جاهلية لا يتقيدون بشريعة ولا بما يلزمهم الصدق في الأخبار إلا مجرد العادة . وهذه اللوازم كلها باطلة ، فيبطل ملزومها ، وهو القول المذكور . فإذا تقرر ذلك فكل من يرمي من اشتهر بهذا النسب الكريم عن نسبه مع علمه بهذه الشهرة فهو قاذف له فيلزمه حد القذف . قال في التهذيب : ومن قال لعربي لست من بني فلان لقبيلته التي هو منها حد . انتهى .
والشرفاء عرب لأنهم منسوبون إلى الحسن والحسين بن علي بن أبي طالب ، فمن قال للشريف لست بشريف فإنه رماه عن السبطين العربيين رضي الله عنهما . وقال فيه أيضا فيمن قال لرجل من ولد عمر بن الخطاب لست ابن الخطاب فإنه يحد لأنه قطع نسبه . وقال فيه أيضا وإن قال لرجل لست ابن فلان لجده وقال أردت أنك لست ابنه لصلبه لأن دونه لك أب لم يصدق وعليه الحد . انتهى .
انظر كيف أوجب عليه الحد مع إمكان التأويل في كلامه وإمكان قصده لما قال ، ومع ذلك لم يعذره ، وذلك لأن الشرع حمى حمى الأنساب جملة حتى أوجب الحد فيها بالتعريض وحافظ عليها محافظة عظيمة ، فكيف لمن ينتسب إلى أشرف الأنساب . وقال صاحب المفيد في القذف ناقلا عن الكافي : إنما يجب الحد بأحد المعنيين ، إما قطع نسب مسلم مشهور النسب ، أو رميه بالزنا في نفسه أو ما أشبهه . انتهى .
فأجاب: ينظر القاضي في هذه القضية فإن تبين له أنه قبض وصيفته قد القبض عدا إليهم وأرسل إليهم من ظلمهم وأخذ منهم ما ليس له عندهم وكان هو الذي استأجر هؤلاء الرسل بهذه الدراهم لأمر صوره عند من وجههم بدعوى عليهم لا أصل لها وإنما قصد نكايتهم بهذا الغرم الذي علق عليه سبب الدعوى وهو قاصد إلى الظلم فيها فإني أرى في هذا وفي مثله أن العادي يغرم ما أمر بتغريمه وصبره أجرة لرسوله مع ما يناله من سوء العقوبة المولمة ليكون ردعا لكل باغ يبغي على من أنصفه أو دعاه إلى المناصفة وأمكنه منه فأبى وخالف الحكم وعدا بالبغي على نحو ما وصفته وشرحته لكم هذا الذي عندي وبالله التوفيق.
وسئل عن رجل قال أنا ساكن طساس فسافرت إلى المنستير فحرموا على سكناها.
فأجاب بأن قال: نعم كان الصالحون يكرهونها، قال له فما ترى فيما حصل في يدي من زرعها؟ فقال له الشيخ تخرج كراء الأرض دراهم فتدفعها إلى الفقراء فقال له أرض طساس إنما يأخذ السلطان النصف مما يخرج فلا يعرف ما يساوي كراؤها بالدراهم فقال له الشيخ يقوم ما يساوئ كراؤها وهي حرة بالدراهم فقال له الرجل ليس أحد يعرف هذا ولا يقومه فقال له الشيخ فينظركم يساوي كراء ما قاربها من الأرضين الحرة فتدفع إليهم دراهم قال له
[569/9] فإن لم يجد من يقومه قال ينظر إلى ما يصنع من قاربها من الأرضين فإن كانوا يكرونها بالربع أو بالخمس أو بما كان من الأجزاء فتنظر أنت إلى ذلك الجزء مما في يديك فتدفع ثمنه إلى الفقراء قال له فقير طبساسي الذين يكرون الأرض بالجزء كيف يصنع فقال له الشيخ إذا لم يأخذوا كراءها دراهم وأخذوا ذلك الجزء الذي لم يضر ذلك الطعام قال له وليس علي أن شيء فقال له أما ما في يديك فليس عليك فيه فساد وإنما يدخل الفساد فيما في يدي أولئك وإنما عليك أنت أنك تعينهم على الفساد وأما ما في يديك من طعامك فليس عليك فيه فساد.