو الطيب رحمه الله وكنا ما أبصرناه, فأدخل رأسه في الحلقة وخاطب اللخمي, وقال يا مولاي:
إن كان سفك دمي أقصى مرادكم ... فما غلت نظرة منكم بسفك دم
فهذه الطائفة التي خالفت ما عليه أهل السنة يلزمهم الكفر من وجوه : أحدها أنهم يكفروه أهل الإسلام ولا يأكلون ذبائحهم ولا يصلون خلفهم . وقد قال القاضي أبو بكر : من كفرنا كفرناه . فهم كفار على ما قاله . ثانيها أنهم يفضلون مهديهم ابن تومرت على أبي بكر وعمر ، وقد انعقد الإجماع من المسلمين على أن أفضل الناس بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ، ثم تعارضت الظنون في عثمان وعلي رضي الله عنهما . فهؤلاء خرقوا الإجماع ، ومن خرق الإجماع فهو كافر ، يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل . ثالثها أنهم ينكرون الصفات فيما حكي عنهم . رابعها تحريفهم الأحاديث الواردة في المهدي وقلبوها على ابن تومرت . وقد كان ورد فيهم ظهير من السلطان رحمه الله في مدة الترجالي أن يبحث عن أمرهم ، فاجتمع الناس عليهم في مسجد السيناتي وبحثوا فلم يوجد عندهم شيء من العلم ، واتفق الناس حينئذ على أنهم قوم جهلة وأنهم يستتابون ، فإن تابوا وإلا قتلوا . وكنت أنا حاضرا لذلك ، فتابوا وانصرفوا ، وما أفلتهم من القتل حينئذ إلا توبتهم على يد سيدي أبي عبد الله بن عطية رحمه الله تعالى ، فإذا ظهر عليهم بعد ذلك وأنهم لم يزالوا على بدعتهم يخاف عليهم ألا تقبل لهم توبة ويقتلون من غير استتابة ، لأنهم يصيرون حينئذ بمنزلة الزنديق الذي لا تقبل له توبة لكونه يخفي حاله ، فكذلك هؤلاء . وأنا أؤكد على من والاهم في النصيحة لهم أن ينصحهم قي الرجوع عما هم عليه ، لأنهم إن ظهر عليهم ورفع حالهم يخاف أن يؤمر عليهم
[461 /2]
بالقتل والله سبحانه يصلح حال الجميع بمنه وكرمه . وكتب محمد بن عبد المؤمن لطف الله به . انتهى .
فصل أذكر فيه المستحسن من البدع وغيره
منها إقامة التراويح جماعة في رمضان .
ومنها تحصير المساجد بدلا من تحصيبها .
ومنها قراءة الحزب فيها .
وينظر فيها من يوم الموت لا من يوم تمام العدة، وباب التضمين. منها مورود.
ونظيره عند المحققين ﴿ولا تسأموا أن تكتبوه﴾ في تعلق ﴿إلى أجله﴾ بتكتبوه، وأنه لا يصح على ظاهره، لأن ما قبل الغاية لا بد وأن يتكرر إليها، ولما كان تكتبوه في معنى تثبتوه أو تلزموه. والإلزام ثابت مقرر إلى أجل، وكذا توقتوه لأن التوقيت كذلك. وكذلك قول صلى الله لعيه وسلم ولا ينفع ذا الجد منك الجد. والتحقيق أن من لا بمعنى بدل على أصلها. ولما كان النفع قد
[470/4]
[471/4]
يكون لإسداء أو دفع فيضمن ينفع أو يدفع أو يعظم أو نحو ذلك وإما تعلقه بعلقه بالشراء فبعيد قاصر لا معنى له كما أشرتم إليه، وإن كان كلام ابن عبد السلام ظاهرا في تعلقه به. وما ذكرتم من تعلق مع بتحل الأول فغير ظاهر، ولابد من ذكر لفظة معها، وإلا احتل نظام الحكم رأسا، وعنه احترز المصنف بذكر معها، إذ لو لا هي لاقتضى حليتها بحيضة وإن كانت في يوم الوفاة فحذفه مخل مفسد، ولا طريق من حيث اللفظ ولا بدلالة من سائر الدلالات يوجب اعتراض ما هو جزء ماهيته. نعم لو كان عوضها بعدها لأوهم، وحينئذ يتأول على بعد اعتبارها. ومن نحو ما قلتم أنه يوهم زيادة عدة الوفاة على جميع ما تحل به الأمة احترز بقوله من يوم الموت أي يعتبر كذلك من حين الموت، ولا شك أن زمن العدة بعض زمن الاستبراء إذا تأخر الحيض والله أعلم.
[تداخل عدتي الطلاق والوفاة]
ظاهر الحكم. واعتبر ابن القاسم الأولين فقط، ومالك يعتبر الوجوه الثلاثة. واعتبر أصبغ وجها واحدا، وهو اتفاق المصطلحين على دعوى الفساد. فإذا تقرر هذا ظهر أن الصلح المسؤول عنه فاسد، فيجب فسخه لما تضمنته الرسوم الثلاثة المشار إليها في السؤال.
أما الأول، فلأن المدعي وهو الموهوب له النصيب الموروث قد ادعى فيه العين.
وأما الثاني فلتضمنه أن التركة مشتملة على العين، فيكون النصيب المنجر منها بالوصية مشتملة على العين قطعا، وهو موروث فنصيب الزوج منه، الموهوب قد اشتمل على العين حين وقوع الصلح الموصوف.
وأما الثالث وهو رسم الهبة فقد وقع التنصيص فيه على هبة العين، فالعين في النصيب الموهوب من جملة دعوى المدعي فيه بعد حصول القسم المذكور في الحلي وما ذكر معه. فما ادعاه المدعي من بقاء بعض المتروك صادق على العين التي هي بعض الموهوب حسبما هو في عقد الهبة. وكذا رسم الدين إن ثبت، فيكون النصيب المملوك منه بالهبة مشتملا على عين محققة. فقد اشتمل النصيب الموروث الموهوب على علين وغيرها والعين ذهب بمقتضى رسم الوصية، وقد أخذ عن ذلك كله ذبها على وجه الصلح، فهو فاسد لاستلزامه بيع ذهب بذهب معهما غيرهما. وهو عين ربي الفضل في الذهب المحرم بإجماع فتعين فسخه ولو لم يكن فيه إلا مراعاة دعوى المدعي للعين لكان وصفا كافيا في الفسخ على المشهور. وأما إن أراد المدعي بالعين ما هو محقق بتقدير رسم الدين، وما هو موصى به، فيكون فساد الصلح المذكور، بنص الكتاب في مسألة الزوجة مع الولد المذكورة في كتاب الصلح. فالمعول عليه في فسخ الصلح الموصوف تحقق وجود العين في النصيب الموهوب. فقد احتوى على العين وغيرها ووقعت المعاوضة عنه في الصلح بالعين، فإن كانت من مال الوصي المذكور فلا خفاء بوجه المنع، وإن كانت من التركة فكذلك إن كان ما أخذه الموهوب له
[541/6]
وقال غيره: المشي على المقابر- لمن كان له قبر- ضرورة, ويمر بالتحفظ من المشي عليها لئلا يهدمها, وللضرورة أحكام, ابن عرفة ولم يتعقب ابن سهل ذلك, وأفتى شيوخنا بعض أهل الخير بنى داره, فوجد في بقعة منها عظام آدمي- يكون محله حبسا لا ينتفع به ولا بهواه, فتركه وهواه براحا.
ابن الحاج في مدخله: اتفق العلماء- رحمهم الله- أن الموضع الذي دفن فيه المسلم وقف عليه ما دام منه شيء ما موجودا فيه حتى يفنى, فإذا فني حينئذ يدفن غيره فيه, فإن بقي شيء ما من عظام فالحرمة قائمة كجميعه, ولا يجوز أن يحفر عليه, ولا يدفن معه غيره, ولا يكشف عنه اتفاقا, إلا أن يكون موضع قبره قد غصب, وقد امتن الله بذلك في كتابه العزيز حين يقول: "ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا". فالستر في الحياة ستر العورات, وفي الممات ستر جيف الأجساد وتغير أحوالها, فكان البنيان في القبور سببا في خرق هذا الإجماع, وانتهاك حرمة موتى المسلمين في حفر قبورهم والكشف عنهم انتهى.
قلت: من هنا يعلم أن ما وقعت به الفتوى لمن بتلمسان فيما بلغني ستة وسبعين من جواز حفر القبور ونبشها لتأسيس سور أو برج خطأ راح, لا يحل العمل به, والمصير إلى مقتضاه, والله سبحانه أعلم.
[يحرم نبش قبر من دفن فوق غيره]
وسئل ابن رشد- رحمه الله- عن رجل دفن أربعة من الولد في مقبرة من مقابر المسلمين, فلما كان بعد عشرة أعوام من دفنه إياهم غاب الرجل
[458/7] عن البلد, فجاء الحفار فحفر على قبور أولئك الأطفال- قبرا لامرأة ودفنها فيه, ثم إن والد الأطفال جاء من سفره بعد دفن المرأة بثلاثين يوما, ولم يجد لقبور بنيه أثرا غير قبر المرأة, فأراد نبشها وتحويلها إلى موضع آخر ليقيم قبور بنيه على ما كانت عليه, هل له ذلك أم لا؟
فأجاب: ذهب القاضي محمد بن يبقى بن زرب إلى أنه لا ينظر عليه، وخالفه ابن عتاب وابن القطان في ذلك وقالا إنه ينظر عليه كما ينظر على أبيه، قالا: والقضاء عندنا بذلك.
وسئل عن صبي أحيل على رجل فادعى الرجل الدفع إليه وأنكر الصبي ولا بينة.
فأجاب: يحلف الرجل لقد دفع فإذا بلغ الصبي حلف وأخذ ولو نكل الرجل لوجب عليه الغرم وله أن يحلف الصبي عند بلوغه أنه لم يقبض مثل ما لو قام للصبي شاهد واحد بحق.
وسئل عن رجل أوصى إلى رجل ببينة فأراد الوصي بعد موت الموصي وبعد أن لزمه النظر لليتامى أن يتبرأ من ذلك الإيصاء إلى رجل آخر وينحل هو من الإيصاء، هل له ذلك أم لا؟
فأجاب: ليس له ذلك لأنه كما لزمه النظر فليس له الانحلال عنه إلا لعذر بين وله أن يوصي بما إليه من النظر إلى غيره عند حضور موته ولا يجوز ذلك لوكيل القاضي على النظر لليتيم أن يوكل بما جعل إليه أحدا غيره حيا أو مات ولا أن يوصي به إلى أحد، انتهى.
[460/9] ... [مسائل تتعلق بمقدم القاضي ووصي الوصي]
قلت: اختلف في مقدم القاضي هل هو وكيل للحاكم أو القاضي جبر له الخلل الكائن بترك الأب تقديم وصي لهذا الولد. وتظهر ثمرة الخلاف في مسائل.
منها إذا أراد هذا المقدم دفع المال للمحجور له بعد أن علم رشده، هل له ذلك دون أمر القاضي؟ أو لا بد في ذلك من أمر القاضي؟ والأول هو المشهور، وهو قول مالك على ما حكاه المازري.
قيل لمالك : أيؤخذ ذلك من ماله ؟ قال لا أرى ذلك . وذكرت هذه النازلة لأبي عبد الله بن عتاب فقال لي لست أذكر أنها جرت عندنا ، وينبغي أن لا تجوز كما قال ابن القاسم فبمن ابتاع سلعة بدنانير معينة غائبة يريد إن قبض السلعة ولم يشترط خلف الدنانير إن ضاعت على ما في كتاب الرواحل من المدونة ، وفي سماع عيسى : قال لي وليست مسألة العطاء من ذلك لأن العطاء كان مأمونا لا يخاف نواه في الأغلب .
وذكر ابن حبيب في كتابه عن أشهب قال : سئل مالك عمن باع رزقه الذي يخرج له بالجار سنتي(¬1)ن ثم مات فقام الغريم على الورثة في ذلك أن يكون له ذلك حالا عليه ، قال : ذلك كله عليهم حالا من مال الميت يعطونه قمحا مثل القمح الذي باعه من رزقه وعلى صفته ، وكذلك الذي يبيع عطاءه ثم يموت يؤخذ ذلك من ميراثه . وقال فضل : هذا يدل على أنه إن قطعه السلطان عنه ما باعه فعلى البائع أن يحضره بمثله عند الأجل . ابن سهل : وفي المدونة في كتاب البيوع الفاسدة أن نافع بن عمر كان يبتاع البيع ويشترط على صاحبه أن يقضيه إذا خرجت غلته أو إلى عطائه .
[رجوع البينة عن شهادتها قبل حكم الحاكم]
وسئل ابن الحاج عن رجل ادعى على رجل أن له قبل أبيه حقا وأقام على ذلك بينة بعد وفاة الأب ، فسأل المقام عليه الطالب أنظاره بذلك الحق إلى أجل يدفعه فيه إليه ، فأجابه إلى ذلك ، ثم إن البينة رجعت عن شهادتها قبل أن يحكم الحاكم بها ، هل ترى رجوعها يسقط من المقام عليه أم لا ؟
فأجاب : إن كان ابن المتوفى لم ينقذ عليه إقرار بالدين ولا تصديق البينة فرجوع البينة عن الشهادة مسقط للدين الذي يطلب به من قبل أبيه ، [445/10] وأكثر ما عليه اليمين أنه ما رغب في الأنظار بالدين والتأخير به إلا من أجل شهادة الشهود على أبيه له وأنه لا يعلم له قبل أبيه حقا .