أحدهما : أن للوالد أن يقول لنا ما أمرته إلا أن يجيب بما هو دون هذا القول ، كما ثبت في قول الذي يقول كل ما يشهد به فلان علي فهو صحيح ، فشهد فلان عليه فقال لا أرضى بما شهد به ، فإنه يقبل قوله لا أرضى بما شهد به علي لأنه باطل وأنا ما ظننت أنه يشهد علي بباطل .
وثانيهما : أنه إذا اجتمع المتسبب والمباشر في الجناية قدم المباشر ، وهو هنا الولد . هذا ما عندي في أمر الوالد . وأما قول الولد أحمد بن أحمد بن عيسى لأبي الفرج المذكور الله يلعن إلخ ، فقول شنيع لما وقع فيه من ذكر الجد ووصفه
[552 /2]
بالأولية ، وفي سبه الجد وحده عقوبة شديدة لاحتمال وقوعه على الجد الأقرب والأبعد ، فتجب فيه العقوبة لاحتماله الجد الأبعد الذي هو النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف وقد وصفه بالأولية فتعين فيه الأبعد ولا يصح حمله على الجد الأقرب ، لأن الناس في أمثال هذا البساط من المشاتمة وتداري اللوم إنما يقصدون بذلك التغليظ في السب واحتقار الساب المسبوب حتى لا يبالي به ولا بأحد من آبائه ، ويريدون بوصف الآباء والأجداد بالأولية الانتهاء إلى أقصاها وغايتها التي ينتهي المسبوب إليها ، إما في الشرف والجلالة وإما مطلقا ، هذا هو عرفهم في ذكر لفظ الأول في هذا البساط لا يكادون يختلفون فيه ، فإن حملناه على الجد الأول في الشرف والجلالة تعين النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن حملناه على الأولية المطلقة تعين آدم عليه السلام .
فأجاب: من كان يحاسب نفسه لله فليستقض فيما يعمل فإن كان أصحاب هذا الربع ابتدءوا عرض ربعهم فمالوا إليهم بطوعهم وباعوا منهم باختيارهم وأخذوا منه المال راغبين غير مكترثين بعيبه فإن حرث فيه ما طاب كسبه طاب له ذلك ويعمل على أنه كل ما أفاد من كسبه طيب يتصدق منه عن الكسب الخبيث فإن استقصى ذلك ووداه كله وفيه
[572/9] ما قد وداه قى ثمن ذلك الربع فقد سقط عن بائع الربع عيب المال الذي قبضوا والله أعلم.
وسئل عن رجل أصاب جمل رجل مريض يريد أن يموت أو انكسر أو انهدم وليس فيه مطمع فأراد أن يذكيه ليحرز على مولاه بعض منه لا يموت جيفة فيذهب خسارة فنحره فقال له مولاه تعديت في نحره بغير أمري فتضمن.
فأجاب: صاحب الجمل بالخيار إن أحب أخذه وإلا ضمنه قيمته حين نحره على حالته من الهلكة في المكان الذي نحره فيه.
وسئل عن عامل السلطان الجائر الظالم يأخذ العشر يأكلها ويغرم الناس بلا حق قال له وجعلني أودع له ذلك المال عندي ففعلت ذلك مرارا.
فأجاب: إن أكرهك على الإيداع ولم تقدر على الامتناع وأكرهك على الأخذ منك لم يلزمك غرم والمغارم في بلد لا بد فيه من هذا غير صواب.
وسئل عن قوم عادتهم إطلاق إبلهم في الشعراء ترعى فيأتى يوم تشرب فيه الماء فيسقي كل إنسان جمله ويخليه يرجع إلى المرعى ولا راعي لهم فأتى رجل إلى الماء فأصاب جمله وجملا لغيره فسقى جمله والجمل الذي لغيره ورجعا معا إلى الرعي فتلف الجمل الذي سقاه مع جمله فقال له صاحبه لو تركت جملي لم تسقه لكنت أنا أجده حول البير فنأخذه فلما سقيته أنت ورجع يرعى تلف فهل يلزمه من ذلك شيء؟