فأجاب فرض الحج ساقط في زماننا هذا عن الأندلس لعم الاستطاعة. وهي القدرة على الوصول مع الأمن على النفس والمال. وإذا سقط الفرض صار نفلا مكروها للضرر, فبان أن الجهاد الذي لا تحصى فضائله أفضل, وهو أبين من ان يسأل عنه. وموضع السؤال فيمن حج الفريضة والسبيل مأمونة. هل الحج أفضل أو الجهاد؟ واختار الجهاد لما ورد فيه من الفضل العظيم. وأما من لم يحج وسبيله مأمونة فيتخرج على الفور أو على التراخي. وهذا ما لم يتعين فرض الجهاد, فإن تعين فهو أفضل من حجة الفريضة قولا واحدا.
وأما غير أهل الأندلس كالعدوتين, فإن خافوا على أنفسهم وأموالهم فهم كالأولين, وإن لم يخافوا فالجهاد عندي لهم أفضل من تعجيل الحج, إذ
[433/1] هو على التراخي على الصحيح مما تدل عليه مسائل المذهب. وهذا في غير من يقوم بفرض الجهاد, وأما من قام بفرضه من أجناد المسلمين فالجهاد واجب عليهم, إذ لا يجب تعجيل الحج عليهم. وقال ابن طلحة في المدخل: ولقد لقيت في بلاد المغرب وأنا قاصد الحج من المغرب ما اعتقدت معه أن الحج ساقط عن أهل المغرب بل حرام, لما يركبونه من المخاطرات.
[الحج ساقط عند تحقق أخطار الطريق]
وأجاب الأستاذ أبو بكر الطرطوسي بأنه حرام على أهل المغرب, فمن خاطر وحج فقد سقط فرضه, ولكنه آثم بما ارتكب من الغرر. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: والعجب ممن يقول أن الحج ساقط عن أهل المغرب وهو يسافر من قطر إلى قطر ويخرق البحار ويقطع المخارق في مقاصد دينية ودنيوية, والحال واحد في الخوف والأمن والحلال والحرام وإنفاق المال وإعطائه في في الطريق وغيره لمن لا يرضى. وفي نوازل الحج: أفتى أبو عمران وأبو بكر ابن عبد الرحمان بسقوط فرض الحج عن اهل الأندلس منذ زمان. فقال حسون وقد وجداه في الطريق: الغالب السلامة, وكان في سنة تسع عشرة(¬1). ويذكر عن عبد الحق مثله.
ويدلك على ذلك أن الملامسة هي الطلب قال الله تعالى : ﴿ وإنا لمسنا السماء فوجدناها ﴾ ، معناه : طلبناها فوجدناها . قال عليه السلام للذي طلب له أن يزوجه : « التمس خاتما من حديد » ، معناه : اطلب . فلا يقال لمن مس التذ إلا أن يكون لمسه ابتغاء معنى يطلبه من رداءة أو جودة أو صلابة أو رخاوة . ألا ترى أنه يقال تلامس الحجر ، أي لما كانت الإرادة والطلب
[460 /2]
مستحيلة عليهما ، فدل ذلك على أن المراد بذلك القصد إلى اللذة لا اللمس المجرد عن اللذة . ويدل على ذلك أيضا ما في الصحيح من حديث مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : أنام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته ، فإذا سجد غمزني ، معناه قرصني ، فقبضت رجلي والبيوت يومئذ ليس لها مصابيح . وفي الموطأ عن عائشة رضي الله عنها قالت : كنت نائمة إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم ففقدته من الليل ، فلمسته بيدي فوقعت على أخمص قدميه فمضى في صلاته . ولم ينقل عنه عليه السلام أنه قال من لمس زوجته انتقض وضوؤه .
وأجاب عنها سيدي محمد بن العباس حين سئل عنها في السؤال الموجه إليه زيادة من جواب سيدي عمر أدخلها السائل منه وأدرجها في طي هذه تظهر من جواب سيدي محمد. نص الجواب:
الحمد لله. أما قوله وإنما تحل بما تحل به الأمة في الشراء فالأمة المعتمدة
[469/4]
[470/4]
من وفاة زوجها مهما رأت الحيضة في العدة أولا أو وسطا أوآخرا اكتفت من الاستبراء. فإن كان ذلك أولا قبل تمام العدة انتظرت تمام العدة، ولا خلاف في هذا. والعدة ها هنا على حكمها من الشهرين وخمس ليال، وإن لم تحض في العدة وعادتها أن تحيض في هذه المدة ولا مانع من رضاع ونحوه انتظرت الحيضة. ومدة الانتظار على ما علم فيها من خلاف، وهذا كله في التحقيق إنما هو فيمن يمكن حملها أكثريا أو أقليا، وكلام ابن الحاجب فيه مباحث لإجماله لا من الجهة التي أشار إليها ابن عبد السلام وبعض من تبعه، والذي أراد بقوله ما تحل به الأمة الحيضة أو ما يوجب براءة الرحم من ثلاثة أو تسعة. والأول أقرب. وقوله إنما تحل أي للسيد أو للعقد عليها، والسيد إما مالك أصلي أو مشتر في العدة أو مالك بوجه من وجوه الملك، لا كما يعطيه ظاهر في هذا قريبا إذ هو معلوم. وسبك لفظه لا تحل به الأمة المعتدة من وفاة زوج إلا بحيضة أو ما يقوم مقامها مضافا إلى العدة، ومتعلق من محذوف لأن المجرور حال أي ما تحل به الأمة كانت من حين الموت أو يعتبر من ذلك الوقت. فيكون يوم الموت بمثابة يوم الشراء. احترز بذلك أن يتوهم أن ما يقع في أثناء العدة من حيض لا يعتد به، وإنما ينظر فيه بعد العدة، وأن الشهرين وخمس ليال لا يعتبران من جملة الثلاثة أو التسعة، ومعها حال أيضا من ما. ويجوز أن يكون من حين الموت متعلق بمحذوف مقدر فعلا أي وينظر في ذلك من يوم الموت أو نحوه، وإذا كان تحل الأول فهو متعلق المجرور بمن فلا بأس، لأنا نضمن تحل معنى تعتبر وتفي.
هو المال الطارئ الذي الأصل فيه أنه لم يدخل تحت صلحهما. وأما في هذه المسألة فالعقد تحت يد دافع المائتين، وهو عالم به، فالأصل وقوع الصلح عليه. فمن ادعى أن الصلح لم يقع عليه، طولب بالبينة، ولا يقبل قول المدعي أنه لم يعلم به، لأنه لو قبل قوله في هذا لأمكن أن يدعي غدا أن في التركة جواهر لم يعلمها أو ثيابا لم يعلم بها، فيعود الأمر إلى النزاع الذي صرحت البراءة بدفعه. نعم لو حكم حاكم بنقض هذا الحبس وانجر الإرث لهذه الموروثة، فها هنا ينظر، هل هو كمال طارئ أم لا؟ فيه كلام لولا الإطالة لأتينا به والله أعلم وبه التوفيق.
وأجاب الفقيه أبو العباس أحمد ابن زكري(¬1) بما نصه:
الحمد لله ثبتي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما)(¬2). فمقتضى الحديث، أن الصلح منه ما هو حلال فيصح، ومنه ما هو حرام فلا يصح، فيفسد لأجل النهي على ما تبين في أصول الفقه. وأيضا الحل ملزومة للصحة، والحرام يستلزم الفساد، فيجب الفسخ على ما هو منصوص عليه في كتب الفقه.
[أنواع الصلح]
وقد قسم الفقهاء الصلح إلى ما يكون على الإقرار، وإلى ما يكون على الإنكار، وإلى ما يكون على الأمرين معا. وإلى ما يكون على السكوت. واتفقوا على أن صلح الإقرار معروض للصحة والفساد. ونص القاضي عياض على أن ما وقع منه على الإقرار والإنكار معا، أو وقع على السكوت حكمه حكم الصلح الواقع على الإقرار، فتعرض له الصحة ويعرض له الفساد. واختلفوا في الصلح الواقع على الإنكار، هل يعرض له الفساد فيجب فسخه أم لا؟ والذي جرى به العمل وهو المشهور في المذهب المالكي فسخه إن وقع فيه وجه من وجوه الفساد، إما على دعوى المدعي وإما على إنكار المنكر أو على
[540/6]
456/7] وبناء, فإن فضل شيء استؤجر من يقيم الخطبة والصلاة إن أبي من الصلاة طوعا. قلت: أراد الناس في مدة القاضي الفشتالي الكبير أن يعطوا إماما من فضلة الحبس فأمرهم بإثبات ان أحباس المسجد مجهولة المصرف, وأن له وفرا وأنهم لم يجدوا من يتطوع لهم بالصلاة ولا وجدوا من يعطي أجرة الإمام من عنده, وحينئذ أباح لهم ذلك. وأفتى سيدي عيسى بن علال بأن الجماعة تستأجر من مالهم لا من مال الحبس, وإن كانوا جماعة ألزموا إقامة الجماعة.
وسئل ابن الحاج عن التحبيس إذا كان على المرضى القطع.
فأجاب بذهاب أنملة فما فوقها يستوجب الحبس, وبه شاهدت الحكم والفتيا.
[من قدم للنظر فيما حبسه رجلا فله عزله]
وسئل بعض الشيخ عمن حبس حبسا وقدم للنظر عليه من رآه أهلا هل له عزله واستبداله أم لا؟.
فأجاب: له عزله واستبداله, قال ابن عرفة: ونزلت في حبس حبست الحرة أخت أمير بلدنا, وجعلته بيد شيخنا ابن عبد السلام على أنه يدرس به, فلم يقبله, ثم نقلته لشيخنا ابن سلمة فقبله وشهد في العزلة والتولية جميع الشهود الذين كانوا حينئذ منتصبين للشهادة, وعللوا ذلك بالتفريط.
[عدم جواز حرث البقيع أو أخذ ترابه أو حجره]
وسئل بعضهم عن جواز حرث البقيع بعد أربعين سنة دون دفن فيه وأخذ ترابه وحجره للبناء.
فأجاب: لا يجوز لأحد أخذ حجارة المقابر العادية, ولا تزال عنها لأنها حق لأهلها, ولا ينشأ بها قنطرة ولا مسجد, ولا يكشف عنها. وعلى هذا المعنى لا يجوز حرثها لأن في ذلك تبديلها وتغييرها؛ لأنها من الأحباس
[457/7] التي لا تغير, وما حرث مما عفى من المقابر, أو مم لم يعف فالبكراء, ويجعل ذلك في أكفان الفقراء والمساكين وحفر قبورهم.
وأفتى بعض فقهاء أحكام ابن سهل بالمشي على أسنمة القبور. وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يشق المقاير على أسنمتها لا بينها.
فأجاب: من حق الوصي إن عزله غير الذي قدمه أن يبين له القاضي الذي عزله الوجه الذي من أجله عزله وأن يعذر إليه فيمن شهد عليه بالمعنى الذي أوجب عزله إذ ليس له أن يعزله إلا بأمر يثبت عليه عنده، وأما إذا عزله الذي ولاه فإن كان عزله لأمر رآه باجتهاده فليس عليه أن يعلمه به وإن كان عزله لجرحة تثبت عنده عليه فمن حقه أن يعذر في ذلك إليه، وأما عزل الوصي نفسه عن النظر لليتيم الذي التزم النظر له فليس ذلك له إلا من عذر لأنه حق لليتيم قد أوجبه له على نفسه، وذلك بخلاف الموكل والوكيل للاختلاف في أن للموكل أن يعزل الوكيل متى شاء وأن للوكيل أن يتخلى عن الوكالة متى شاء أيضا إلا في الوكالة على الخصام فليس للوكيل أن يتخلى عن الوكالة بعد أن أنشب الخصام ولا لموكله أن يعزله عنها قبل تمام الخصام، ولا فرق في هذه بين الوكيل المفوض إليه والوكيل على شيء بعينه من خصام أو غيره وبالله التوفيق.
وسئل ابن الحاج عن رجل أراد القيام بالحسبة على وصي إلى نظره أيتام بإيصاء أبيهم ليعرف مقدار ما تخلفه أبوهم عنده لهم ولوقفه أيضا عما يتركه المتوفى.
فأجاب: بأن له ذلك وسواء كان الموقف ممن يرث الأيتام أو لا يرثهم.
[459/9] وإن أنكر الوصي بعض ما وقف ولم تقم عليه بينة فعليه اليمين ولا تؤخر اليمين ولو كانت الوصي أن أم الصبيان لدخل الاختلاف في تحليفها لهم فتدبره.
[إقرار الوصي بدين على أيتامه]
وسئل عن إقرار الوصي بدين على أيتامه هل يلزمهم أم لا يلزمهم؟
فأجاب: إقرار الوصي بدين على أيتامه على وجهين، فإن كان مما ولي هو على أيتامه المعاملة فيه فهو نافذ عليهم وهو كالإقرار على نفسه، وإن لم يكن فيما وليه هو مثل أن يقر على تركة الميت بدين أو شبه ذلك فإقراره كالشهادة منه وكذلك الأب.
وسئل عن الرجل يكون وصيا على سفيه فولد للسفيه ولد، هل للوصي أن ينظر على ابن السفيه كما ينظر على أبيه أم لا؟
ونزلت بقرطبة في دين كان لرجل من أهل فاس على رجل بالأندلس ، فأقر الفاسي أنه لفلان من أهل فاس ولا حق له معه فيه ، فأحلف المقر بالدين ولم يحلف المقر له ، وخوطب له إلى قرطبة وقبض الدين ، وكان أن يحلف المقر له بالدين وحينئذ يخاطب ، ومضى الأمر هكذا . وسئل هل للقريب أن يثبت دين قريبه الغائب أم لا ؟ فأجاب : الذي يعمل على الغريم بحاله إلا أن يخاف عليه فيوقفه القاضي ، لأن إخراج المال من ذمة إلى أمانة خطأ إلا بوجه نظر يظهر .
وسئل عن رجل داين رجلا على أن يعطيه دينه من عصير كرمه فأخلف عصير كرمه أو تأخر .
فأجاب : لا يلزمه أن يعطيه من عنده ، وقال إن ذلك نص المدونة انتهى . وفي أول البيوع من أحكام ابن سهل : أخبرني أبو مروان عبيد الله بن محمد بن مالك أن إنسانا من أهل تاكرنة استسلف مالا وأخذ سلما وقال أؤدي إليك من مالي بتاكرنة(¬1) فمنع من ماله وحيل بينه وبينه ، وقام المسلم يطلب بدينه ، فأفتى صاحب المظالم أبو عبد الله بن عبد الرؤوف وأبو محمد عبد الله بن الشقاق وأبو محمد عبد الله بن دحون وغيرهم أنه يلزمه أداء دينه وإن حيل بينه وبين ماله الذي ذكره . وأفتى القاضي أبو المطرف عبد الرحمن بن بشير أنه لا يلزمه أداء دينه إلا من ماله بتاكرنة . قال لي : فعرض جوابه هذا على الفقهاء المذكورين فرأوه صوابا ورجعوا إليه وتركوا جوابهم الأول ، واحتج لجوابه بما [444/10] رواه أشهب وابن نافع عن مالك في رجل يتعين في عطائه فحبس العطاء وله مال فيه وفاء بما عليه من تلك العينة .