فأجاب بأن قال: الذي قالوا في الصوم إنه يلزمه, فقيل نعم, فالاعتكاف؟ فقال إنما يلزمه الصوم بعسقلان, لأنه يحرس ويرابط. أورأيت لو نذر أن يصوم بالكوفة أكان يلزمه؟! وأما الاعتكاف فالاعتكاف لا يصح إلا في الأمن, فيخرج عن مكة يعتكف فيها, فقال فيما فهم من جوابه أنه لا يعتكف قيل يصير لعمل المطي إلى غير الثلاثة مساجد, فلم ينكر ذلك ولم يشك أنه أبى من الاعتكاف.
[يخرج المعتكف لمرض والديه لا لموتهما]
وسئل عن أبي المعتكف إذا مات, هل يخرج له أم لا؟
فأجاب إذا مات أبو المعتكف لم يخرج إليه, وإن مرض خرج. والفرق بينهما أن في خروجه إليهما للمرض رفقا بهما, وإذا ماتا فإنما عليه ألا يضيعا, فإذا كان من يحفظهما حتى يدفنا فما عليه غير ذلك.
[يجوز الاعتكاف داخل الكعبة]
وسئل ابن الحاج عن الاعتكاف هل يجوز داخل الكعبة أم لا ؟
فأجاب يجوز الاعتكاف داخل الكعبة لأنها مسجد, قال الله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام, وقال صلى الله عليه وسلم إلا المسجد
[431/1] الحرام وتجوز النافلة فيها, ولا يضر أن يرقى إليها بدرج, كالمسجد يرقى إليه كذلك, وهو جائز فيه.
[لا يجوز الاعتكاف في مسجد الدار الخاص]
وسئل بعض الشيوخ عن الاعتكاف, هل يجوز في مسجد الدار أم لا ؟
فأجاب لا خلاف أن الاعتكاف لا يكون غلا في مسجد مباح لكافة الناس لا حجر فيه على احد. وأما من بنى مسجدا ليختص به هو وقرابته وجيرانه فلا يجوز فيه الاعتكاف ولا الجمع ليلة المطر انتهى.
[432/1] نوازل الحج
وسئل القاضي أبو الحسن سيدي بن محسود عمن حج في هذا الزمان.
فأجاب غرر بنفسه, وإن تخلف فمعذور. وقال أبو موسى عيسى بن مناس أن حنث بمشي فلا يباح له الخروج, وخروج الخارج اليوم على مكة معصية ولا يؤجر, وليؤخر الناس حتى يفرج الله.
[الجهاد أفضل من الحج في حق الأندلسيين]
وسئل ابن رشد عمن لم يحج من أهل الأندلس في هذا الوقت, هل الحج أفضل له او الجهاد؟ وكيف لو حج الفريضة؟
سفيان عن ابن طاوس عن أبيه أنه كان يكره أن يشرب بنفس واحد ، وكان يأمر أن يأخذ من باطن اللحية . فهذا الذي ذكره ابن عبد البر وهو من أئمة الحديث نص في حلق اللحى الأسفل ، إذ ليس في اللحية باطن يؤمر بحلقه إلا هو ، لأن اللحية كلها ظاهرة ، والباطن منها إنما هو تحت اللحى الأسفل .
وأما نقضهم الوضوء باللمس المجرد وفي ذوات المحارم وغيرهن فهذا لم يقل به أحد من أئمة الهدى الأربعة إلا شيئا ذكر عن الشافعي فيه ضعف ، أما مالك فاشترط في اللمس اللذة ، إن التذ توضأ وإلا فلا وضوء عليه . وأما أبو حنيفة فقال : لا وضوء عليه حتى يتجرد أو يتعانقا ويلتقي الفرجان مع الانتشار . وقال محمد بن الحسن : الملامسة لا توجب الوضوء مطلقا . وقال الشافعي : عليه الوضوء التذ أم لا . ووافق في ذوات المحارم أنه لا وضوء في لمسهن . وقال الشهاب القرافي : وبذوات المحارم ينقض عليه ، فإن تمسكوا بظاهر قوله تعالى : ﴿ أو لا مستم النساء ﴾ فلا يسلم أن المراد باللمس اليد ، بل المراد به الجماع . وروى ذلك عمر وابن عباس رضي الله عنهما ، وروي أنهما اختلفا في الملامسة ، فقال سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح : هو اللمس والغمز باليد . وقال ابن عمر : هو النكاح . فخرج عليهم ابن عباس فأخبروه بما قالوا ، فقال : أخطأ الموليان وأصاب العربي ، ولكن الله تعالى كنى عنه . وروي عن ابن عباس أنه كان يقول : لا أبالي قبلت امرأتي أو شممت ريحانة . إلا أن مذهب ابن عباس هذا خالفه فيه ابن عمر وعائشة وابن مسعود رضي الله عنهم . ففي الصحيحين البخاري ومسلم عن ابن عمر وعائشة وابن مسعود رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « القبلة توجب الوضوء » . ثم نعود إلى الاحتجاج بظاهر الآية ، فنقول : إن المراد بالملامسة من اليد لا نسلم أن المراد بها اللمس المجرد عن اللذة ، بل المراد بذلك اللمس المقصود به اللذة .
وبوقوفك عليه تعلم ما تحل به الأمة من حين الموت إلى الشراء، ويتضح إعراب كلام المؤلف، وهو أن كلمة من متعلقة بمحذوف وهو حال إما كونا عاما أو كونا خاصا، وصاحب الحال هو الموصول، وتقدير الكلام على الأول وإنما تحل به الأمة في الشراء كائنا ذلك الذي تحل به من حين الموت، وعلى الثاني كالأول، إلا أن المحذوف هو لفظ محسوبا ومعتدا به ونحو ذلك، وجاز حذفه لفهم المعنى مع حذفه، وتقديره أولى من تقدير الكون العام من جهة المعنى، ولا يصح تعلق من بالمصدر الذي هو الشراء لفساد المعنى، إذ يلزم عليه حصر موضوع المسألة فيما إذا كان شراء الأمة من حين الموت، وليس كذلك، بل موضوعها أعم من ذلك، ولا يصح أيضا تعلقها بواحد من الفعلين المذكورين في لفظه لفساد المعنى، واضح (كذا) بأدنى تأمل. وأما مع فالعامل فيها هو الفعل الأول لا صلة الموصول، وتقدير الكلام وإنما تحل بالذي تحل به الأمة المذكورة مع العدة أي لا تكتفي بالحيضة عن عدة الوفاة ولا بعدة الوفاة عنها، فلابد من الجمع بينهما، فإن لم يكن حيض فعلى الخلاف هل تكتفي بثلاثة أشهر أو لا بد من تسعة أشهر وهو المشهور كما تقدم من نص المدونة: وهذا كله مفهوم من عموم قول المؤلف ما تحل به الأمة في الشراء، إلا أنه لو اقتصر على لفظ معها لكان كافيا بل لكان أسلم من الاعتراض. وذلك أن ثبوتها يوجب إيهام زيادة عدم الوفاة على جميع ما تحل به الأمة في الشراء، لأن الموصول من صيغ العموم بمقتضى العمل، فظاهر اللفظ أن تضم عدة الوفاة إلى ما تحل به الأمة، وذلك غير مراد له قطعا، فإسقاط لفظة معها يحصل المقصود سالما من الإيهام الفاسد. هذا ما ظهر لي رجحانه مما يحمل علبيه كلام المؤلف، وثم محامل أخر محتملة من جهة اللفظ بعيدة من جهة المعنى ولا تسلم من من طعن فلا نطيل بذكرها والله سبحانه أعلم.
ويدلك عليه ما وقع في سماع ابن القاسم قال: وسمعت مالكا يقول في شريكين تحاسبا فكتب أحدهما لصاحب البراءة من آخر حق قبله ثم جاء بذكر حق قبله لم يقع في أصل البراءة اسمه، فادعى صاحب البراءة أنه قد دخل هو وغيره في البراءة قال: يحلف بالله تعالى لقد دخل في حسابنا ويبدأ منه، لأن القوم إذاتحاسبوا دخل أشباه هذا بينهم. فلو كان كل ما جاء منهم بعد ذلك بذكر حق فيه شهداء أخذ بما فيه لم يتحاسبوا ليبرئ بعضهم من تباعة بعض. قال ابن رشد: هذا بين لا إشكال فيه ولا اختلاف، لأن ذكر الحق الذي قام الطالب به قبل البراءة، وإذا كان قبلها فالقول قول المطلوب إنه قد دخل في البراءة، لأن الحقوق إذا كانت لرجل على رجل بتواريخ مختلفة، فالبراءة من شيء منها دليل على البراءة مما قبله انتهى. وهذا الطالب في هذه المسألة قام يطلب حقا قبل البراءة، فالأصل تسلط البراءة عليه حتى يثبت أنه استثناه، سيما وهو أشهد أنه توصل إلى جميع حقه في جميع التركة، ومن جملة المتروك هذا العقد الذي قام الآن يطلبه فول أبيح له الطلب، لم يكن لقوله من جميع التركة معنى.
فإن قلت: هل لا جعلت هذا كمال طرأ لم يكن علم به؟
الجواب أن هذا لا يشبه المال الطارئ لأن المال الطارئ هو الذي لم يتقدم عليه حوز لواحد من المتصالحين، ولا علم لواحد منهما به فهذا
[539/6]
455/7] لم يجد من يلح معه, ثم قال: ولو كان الحبس في شرك من حائط كان الجواب على ما تقدم في الدار, ينظر هل ينقسم أو لا؟
قال ابن عرفة: قوله إن كره البقاء على الشركة قاسم, هذا على أن القسم تميز حق بين, وعلى انه بيع يؤدي إلى بيع الحبس, إلا أن يقال الممنوع بيعه ما كان معينا لا المعروض للقسم, لأنه كالمأذون في بيعه من محبسه.
وفي نوازل الشعبي قال: وإن كان علو وسفل لرجلين فلرب العلو رد تحبيس ذي السفل سفله, لنه إن فسد منه شيء لم يجد من يصلح له, ومن حقه أن يحمل له علوه, ولرب السفل رد تحبيس ذي العلو علوه للضرر, ومتى وهن وسقط منه ما يفسد سفله, وانظر على هذا الأصل السابق لو حبس المحبس جزءا من داره, ثم مات فورث وارثه ما بقي منها, ثم باعه أو باعه المحبس نفسه فطلب المشتري إجمال البيع في الدار مع الحبس لكونه لا ينقسم, فظاهر قاعدتهم في ذلك, أن لا مقال لهم في ذلك لأنه كما اشترى مفردا يبيع مفردا إن أحب إذ على الشركة للحبس دخل, فتأمل ذلك وتدبره فإنه واضح الظهور والله سبحانه أعلم.
القطع في عقد الحبس ريبة
وسئل ابن عتاب وابن القطان عن حبس بين امرأتين ماتت إحداهما واستظهرت الأخرى بعقد حبس فيه قطع لآخره.
فأجاب ابن عتاب بأن القطع ريبة من أعظم الريب ولقد باء فاعله بخزي عاجل وآجل في الدنيا والآخرة, والحبس قائم نافذ لا يبطله القطع, ولمالك في المستخرجة ما يدل على مسألتك.
وأجاب ابن مالك بإلغاء الحبس وإنزاله منزلة شيء لم يكن.
وسئل ابن الحاج وابن رشد عن حبس على مسجد لا يدرى كيف حبسه المحبس.
فأجاب بأن تجري غلته على الأهم فالأهم من مصالحه من وقود وحصر
[
فأجاب: إذا ثبت عند القاضي المصروف إليه الحكم في قضية المحجور عليه أن وصية غير موثوق به فيما يخاصم به له وعليه فيما يطلبه له أو يطلب به أو يستقر له بيده مما يحكم له به فيجب أن يوكل له وكيلا يقيمه له مقام الوصي في ذلك كله، ولا يعزل الوصي عن النظر له جملة وإن كانت عنده لليتيم حجة سمعها منه ونظر فيها وإن ذكر حجة عليه لم يسمعها منه. هذا الذي أراه في هذا والله الموفق للصواب.
[458/9] ... [هل الوصي كالوكيل، يمكن أن يعزل أو يعزل نفسه ولو بغير عذر؟]
وسئل عن قاض عزل وصيا عن يتيم من تقديم قاض غيره وولى وصيا آخر، فطلب الوصي المعزول أن يبين له القاضي لم عزله ويعذر إليه فيما شهد به عليه، هل يلزمه ذلك؟ إذ لا خلاف أن الأولى لمن قلده سلطان أو قاض ولاية أو أمانة أن لا يصرفه عنها إلا لعذر ووجه بين، ولا يتركها هو إلا لذلك. ورأيت بعض أهل العلم ذكر هذا ثم قال ولكنه إن صرف موليه أو عزل هو نفسه عنها مضى، وشبهه بالوكيل والموكل في هذا الفصل. بين لي ما عندك أكرمك الله ووفقك فإن المولى والمستناب في أمر إنما هو وكيل لمقدمه عليه ونائب منابه وهل يستوي في هذا ما كان من تقديم هذا نفسه أو من تقديم من قبله وهل يستوي في ذلك ولاية الخصوص والعموم متفضلا مأجورا إن شاء الله.
وسئل ابن الحاج عن رجل الميت توفي وترك امرأة حاملا وترك دينا عليه ، فقال صاحب الدين أقضوني ديني ، وقال الورثة لا نقضوك (كذا ) حتى يوضع الحمل .
فأجاب : اختلف أصحابنا ، فأخبرت أن الفقيه أبا القاسم أصبغ بن محمد أفتى بإرجاء الدين إلى وضع الحمل . قال الباجي : وبه شاهدت محمد بن أيمن يحكم فأنكرته عليه ، فقال هو مذهبنا . ومثله في بعض الحواشي قال لا يؤدى دينه حتى تلد زوجته ويقدم القاضي على الولد ليصح الاعذار إليه ويتم الحكم له . وأفتى أبو الوليد بن رشد بتعجيل الدين بخلاف الوصية ، لأن الدين مبدأ عليها إذا اجتمعا ، وبه أفتى ابن عتاب وابن العطار .
قال الفقيه أبو عبد الله بن فرج : وهو الصحيح ولا يلتفت إلى الحمل .
ابن الحاج : ونزلت من هذا المعنى مسألة ، وذلك أن رجلا توفي له شريك ، وكان بينهما أرض ، فذهب الشريك الحي إلى قسمتها وتمييز حصته والزوجة حامل ، فأفتيت بأن القسم يجب له لأن ذلك من باب الوصية ولا من باب الميراث ولا هو أيضا قائم بدين على الميت ، وبه أفتى أبو الوليد ابن رشد ، وأفتى القاضي أبو عبد الله بن حمدين وسائر الفقهاء المفتين بترك القسمة إلى وضع الحمل كالوصية والميراث والدين على مذهب من رآه مثلها .
[هبة الدين على غائب]
وسئل ابن الحاج عن الرجل يكون له الدين على رجل غائب ، فوهبه لرجل ، ووكل الموهوب له رجلا يمضي إلى قبضه ، فهل يحلف الموهوب له أم لا ؟
فأجاب : أما الواهب فلا بد أن يحلف أن الدين باق له على الغريم [443/10] الغائب إلى أن وهبه ، وحينئذ يخاطب له القاضي إلى قاضي البلد الذي فيه الغريم .