فأجاب بان قال: ذكر ذلك ابن حبيب عن ابن الماجشون, بل قال يحمل أهله على ذلك ولو رأى هلال شوال وحده لم يجز له أن يبيت الصوم وله أن يأكل إذا خفي له ذلك. وعن عبد الملك: يفطر أهله بقوله, وصلى صلاة العيد في بيته ولا يصليه بالغد. قيل وفي المسألة قول آخر أنه لا يفطر بالفعل وذكر بعضهم أنه المشهور. ونزلت بتونس واشتهرت الرؤية غير أنها لم تثبت عند القاضي, فأفطر بعض من يشار غليه وأمر بعض العوام بالفطر, فسمع ذلك الشيخ الإمام أبو عبد الله ابن عرفة رحمه الله فقال: لو أدب لكان لذلك أهلا أي لأن فيه افتياتا على القضاءة ومفسدة والذي قاله واضح إن كانت القضاة متيقظين متواضعين, وأما لو كان فيهم أنفة أو لم يكونوا محافظين فالصواب مع الأول
[انفراد اثنين مستوري الحال برؤية الهلال]
وسئل اللخمي عن رجلين صفتهما تقتضي العدالة لكن لم تسبق لهما شهادة ولا تزكية عند القضاة, يشهدان في رؤية الهلال ليلة سحاب هل يجب العمل بشهادتهما؟ وقد ذكر في الموازية عدم جواز شهادتهما.
فأجاب إذا كان بحيث وصفت وجب العمل بشهادتهما عند أهل ذلك البلد من الصوم والفطر وغير ذلك. وما ذكر عن محمد غير صحيح ولا يقتضيه مذهب مالك ولا أصحابه. وإنما يعتبر حال السائل(¬1) في نفسه وقت يخبر عن علمه, فعليه يعول القاضي. وكذا أفتى أبو محمد الشقراطسي وغيره, وهذا بين إن لم تكن السماء مصحية, ولو كانت مصحية فظاهر المدونة كذلك. وقال سحنون: أي ريبة أعظم من هذا ؟ يريد أنه لا يعمل بها. وقال يحيى بن عمر: إن نظروا إلى صوب واحد فكما قال سحنون, وإن نظروا على جهات فكما قال مالك. ونقل القفصي عن الإشراف لابن المنذر واختلف أهل العلم إذا رأى الهلال أهل البلد دون غيرهم, فروى عن
[417/1] عكرمة والقاسم وسالم واسحاق أن لكل قوم رؤيتهم, وقال قوم إنه يعم جميع من أدركهم خبره, وهو قول الليث والشافعي وأحمد, ولا أعلمه إلا قوال المدني والكوفي.
[
ترجمة ابن بشكوال المعروف بابن الفخار ]
فقوله : إن ذلك كان ابتداؤه قبل المائة السادسة بل قبل المائة الخامسة هو الصحيح لما ذكرناه عن القاضي أبي بكر بن العربي . وقد كان الإمام أبو عبد الله بن بشكوال المعروف بابن الفخار مقيما بالمدينة النبوية ، وكان من المشاورين في الفتاوى والأحكام . وذكر بعضهم أنه كان إماما في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن بالمدينة يومئذ بدعة ، وكانت وفاته بالمغرب سنة خمس عشرة وأربعمائة ، فلما قويت شوكتهم صار الحكام وصارت الخطابة فيهم وشهود البلد منهم وعامتها وسكان نواحيها وأهل باديتها كلهم على هذا المذهب ، وأهل السنة يومئذ قليل عددهم جدا مستضعفون بينهم إلا إمامة الصلاة كانت مضافة إلى أهل السنة ، واستمر على ذلك إلى حدود سنة خمس
[451 /2]
وثمانين وستمائة ، فبعث سلطان مصر إلى المدينة حاكما شافعيا من أهل مصر وأضيفت إليه الخطابة والإمامة ، فلم يتعرض لمنعهم من الأحكام ، فكانت جل الحكومات راجعة إليهم . ولم تزل أحكامهم نافذة إلى سنة ست وأربعين وسبعمائة ، فمنعهم أمير المدينة من الحكم بقيام القاضي تقي الدين الهوزيني الشافعي في ذلك ، فانقطعت أحكامهم .
بألفاظها لا تتأخر عنها طرفة عين. وجمهور أهل المذهب يلزمون الثلاث. وبمثل هذا يقولون في العطف بالواو والفاء وثم، وسبب ذلك عند الجمهور أن الإنشاءات لما تتابعت وأردف بعضها بعضا صارت في حكم من وصف بالمصدر وميزه بثلاث وأسقط في الإنشاء حكم الفاء وثم في ترتيبهما باتصال أو انفصال، وقالوا إن ذلك مختص بالأخبار. ويوضح المعنى الذي أشرنا إليه من أنهم عدوا مرسل الطلقات متتابعة كمن جمعها في كلمة واحدة كأنت طالق ثلاثا، أنهم قالوا فيمن طلق ثلاثا وتابع أنت كظهر أمي لا يلزمه الظهار، وكذلك القول فيمن قال لمن لم يبن بها أنت طالق وأنت كظهر أمي بخلاف أنت طالق أنت طالق أنت طالق تلزمه الثلاث، بخلاف متابعة ظهار الطلاق. قال ابن أبي زيد: فرق بينهما أن الطلاق لما كان من جنس واحد عد كأنه وقع في كلمة واحدة، ولا كذلك الظهار والطلاق، فإنه لا يمكن جمعهما في كلمة واحدة. وأما مسألة الأمة تعتق تحت العبد وما ذكرتم فيها من النظر في كلام الإمام اللخمي حسبما قررتموه، فالذي أعتقده على القول إن طلاق المعتقة رجعي كما وقع له في المختصر أن الرجعة في هذا بيد الزوج، ولا يحتاج في هذا إلى سلطان، إذ السلطان لو كان الطلاق بائنا لا يستطيع الرجعة، إلا لا يقلب البائن رجعيا، ومع رجوع الزوج لا يكون للمعتقة أن توقع طلاقا آخر ولو كان الزوج بصفة الرق، لأن الطلاق اختيار نفسها قد أوقعته ولم يجعل لها غيره.
[طلاق المولي والمعسر رجعي]
فإن قلت: قد يشترط من جعل الطلاق رجعيا عنق الزوج في الارتجاع.
كانت استرعت قبل الخلع فلا خلاف في جواز القيام لها، وإن كانت لم تسترع ولم تعلم بالبينة، فلها القيام أيضا، ولا يضرها ما تقيد عليها في كتاب الخلع أنها فعلت ذلك طيبة النفس غير مكرهة. واضطرب فيها قول ابن العطار. قال بعض الموثقين: والأشبه عندي أنها إذا أثبتت الضرر لمي ضرها ما انعقد عليها. قال: وإلى هذا ذهب بعض شيوخنا وإليه ذهب ابن الهندي وابن العطار وغيرهما من الموثقين. وقال ابن عفيف في وثائقه: إن استرعت كان لها القيام. فظاهر كلامه أنه لا ينفعها إثبات الضرر وحده حتى يتقدم الاسترعاء.
انتهى. ما فيه الكفاية من مسائل الاستحفاظ عن أئمة المذهب الحفاظ. وغرضنا الإيجاز والاختصار، دون الإطناب والإكثار، وفيما أتينا به من ذلك كفاية لمن له بالعلم فهم وعناية. والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد الكريم وعلى آله وصحبه وسلم أفضل التسليم.
وكتب بتاريخ العاشر لذي قعدة من عام إحدى وسبعين وسبعمائة.
[معنى الاسترعاء والاستحفاظ وما يشترط في ذلك]
وسئل الشيخ أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم التجبيي(¬1) فقيل له: فسر لنا يرحمك الله الاسترعاء الذي أسمع العامة تقوله، ولا أعلم له أصلا، مثل الرجل يخاصم صاحبه، وتطول الخصومة بينهما، فيتداعيان إلى الصلح، فيشهد أحدهما في السر أني إنما أصالحه لأثبت حقي هل ينفعه ذلك الاسترعاء؟ أو يشهد في السر إني لا أطيب له نفسها بهذا الصلح، وإنما مني على وجه دفع خصومة، لا على الإيجاب، فيصالحه، ثم يقوم بما استرعاه أو يعتق العبد ويشهد قبل عتقه إني إنما أعتقته على الاستصلاح له والخديعة، أو يبيع البيع ويشهد قبل ذلك بمثل هل ينفعه في مثل هذا؟ فإني أكرمك الله لم أعلم بهذا يجوز إلا في كل موضع تقية، وخوف من ظلم
[527/6]
وغلبة. فإن لم يجز ذلك إلا في مثل هذا، فهل نجيزه في الطلاق وغير ذلك؟ فأفتنا يرحمك الله.
ورأيت لغير سحنون من متأخري أصحابنا فيمن اشترى عرصة فثبت أنها حبس على معينين, وقد بنى فيها أن يقال للمحبس عليهم أعطوه قيمته قائما, ويكون لكم الانتفاع به إلى وقت يسقط حقكم في الحبس بالموت أو بانقضاء الأيام إن كان مؤجلا, قال فإن رجعت الأرض إلى من حبسها كان للورثة المحبس عليهم أن يأخذوا قيمة ذلك قائما كما كان ذلك لوالدهم, لأنهم يحلون محله, فإن أبوا كانوا شركاء معهم بقدر ذلك, وإن أبى المحبس عليهم أن يعطوا قيمة البناء قائما, قيل لمالك الأرض أعطه قيمة ذلك قائما أو يكون شريكا مع المحبس عليهم بقدره, وإن أبى كان الباني شريكا بقدر قيمة البناء قائماص, فما نابه سكنه أو باعه, وما ناب المحبس عليهم سكنوه, فإن انقرض حقهم في الحبس عاد القدر إلى الحبس. وهذا على أحد قولي مالك أن الحبس على المعين يعود ملكا. وأما على القول أن مرجعه مرجع الأحباس, فإنما يعطي قيمته قائما على أنه يبقى إلى انقضاء حد من حبس عليهم, ثم يهدم كما تقدم, وأما على قول سحنون فالحبس وغير الحبس سواء, فيجوز للباني أن يعطي قيمة الأرض إذا لم يعط قيمة البناء, ولعل القيمة في مثل هذا ويجعل القيمة في مثله, هذا ما حضرني في مسألتك من كلام أصحابنا رحمهم الله تعالى, والأشبه عندي بل هو الأصح أن يكون للذي اشترى الأرض وغرسها قيمة غرسه قائما, لأنه لم يتعد في الغرس فيكون من استحق مخيرا بين أن يعطيه قيمة غرسه مقلوعا ويطالبه مقلوعا, بل يكون لغرسه مزية فإنه إنما دخل على أنه يغرس في ملكه, فلم يكن مستورا,
[446/7] ولا داخلا تحت قوله عليه الصلاة والسلام: "وليس لعرق ظالم حق". هذا الذي يتوجه عندي في قيمة الغرس. والله بحقيقته أعلم والله الموفق للصواب.
[من حبس حصة من دار]
وسئل عمن حبس حصة من دار.
447/9] فلانة المذكورة حين أشهدت بترشيده المذكور في الرسم الأعلى وقبل منها كان سفيه الرأي غير عارف لمصالحه ومراشده وأن ما عقد مع أمه في المفاصلة والتسليم لها وما باعه لنفسه مما انفرد به بعد الترشيد المذكور هو يريد حل ذلك كله والرجوع فيه وشهدت له بينة بصحة دعواه من السفه وعدم المعرفة بما ينفعه وقام مبتاعو الأملاك منه ومن أمه وادعوا خلاف ما ادعى هو وشهدت لهم بينة بأنه كان رشيدا عارفا بمصالحه وفوائده وبالبيع والشراء وطال بينهم في ذلك الملام وكثر النزاع والخصام والتردد إلى الأحكام مدة من نحو عام فاقتضى نظر القاضي أن حكم بصحة ترشيد أمه إياه وإمضائه أخذا بقول من قال بذلك من أهل العلم وهو أن وصى الأب إذا قال آنست من محجوري الرشد وأشهد بترشيده وإطلاقه فإنه ينطلق من الحجر وإن لم يثبت رشده فعلى هذا ترشيد فلان ماش وما عقده مع أمه وما باعه بعد الرشد صحيح لا سبيل لحل ذلك ولا لشيء منه ولا لنقضه ولا لرده حكما أمضاه القاضي المذكور وسجل به شهد عليه بذلك كله من أشهده به وأشهد بثبوت رسم الترشيد ورسم المفاصلة لديه الثبوت التام وهو بمجلس حكمه ومقعد قضائه من حيث ذكر في كذا، انتهى.
وسئل التونسي عمن توفي والدهما وترك عقارا من صياغ وغيره ، ثم سافر أحد الأخوين وترك أخاه مقيما بالمدينة فأقام بينة أن أخاه سافر إضرارا به وطلب من القاضي قسمة الربع الذي تركه والده بينهما ، فأجابه القاضي إلى ذلك بعد إثبات الملك وغيبة أخيه ، فقسم كل ما للغائب عدا ربع المدينة . ثم توفي الغائب في سفره وترك أخاه المذكور وزوجته فطلبت تركة الزوج بصداقها وبقية وجبت لها ، فأخرج الأخ وثيقة على أمها وأن له عليها سلفا خمسة وعشرين دينارا وأشهدت على نفسها ولدها الغائب الميت ، وكتب شهادته بخطه ، وشهد عند القاضي أنه خط الميت ، فقال القاضي : لم لم تقم بذلك فبل القسم ؟ فكان من حجته أن الوثيقة كانت غائبة عني ، وربع المدينة وهو أكثر من الدين لم يقسم ، وبعد الوثيق عني ، وهل خط الميت حجة عليه كالإقرار أم لا ؟
فأجاب : للأخ القيام بما أثبت من الدين على أمه وله الحجة فيما ذكر من ربع الحاضرة أنه لم يقسم وفيه وفاء مع اعتذاره بغيبة الوثيقة ، وخط الميت [431/10] على أمه بما أقرت به لأخيه حجة عليه لصاحب الدين بما سقط بوجه من الوجوه .
[لا يحتاج الأب في بيع العقار على ولده إلى إثبات حاجتهم إلى النفقة]
وسئل أيضا عمن تصدق على أولاده الصغار في حجره بربع وورثوا ربعا من قبل أمهم ، ثم باع الجميع لولده الكبير من غير حاجة وأقر بالقبض والاستفاء ، وباعه ببخس وذكر أنه باعه في نفقته عليهم ، وله غلة قدر نفقتهم وأكثر ، وفعل ذلك هروبا من جدتهم لأمهم مخافة أن ترث شيئا منه عليهم ، فهل هذا البيع جائز أم لا ؟ وإذا لم يجز فهل يبقى بيد الأب بعد استرجاعه أم لا ؟