هل يعتمد الحاكم على العلم الحاصل له من التواتر؟]
وسئل الصائغ عن رجل من أهل العلم بالأصلين يذكر أن سامع شهادة, أعني خبر من ليس بعدل, إذا كثروا وقع العلم بخبرهم, وأن سامع خبرهم لا يحكم بقولهم على مذهب من لا يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه هكذا ظهر لي قولهم, لأن سامع قولهم صار بمنزلة شاهد واحد علم شيئا فإذا حكم بما سمع منهم فكأنه حكم بعلمه هكذا ظهر لي. وفرق هو بين خبرهم عن الهلال وغيره بما تراه أنه في ذلك, وهذه ألفاظه بنصها: ولو أخبر الحاكم أهل التواتر الذي يوجب خبرهم العلم أن لزيد قبل عمر ومالا ووقع العلم بصحة ما قالوه لم يجز له الحكم بما علمه إلا عند من يجيز حكم الحاكم بعلمه, واما من لا يجيز ذلك فلا يجوز له الحكم إلا بشهادة العدول دون الحكم بالعلم. ومسألة الهلال ليست هكذا, بل يجب على الناس الإفطار إذا علموا طلوع هلال شوال. ألا ترى أن مالكا يلزم الرجل الصوم إذا رأى هلال رمضان وحده, وكذا يأمره بالفطر إذا رأى هلال شوال وحده إذا خفي له الفطر أو كان مسافرا, ولم يوجب عليه ألا يحكم بالهلال حتى يشهد به العدول. وإنما يرجع إلى شهادة العدول عند العلم انتهى كلامه. فما تقول في هذا وفي من يمنع من رأى هلال شوال من الفطر بالأكل بل بالنية خاصة في أوجهه ؟ وما الصواب؟
فأجاب ما ذكرت من أمر الهلال فالصواب أنه من ناحية الخبر وليس طريقة الشهادة, وبه قال بعض شيوخنا وقاله من تقدم من أهل العلم لكن لم يقل به مالك, بل جعل طريقة الشهادة, ولم يجعله خبرا. ومن أمره بالفطر بالنية فلئلا يغتر بخبره فلا يصدق في الرؤية فيؤدي للتهمة والنظر في أمره, فمنع لحماية الذرائع. وإذا أخبر الحاكم من وقع العلم بخبره فيحصل شاهدين ممن يعلم طريق العلم ويميز بين غلبات الظنون والشك والاعتقاد والعلم سمعا ممن أخبرهم, فإذا وقع العلم لسامعه كان معرفة المعلوم على
[
واعلم أن هذه الطائفة إلى يومنا هم غالب أهل البلد وكثير من نواحيها ، لا يسكنها غيرهم ، وجميع عامتها وسوقتها وأرباب الحرف وأهل البادية والفلاحين كلهم يشهدون ، وليس لهم عدول يقصدون للشهادة دون غيرهم ، وكذلك جميع عوام أهل السنة يشهدون . ولم يتقدم من أحد من الحكام أمر بأن لا يشهد في البلد إلا العدول ، فهم إلى الآن على ما كانوا عليه . وسألت بعض حكامهم عن المسوغ لقبول شهادة عامة البلد ، وما حكم شهادتهم على مذهبهم ؟ فذكر أن الصحيح من مذهبهم أن الناس محمولون على الجراحة حتى تثبت العدالة ، وأن هذا الفساد والتساهل إنما كان من أجل أن البلد لم يكن لها قانون ولا ضابط ، وأن الناس كانوا فيها كأهل البادية ، وأن إهمال ذلك عن رأي أمراء المدينة وأشرافها ، فإننا لم نزل نسمع من الأمراء أنكار التعرض لإنكار ذلك ، ويقولون شهود البلد منهم .
[لا تقبل شهادة أهل البدع والأهواء ]
فإذا تقرر هذا فلا خلاف في المذهب أن شهادة أهل البدع غير جائزة ، ولا يعتبر منهم الأمثل فالأمثل ، ولا تجوز شهادتهم لأهل السنة ولا عليهم ، ولا تجوز شهادتهم لبعضهم على بعض ، لانتفاء العدالة التي هي شرط في قبول الشهادة . هكذا نقله ابن عصمة الأشيري ، وهو بين .
وفي المنتقى للباجي : ولا تقبل شهادة أحد من أهل الأهواء وإن كان لا يدعو إلى ما هو عليه . انتهى . وسواء كان مرتكبا للبدعة متعمدا أو جاهلا أو متأولا . وأما مذهب الشافعي رحمه الله في شهادة أهل البدع ، فقال الغزالي في كتابه الوجيز : وتقبل شهادة المبتدعة ، إذ الصحيح أنهم لا يكفرون ، ولا تقبل شهادة من يطعن في الصحابة ويقذف عائشة لأنها محصنة بنص القرآن الكريم . وأما مذهب أبي
[452 /2]
قلت: إنما جعله شرطا للتمكين من الارتجاع لا في كون الطلاق رجعيا وهو كما قيل في طلاق المولي والمعسر أنه رجعي، لكن لا يتم الارتجاع لصاحبه إلا مع اليسار في الإعسار، أو مع الوطء أو ما يقوم مقامه في حل اليمين في الإيلاء. وقام مقام هذا الشرط الذي هو العتق بل وأشد حق الشرع بارتجاع المطلقة في الحيض حتى قالوا يجبر الزوج بالسجن والسوط. فإن أبى فحينئذ
[458/4]
[459/4]
يرجع إلى عمل الحاكم، فاستبان بهذا أن الزوج في مسألة العتق متمكن من الارتجاع ومقهور عليه، فيجبر بالشرع، ولو كان الزوج في رقة لم يخرج إلى عتق، وكلام اللخمي في جبر الحاكم يشمل مسألة من لم يخرج من الرق، لكن اختار أن المعتقة تعمل طلاقا آخر للتقية ألا يفيدها اختيارها، الظاهر خلافه، وأنها ليس لها طلاق إلا ما أوقعته، ولا حجة لها في أن طلاقها لم يفدها، لأنها التي جنت على نفسها حيث أوقعته وهي حائض، وقد كانت متمكنة من التأخير لطهرها، فأشبهت بتعجيلها من اختارت البقاء مع الزوج.
والله الموفق بفضله.
وأجاب فقيه الجزائر أبو الحسن علي بن محمد الحلبي بما نصه: الحمد لله. يا أخي تصفحت ما وجهتم من الأسئلة فرأيت ما استشكلتم فيها ظاهر الإشكال، يعسر على مثلي منه الانفصال. لكن لم أجد من مساعفتكم في الجواب عنها بدا، فأجهدت نفسي في ذلك جهدا، وها أنا أقيد لكم ما ظهر لي في ذلك مستعينا بالله.
قولكم في مسألة الطلاق: فيطلب الفرق على مذهب إسماعيل بين الأولى، فإنه حكى فيها واحدة، والثانية فإنه داخل في المتفقين على لزوم الثلاث.
فأجاب قد أعجبني حسن تصرفك في جميع ما سألت عنه ودل ذلك على تهممك، وأوجبت بذلك على نفسي عونك. وأسأل الله أن يجعل ذلك منا ومنك له وفيه آمنين.
وقد رأيت ما نزعت به في مسألتك هذه وقسته عليه وصدرها حسن جدا. فأما آخرها ففيه غير ما قست عليه. والاسترعاء لا يجوز إلا في وجهين، لا ثالث ليهما. أحدهما التقية التي ذكرت، والثاني الإنكار. فإذا كان هذان الحرفان ثابتين ببينة لا مدفع فيها واسترعى عليهما قبل الصلح أو قبل البيع، فالحجة بذلك للمسترعي قائمة،والاسترعاء باق له في ذلك، لا بغيره شيء، ولا يقطع بشيء ما بقيت التقية، وأقام المنكر على إنكاره ومتى ذهبت التقية أو عاد المنكر إلى الإقرار، وجب للمسترعي القيام بما استرعى إذا قام في فور ذهاب التقية أو إقرار المنكر، إلا أن يكون المسترعي في ذلك غائبا أو معذورا بما يوجب عذره، فيبقي في الاسترعاء على حجته، إلى حين يمكنه القيام في ذلك. وأما ما ذكرته مما يسترعيه في عتق العبد قبل عتقه أنه إنما يعقد له العتق على الاستصلاح والخديعة ساقطة عنه، وإنما الذي يلزمه ويلزم العبد في ذلك إذا أعتقه إلى أجل أو دبره، واشترط واسترعى قبل التدبير أو العتق المؤجل، لأنه إنما يعقد ما يعقده من العتق المؤجل والتدبير على أنه إن ظهرت منه حوالة في مدة العتق والتدبير في دينه أو فساد شيء من أحواله، فإنه راجع بذلك في حبل رقه، فذلك لازم لهما جميعا. ومتى ثبت ذلك على العبد رجع بذلك في حبل الرق ولم ينتفع بما عقد له إلا أن يشترط السيد أن يكون مصدقا في ذلك فشرطه بذلك ماض له فيه من غير أن يلزمه إثبات ما ينسبه السيد إليه من الحوالة والفساد في دينه أو في دنياه.
وأما قولك فهل يجيزه في الطلاق وغير ذلك؟ فليس الطلاق من كل ما
[528/6]
فأجاب: إن كانت تقسم قسمت, وإن كانت لا تقسم ففي الواضحة عن أبي الماجشون أن جميع الربع يباع ويبتاع من ثمن نصيب الحبس عوضه حبسا, ونزلت في أيام محمد بن علي القاضي في فرن حبس جزء منه عل ابن خميس فأفتى الفقهاء بإعماله وانفاذ الحبس, وقضى بذلك محمد بن علي, وغن كان رأي ابن الطلاع ما في الواضحة فلم يعمل به ونفاذ الحبس انتهى. قلت رأي ابن الطلاع والواضحة هو الجاري على مذهب ابن القاسم, وأصله أن ما لا ينقسم لا يقسم بل يباع, وبه حكم القاضي المقري ورجحه المتأخرون وفتوى الفقهاء, وحكم القاضي إنما يجري على أصل مالك وابن كنانة, ولا متابع لهما في أن ما لا ينقسم إلا بضرر يقسم, ولو وقع لكل واحد منهم حدود وقدم واحدة والله سبحانه أعلم.
[جائحة جنات الأحباس]
وسئل الفقهاء بقرطبة عن جائحة جنات الأحباس, إذا كانت عادة القضاة بها الاحسان فيها إلى متقلبيها ومتقلبي أرضها, إذا تشكوا وضعية أو جائحة استيلافا لهم, فقام الأحباس عند القاضي يونس بن عبد الله الصفار, يسألونه الرفق بهم, والاحسان إليهم بالوضع عنهم, وأثبتوا عنده الموجب, وشاور في ذلك الفقهاء.
فأجاب أبو علي الحسن بن أيوب الحداد بما نصه: يا سيدي ووليي, ومن وصل الله حياته للمسلمين, ومد لهم في عمره وأيده بمعونته. أنت بحمد الله قدوة في العلم وعالم بوجوه الواب, وهذا العقد الثابت عندك في قاعة الجنات كالبلقاء المظلمة, المهلهل نسخها, والمحبر إفكها, وهي كما
[
ولما وقف على هذا التسجيل بعض من تقدم له نظر في القضية عند السؤال عنها واختص بمباشرة ما وقع فيها من حين نزولها إلى يوم التسجيل به أما أن يكون لما نص عليه في قوله أخذا بقول من قال من أهل العلم الذي من غير التفات إلى بينتي الرشد والسفه على كل تقدير اتباعا لمن اعتقد ذلك على ما تقدم أو لما يوجبه الحكم عند النظر في البنتين وأياما كان فحكم التسجيل منقوض وقضاؤه غير نافذ أما على الأول وهو الظاهر من نص التسجيل على خصوصية ما استند إليه من غير إفصاح بالتعويل عليه بعد إعمال النظر في البينتين فذلك المستند إن كان عنده مصرحا به في موضع القضية لأحد من أهل المذهب فهو مما لا يعلم وجوده فيما نعتقد، ولقد طولب بالتوقيف عليه فما وجد للاستظهار به سبيل وحينئذ فالحكم به حكم بما ليس بثابت إذ الفرض أنه ما اعتمده إلا على اعتقاد وجوده منصوصا عليه كذلك في المذهب وإن كان غير مصرح به عين النازلة لأنه يشملها بظاهر عمومه وهو مشهور القولين في ترشيد وصي الأب وإن لم يثبت الرشد على ما تقدم فقد سبق ما يدل على
[
فأجاب : هنا لا يحتاج الأب في بيع الربع على ولده إلى اشتراط حاجتهم إلى النفقة ، وجائز بيعه من غير حاجة لأنه أنظر لهم لأنه يرى أن البيع أفضل(¬1) من البقاء ، فلا اعتراض عليه فيما فعل إذا إذا باع بمثل القيمة يوم البيع . فأما أن باعه بأقل مما يسوى بالأمر البين الذي لا يتغابن الناس فيه وظهر سوء نظره لهم وإتلاف أموالهم والميل عنهم إلى إخوانهم أو غيرهم لم يجز هذا البيع ونقض ، ولم يمكنه القاضي من النظر في أموالهم إذا ظهر منه القصد إلى إتلافها والميل بها ، وبقاؤها مع هذا القصد في يديه إضرار بالأطفال .
[من أوصى لغائب لم يسمه بمبلغ مال]
وسئل أيضا عمن أوصي بدين لغائب وهو مائة دينار عينا ، وأخي يعرفه وهو المصدق ، ودين لقول بأعيانهم ببينة شهدت ، فقال الموصي يباع هذا الربع من أخي ويدفعه عني لهم ، وقال في وصيته أخي المؤتمن في جميع ذلك ولا يحلف . فرفع أخوه الوصية للقاضي يفته ( كذا ) إلى الرباع ففوتها وباعها منه بثمن معلوم ، ثم أعذر القاضي إلى بنية فيما ذكر فقالوا البنات الرشداء والذين في ولاية الأخ ما علمنا أن على والدنا دينا إلا ما يثبت عندك [432/10] ببينة ، فأمضى القاضي عليهم الحكم وذكر فيه إثبات الرشيدات دون من هو في ولاية الأخ .
فأجاب : أما الغائب الذي له مائة دينار ولم يسمه الميت وقال له الأخ هو هذا فالقول قول الأخ ويأخذ المائة كما أقر به الميت ، ولا مقال لورثته في ولاية كانوا أم لا إذا عدل من شهد على قول الميت ولم يذكروا فيه مدفعا . وأما الذين لم يصدقوا وقالوا إن لهم بينة تشهد فيما أثبتوا حكم لهم به مع عدم الدفع ، ويبقي القاضي من كان غائبا أو صغيرا على حجته .