قلت: قال ابن عتاب: لا يجوز الاستياك بأصول الجوز في ليل أو نهار في الصوم, فإن فعل فعليه القضاء. وعن ابن لبابة وابن الفخار ونحوه في كتاب الانباه أن من استاك به عامدا في نهار رمضان عليه القضاء والكفارة. ووجهه أن السواك لما كانت أجزاؤه تنحل وتمشي مع الريق فكأنه قاصد للفطر, ووجه الآخر أنه غير قاصد للانتهاك ولأنه من ريقه, فأشبه فلقة الطعام تبتلع مع الريق, وكان مقتضى هذا التوجيه أن لا قضاء, لكن عليه القضاء لما فعله مختارا. وعن ابن أبي محمد صالح إن استاك بالجوز عامدا في الليل فأصبح على فيه عليه القضاء والكفارة, وقيل عليه القضاء خاصة وهو المشهور.
[الإفطار في يوم الشك]
وسئل أبوعبد الله الزواوي(¬1)عن يوم الشك, هل يجب الامساك في اوله حتى يثبت بمن يأتي من السفار وغيرهم أم لا ؟
فأجاب ينبغي الامساك في أوله حتى يسفر النهار. وأما من أفطر فيه بعد ثبوت الرؤية فقولان, والمشهور القضاء والكفارة. وأما الامساك في بقيته بعد ثبوت الرؤية فواجب باتفاق, وأما قضاؤه بعد ثبوته فواجب بإجماع, والله تعالى اعلم.
[صيام يومي عرفة وعاشوراء]
وسئل الإمام أبو عبد الله بن عرفة لم كان صوم عرفة كصوم سنتين ويوم عاشوراء كصوم سنة؟
فأجاب بأن يوم عرفة محمدي, ويوم عاشوراء موسوي.
[428/1] [لا شيء في دخول الذباب في فم الصائم]
وسئل سيدي قاسم العقباني عن الذباب يدخل فم الصائم, هل في المذهب قائل بوجوب الكفارة؟ وفيمن لم ينو الصوم ونوى الفطر في رمضان لكنه لم يفطر, هل تلزمه الكفارة أم لا؟ والمشموم الطيب هل في المذهب من يقول أنه يفطر أم لا؟
ولعمري إن هذه الطائفة التي فارقت الجماعة كما ذكرتم وكفروا أهل الإسلام ولا يأكلون ذبائحهم ولا يصلون خلفهم أحد الطوائف الذين أخبر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولقد كان يصرح بعد ذلك بعض من قرأت عليه ، والخبر المذكور هو قوله عليه السلام : « إن بني إسرائيل افترقت على اثنين وسبعين فرقة ، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة . قيل : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : من اتبع ما أنا عليه وأصحابي » . وفي حديث آخر : « يحقرون صلاتكم بالنسبة إلى صلاتهم ،
[458 /2]
وصيامكم بالنسبة إلى صيامهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية » . فأشار عليه السلام إلى التشديد كما ذكر عن هؤلاء أنه إذا شرب أحد من إناء كسروه ، ويغسلون المسجد إذا دخله أحد من أهل الإيمان ، ولا يأكلون ذبائحهم ولا يصلون خلفهم على جهة التشديد ، وقد ورد هذا الدين بالتخفيف وأنه الحنيفية السمحاء .
وفي نقله بحث لسنا له الآن. وممن فرع هذا الخلاف على هذا القول بعينه عبد الحق. ثم أشار المصنف إلى فائدة هذا الخلاف المفرع وثمرته، ولم يتقدم له خلاف غيره، فتعين رجوع بناء فائدته إلى خلاف يوم الموت أو الخلع، وضمير له وعليه للزوج، والأقرب أنه لف ونشر مرتب على مسامحة في هذا التعبير على اصطلاح علم أهل المعاني، خصوصا في هذا المكان، لأن معادل هذا المذكور معطوف محذوف لكنه في قوة المذكور، أي وعدم الرجوع له أو وعدمهما أو وخلافهما ونحو هذا، فالرجوع له وعليه راجع ليوم الموت، وعدمهما راجع ليوم الخلع، وحذف مثل هذا المعطف كثير في القرآن وغيره نحو ﴿سرابيل﴾ (¬1) الآية ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح﴾(¬2) الآية ﴿وتلك نعمة تمنها علي﴾(¬3) الآية ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾(¬4). ولفظ الرجوع هنا يشمل الحقيقي كما إذا أخذ أقل أو أكثر من قدر ميراثه قبل الموت جهلا أو تعديا. والتقديري أي
[467/4]
[468/4]
الحكمي الذي يزاد أو ينقص من التسمية ويكون من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه أو المشترك في معنييه، واستعمال مثله في المدونة في العبادات والعادات كثير وأصله ﴿أو لتعودن في ملتنا﴾. و﴿إن عدنا في ملتكم﴾. ولم يكونوا عليهم السلام فيها قط. ومن صور الرجوع ما ذكر عبد الحق في نكثه. وكلامه فيها متضمن هذه الفائدة التي ذكر المصنف أنها فائدة الخلاف، كما جعل من فائدته تعجيل المخالع به على اعتبار يوم الخلع، وإيقافه على اعتبار يوم الموت. ومن صوره أيضا ما اختاره اللخمي في إيقاف المعين وهو ظاهر فيه أي ظهور، وتبعه عليه ابن رشد في المحل المذكور. فهذا شرح كلام المصنف مطردا أحسن اطراد، معمرا من عزو النقل بأصح إسناد. والله المنعم الموفق للصواب والسداد.
[استفسار عن عبارة مغلقة لابن الحاجب]
فالجواب أن هذا الكلام عند الفقهاء والموثقين إنما يؤتى به للتوثق وقطع النزاع، ولا يقصد ما يدل عليه. ويدلك على ذلك ما في المدونة قال فيها: وإن أخذت لرجل سلما بأمره، لزمه وإن شرط عليك المبتاع أنه إن لم يرض الرجل فالسلم عليك، جاز ذلك. وكذلك إن ابتعت له سلعة بأمره، من رجل تعرفه، فاشترط عليك البائع أن الرجل إن أقر له بالثمن، وإلا فهو عليك نقدا أو إلى الأجل، فلا بأس به انتهى. فانظر كيف أجاز البيع في هاتين المسألتين مع ما فيهما من الغرر. مع أن البائع لا يدي أي ذمة يتبع هل ذمة المشتري له، أو ذمة المشتري؟ لكن وجهه ابن مخرز بأن قال: الوجه عندي في إجازة ذلك، أنه إنما قصد به التوثق، يجري مجرى الحمالة، ولم يقصد به المخاطرة، فلذلك أجيز والله تعالى أعلم انتهى.
وما وقع في سماع عيسى قال: قلت أرأيت من اشترى دارا واشترط على بائعها أني أشتري منك ما كان في هذه الدار من مجهول ومعلوم، قليل أو كثير، فيجد المشتري صخرا أو عمدا أو ورقا أو آنية مغيبة تحت الأرض، لا يعرفها البائع ولا المشتري. فقال: لا أرى للمبتاع فيها حقا. قال ابن رشد لما تكلم على هذا المحل من المسألة: وفي تكلم ابن القاسم
[537/6]
على ما وجد المبتاع في الأرض التي ابتاع على الشرط الذي ذكره، وسكوته على البيع، دليل على جوازه عنده.وأن الشرط لا يفسده. وقد اختلف في ذلك. فروى زياد قال: سألت مالكا عن رجل ابتاع منزلا أو حظا في منزل. وكتب المشتري معلوما ومجهولا. وكتب يعلم أو لا يعلم. قال: لا ينقض هذا البيع ونحوه مما يتوثق به المشتري انتهى. فقف على قوله ونحوه مما يتوثق به المشتري. فيدخل فيه هذا الذي وقع في عقد الصلح من قوله مما يتمول أو يطلق عليه اسم مال.
فأجاب: تصفحت سؤالك هذا ووقفت عليه, فلا يجب القضاء بالحبس إلا أن يثبت التحبيس وملك المحبس لما حبسه يوم التحبيس وبعد أن تعين الأملاك المحبسة بالحيازة لها على ما تصح الحيازة به, فإذا ثبت ذلك كله على وجهه, واعذر في ذلك للمقوم عليه, فلم يكن لهم حجة إلا ما اعتلوا به من ترك القائم عليهم وأبيه قبله, وطول سكوتهم عن طلب حقهم مع علمهم بتفويت الأملاك بالوجوه المذكورة, فالقضاء بالحبس واجب, والحكم به لازم, ولا يجب على الورثة شيء من الغلة ولا الكراء إذا لم يعلموا بالحبس على ما اختاره الشيوخ, وتقلدوه من الاختلاف في ذلك, وقال أيضا في مسألة ابن زهر وابن مخلص وهي نحو من الأولى: لايجب أن يسأل من بيده شيء من ذلك من أين صار ولا يعتقل عليه, ولا يكلف اثباتا, ولا عملا, إلا أن يثبت القائم بالتحبيس ملك المحبس لما حبسه وحوزه بالحبس على وجهه, وهذا أصل لاختلاف فيه, أعني أن من بيده ملكا يدعيه لنفسه لا يكلف اثبات من أين صار إليه حتى يثبت المدعي ما ادعاه ويحوزه, وتكرر له نحو من هذا في غير موضع من اجوبته فانظره, وبالله التوفيق.
وفي المدونة ومن ابتاع دارا أو عبدا من غاصب ولم يعلم فاستغلهم زمانا, ثم استحقوا فالغلة للمبتاع بضمانه. ابن يونس وقد قال - صلى الله عليه وسلم - "الخراج بالضمان". وفي تقييد الشيخ أبي الحسن: وانظر على هذا من ابتاع عبدا فاغتله ثم استحق بحرية, أو ابتاع أمة فوطئها, ثم استحق بحرية, أو ابتاع أرضا فاغتلها ثم استحقت بحبس, فقال ابن القاسم لا يرد الغلة, وقال عبد الملك والمغيرة يردها, اللخمي وهو أصوب, لأن الخراج إنما يكون مع
[
456/9] البر وجعل تنفيذ الوصية إلى رجل أجنبي أو لوارث وشرط في وصيته دون مشورة قاض ولا تعقب حاكم، هل لأحد من الحكام نظر في شيء مما يفعله المنفذ وارثا كان أو غير وارث وقد شرط الموصي ما تقدم ذكره أم لا؟ وهل يفترق الوارث في ذلك من الأجنبي أم لا؟
فأجاب: إن شرط الموصي عامل نافذ في أنه لا يجوز لحاكم أو قاض أن يتعقبه ولا شيئا من ذلك ولا ينظر فيه كان المتولي لذلك وارثا أو أجنبيا لقوله تعالى: ﴿فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم﴾ وإذ لا حق في ذلك للورثة فإن كانت الوصية مما تبقى فيها منفعة كالعتق وشبهه كان لهم أن يقوموا في ذلك حتى يعلموا أن الوصية قد تقلدت كان المنفذ لها وارثا أو أجنبيا وإن كانت مما لا تبقى لهم فيها منفعة كالصدقة وشبهها فلا قيام لهم في ذلك إلا أن يكون المنفذ وارثا مخافة أن لا ينفذ ذلك ويأخذه لنفسه فتكون وصية لوارث وبالله تعالى التوفيق.
وسئل عن وصي على أيتام كان لهم بيده غنم وبقر وحرث، ثم عزل عن إيصائه وأقام بينة أن الأيتام كانوا في حضانته، ولم تدر البينة هل كان ينفق على الأيتام من مالهم أو من ماله، فادعى أنه كان ينفق عليهم من ماله وأراد الرجوع بذلك عليهم في مالهم، وادعى أن المال الذي كان بيده من الغنم والبقر والحرث لم تكن له غلة وشهدت بينة أن مالهم الذي كان بيد الوصي كانت تقوم غلته بنفقتهم، هل يقبل قول الوصي الذي ادعى أنه كان ينفق من ماله أم لا؟
فأجاب: إذا شهدت البينة أن في غلة ما كان في يده للأيتام ما يقوم بنفقتهم بينة عدلة لا مدفع له فيها فلا شيء له في ادعى من أنه أنفق عليهم من ماله وبالله التوفيق.
فأجاب : الذي عليه العمل عندنا تبطيله لا تقطعيه مخافة لو قطعناه أن يسأل المديان رب الدين هل قبض منه شيئا أم لا ؟ فإن قال قبضت ولكن من دين كان لي عليك لم يقبل منه ، وإن قال لم أقبض حلف يمينا غموسا . انتهى . ابن سهل عن مطرف : لو قامت امرأة على تركة زوجها بطلب مهرها مكتوبا في صك نكاحها فقبضته فلورثة الزوج أخذ العقد وقطعه .
وقال أصبغ : لا يؤخذ منها ، ولو كان مهرها في غير صك عقد نكاحها فأخذته أخذ منها وعلى الورثة أن يستوثقوا لأنفسهم بالاشهاد . ابن عبد الحكم : من عليه دين بصك فقضاه وأراد أخذ الصك وأبى الطالب لم يجبر على إعطائه ، ويجبر على أن يكتب له براءة كتابا في الموضع الذي فيه المشهود عليه أو غيره .
وسئل ابن لبابة عمن سكتت عن طلب صداقها بعد موت زوجها عشر سنين ، ثم قامت تطلبه وزعمت أن صداقها حبس عنها هذه المدة ، فقالت أنا أرضى بحلف أولادي المكلفين أنهم لا يعرفون قيامي وطلبي وترددي ، فمن حلف فقد قضيت له على نفسي بيمينه .
فأجاب : إن لها ذلك عليهم . ابن سهل : هو جواب مجمل ، والصواب أن يقال إن كانت أمسكت عن طلب ما في المدة التي ذكروها وما خلفه الميت بحاله لم يقسم ولا فوت فلها القيام ويقضي لها به ولا يضرها سكوتها ، وحلف إن كان الورثة لها بنين صغارا أو واحدا صغيرا أنها ما قبضت ولا وهبت ولا أحيلت به وأنه باق إلى يمينها هذه ، وإن كان الورثة كبارا وهم بنوها فلا يمين عليها ، إذ لا يحلف الأب لبنيه ؛ هذا إذا ثبت ما تدعيه ببنية . الدليل على ما قلنا ما في نوازل عيسى فيمن له ذكر حق فمات الذي هو عليه [441/10] فقسم ماله وهو حاضر ثم قام بعد لا شيء له ، إلا أن يكون له عذر في ترك القيام فهو على حقه أبدا ، هكذا يجب أن يكون جوابهم .
[من أدى الدين عند حلوله ثم ادعى فساد المعاملة]