القذف فيلزمهما حد الفرية كما ذكرنا النصوص عليه . والابتداء بالسب تعريض من المبتدئ لنفسه ولآبائه أن يسبوا ، ويقال له ما قال في غيره وزيادة ، وذلك موجب لتعزيره والنكال له بقدر ما يليق به ، وذلك موكول إلى نظر الإمام . فلو لم يصدر من ابن عيسى المذكور جواب لأبي فرج لما ابتدأه أبو الفرج بقوله ما فيك فضل ، لوجب تعزير أبي الفرج في ابتدائه بالسب أو التجافي غنه لكونه من ذوي الهيئات بحسب ما يراه الإمام ، ولكنه لما جاوبه ابن عيسى الوالد بنحو ما قال وبزيادة كثيرة عظيمة على ما قال أبو الفرج كان في أخذه بالمثل وقوله مثل ما قيل له في نفسه(¬1)مقتصا وعاملا على مقتضى قوله تعالى : ﴿ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات . وكان فيما زاده من ذكر الآباء الفضلاء الأكابر علما وعملا وشرفا وفضلا بأسوإ ذكر متعديا ، فتوجهت عليه العقوبة الشديدة لما جاء به من القبائح المتعددة في الشتم التي كل واحدة منها أقبوحة قائمة برأسها ، لأنه سب بأقبح سب أربعة من الشرفاء ، وهم الفقيه الأنجب أبو الفرج ، وشيخنا الإمام العالم العارف السيد أبو يحيى ، ووالده شيخ شيوخنا الإمام العالم العلامة المتقي المحقق الحجة القدوة السيد أبو عبد الله الشريف ، والرابع الشيخ الفقيه الأجل العدل الصالح الأرضى السيد أبو العباس أحمد والد سيد أبي عبد الله المذكور ، وكلهم أهل علم وفضل وجلالة قدر عند العامة والخاصة ، فسب كل واحد من هؤلاء الشرفاء الفضلاء بأقبح سب أقبوحة عظيمة تستحق عقوبة على انفرادها ، فإذا اجتمعت مع أخواتها عظمت عقوبتها . قال عياض في الشفا : وسب آل بيته وأزواجه وأصحابه عليه السلام وتنقصهم حرام ملعون فاعله .
570/9] وذلك أن سبب الرياسة في الوقت إنما تعزى لمن أقامها له صحبة سلطان الوقت فليس يخلو هذا المخصوص بهذه الرياسة إن كان سببها العلم أو بابا من أبواب الديانة من أن يكون مفتقرا إلى موعظة أو نصيحة وأيها تكلفت في الوقت لم تؤمن عاقبتها وإن أغفلت وقصد مستأهلها بسؤال في حاجة ما قارن السؤال استعطافه ما يلين قلبه فيريه ذلك أنه مرضى الحال ونصيحتك عندي في أن تثبت على حالك ولا تفتح على نفسك بابا لا تدري ما غلقه وأن لنا في شيخنا أب إسحاق إسوة حسنة وما كنت أحب لإخوانك أن يتعرضوا بك هذه المواطن ولا يجعلوا غرضهم منك التوسل بك إلى المخلوقين وأحسن لهم إن كان تقدم لهم منك وعد أو لم يتقدم أن تصرف مسألتهم إلى من يملك الأمر وحده ولا يكون شيء إلا بإرادته هو الذي رأيت لك أن تمتثل في هذه القصة وفيما عسى أن يأتي من مثلها وبالله التوفيق.
وسئل عن رجل ادعى على رجل أنه أخذ له جملا فقال له ما أخذت منك شيئا، فاشتكى إلى السلطان فقال له أحضر البينة، فشهدت له البينة بأنه أخذ الجمل وباعه فقال له السلطان ادفع إليه جمله أو أعطه المال الذي بعت به الجمل والبينة لا تعرف الجمل ولا وقفوا على بيعه فأدخلوا بينهم رجالا في الصلح فصالحه بتسعة دنانير على أنه يعطيه نصف المال من الزرع والنصف الباقي إلى شهر فقال له لا أقبل منك إلا أن تعطيني من يكون مالي عليه وفي ضمانه فقال له رجل مالك عندي وفي ضمانتي حتى أوصله إليك في الأجل المذكور، ولا شيء له عنده فقال له قبلت ورضيت وبعد ذلك بمدة مضى إلى السلطان الرجل الضامن بالمال وأعنوا على الرجل الأول بالسلطان فأغرمه السلطان أربعة دنانير وأعطاه البقر التي له فأخذها واستخدمها أو حرث بها هل يلزمه أجر البقر والعدوة؟