ومن حرماته صلى الله عليه وسلم أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين ، وكذلك أصهاره وخدمة مواليه ومن هو منه بسبب من المؤمنين . ومن حرماته صلى الله عليه وسلم علماء أمته القائمون بشريعته المحيون لسنته الناشرون لدينه المتمسكون بحبله العاملون بعلمهم الذين لا يشترون بآيات الله ولا بعلمهم ثمنا قليلا .
ومن حرماته صلى الله عليه وسلم سائر أمته المؤمنون به التابعون لما جاء به السالكون سبيله المقتفون آثاره ، وهم إخوة في الإيمان ، فيجب أن يراعي بعضهم لبعض حق هذه الحرمة وحق هذه الأخوة . قال الله تعالى : ﴿ إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ﴾ . وهذه الحرمة وما أشبهها إنما تجب مراعاتها ما لم تنهك حرمة أخص منها من
[545 /2]
حرمات الله تعالى ، فإذا انتهكت الحرمة الخاصة تلاشت الحرمة العامة الإيمانية عندها . قال تعالى فيمن ينتهك حرمة الفروج : ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ ، وكذلك سائر الحدود وما يلحق بها ، والله أعلم .
فأجاب: ما ترك هو لمن تركه قليل ولا يتخرج هذا على غصب نصف مشاع لأن هذه مظلمة يمكن تجزيتها فإذا سقطت عن أحدهما فلا يدخل صاحبه فيه نعم يدخله استحبابا عدم استبداده.
وسئل عمن أرادا الحج وقصد طيب مكسب يمشي به وبيده ضيعة بالميراث والشراء وقد سبق عليها غصب من بعض بني عبيد لمن سلف له من أجداده وشهد بذلك من يثق به وبعدالته فهل يدخل عليها فيما ينفقه في الحج أم لا؟ وفي ضياعه أيضا في بلدة يجرون مياههم إليها على رسم معلوم وطريق مفهوم ثم عقل هذه البلدة يد غالبة فأجرى مياهها على خلاف رسمها ومتى طلب إنسان منهم على أنه لا يسقي إلا على الرسم القديم هلكت ضياعه وغلتها لأن من بأديديهم الأملاك جرت أحوالهم على هذه اليد الغالبة فهل إذا نقل السائل بعض هذه الغلة وأدخلها فيما يوصله إلى الحج يكون طيبا أم لا وفي من له نعمة كثيرة وكسب وميراث ولصق بالسلطان واشتهر به فكلفه النظر في ناحية وشرفه على عمالته فصار له مكنة ويد ثم عدا عليه السلطان فباع رباعه لخلاصه فاشترى رجل منها ضيعة ثم باعها ثم اراد هذا المتحري للحج أن يتسلف من ثمن غلة هذه الضيعة من مشتريها الثاني أو يشتري الغلة منه وأصل الضيعة للبائع الأول طيب وهذه الضيعة صارت لمن له ذمة واسعة فهل يسوغ له التسليف منه أم لا؟ وفي بلد جعل فيها السلطان سكة تضرب من مال واليها ليس من مال التاجر والوالي ظاهر الظلم والتعدي وانتشرت تلك السكة حتى لم يجز في البلد في جميع البياعات إلا هي فباع هذا المتحري طعاما وزيتا بهذه الدراهم فهل يجوز له أن يتصدق بهذه الدراهم فيما يصلح للحج أم لا؟ وإنما يبيح طعامه للتجار.
[