والجواب عنه والله اعلم أن ذلك جار على قول مالك في المالين المختلطين مما لا يعرف بعينه أن ما ذهب منهما وما بقي يفض على المقدار المختلط دون مراعاة احتمال ذهاب أحد المالين دون الآخر, فبني مالك أمره في ذلك على مراعاة الأجزاء المختلطة حسبما أشار إليه الشيخ أبو الحسن الصغير في تضمين الصناع, وابن أبي زيد في كتاب الوديعة من النوادر. ويجري أيضا الفض المذكور هنا على قول ابن القاسم الذي يقول: يقسم المختلط على حسب الدعوى. وقد قال القرافي في تنقيحه: الخلط إما شائع أو بين الأمثال, وكلاهما شركة انتهى. والله تعالى أعلم.
[410/1] نوازل الصيام والاعتكاف
[من سمع بظهور هلال شوال وأفطر ثم تبين خلاف ذلك]
وسئل الشيخ القاضي أبو القاسم بن سراج عن أهل وطن اخبروا بظهور هلال شوال بموضع آخر, فمنهم من صدق وأكل, ومنهم من ترددت نيته.
فأجاب إن عيد الفطر المسؤول عن لم يثبت أنه كان يوم الخميس بشهادة من يعتد به, فمن أفطر ذلك اليوم فعليه القضاء, ولا كفارة عليه لأنه متأول غير منتهك. وأما من رآه وتحققه من غير شك, أعني رأى هلاله فأفطر فهو غير آثم فيما بينه وبين الله, وكان من حقه أن لا يفطر كما قال مالك في الموطأ, لاوهو المشهور في المذهب. ولا يجوز أن يبني الإنسان في رؤية الهلال إلا على عدلين محققي العدالة فأكثر, وعلى جماعة يعلم أنهم صادقون بالعادة. ولا يجوز أن يعتمد في الأخبار أنه قد ثبت رؤية الهلال إلا على رجل صادق عنده, وأما المتردد ولم يفطر فصومه صحيح.
[شروط الشهادة على رؤية الهلال]
وسئل عن الرسم الوارد برؤية الهلال المذكور.
مضى من عمل من سمينا ، غير أن أهل الجهل من أهل العراق أبوا من ذلك ، واحتجوا بأن ليس ذلك موجودا في كتاب الله ولا صحيحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الخلفاء من صحابته رضي الله عنهم ، وقالوا : لا سبيل إلى مفارقة كتاب الله في قوله : ﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ﴾ ، وفي قوله : ﴿ وأشهدوا ذوي عدل منكم ﴾ ، فلا نفارق هذا من قوله عز وجل إلا إلى سنة قائمة ثابتة في اليمين مع الشاهد ، فإن لم يكن ذلك فإلى حكم ثابت به من أحد الخلفاء من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ كانوا ما قضوا به بين أظهر الصحابة فلم يكن إلا عن سنة معلومة عندهم ، وأنهم كانوا إذا سمعوا شيئا ينكرونه لم يكن لهم بد من الاعتراض فيه ، فلم يأتنا بشيء في ذلك إلا شيء لا يصح عن علي أنه قضى به بالكوفة ، ومثله عن معاوية أنه قضى به بالشام ، كلاهما غير ثابت عنه . فهذا ما عليه الجلة العظماء من أهل العراق ، وحجتهم غير مدافعة . وإلى ما ذهب إليه أهل العراق كان يذهب الزهري والليث بن سعد ، وهما من هما لا سيما الزهري في علمه بالحديث وقربه من الصحابة ، فإنه كان النجم الذي يطلع فيه إليهم في زمانه ، وهذا الدليل أنه لم يصح عنده في اليمين مع الشاهد شيء يأخذ به فيه ، ولو صح فيه لما خالفه . فهل على من أخذ بهذا من مذهبهم درك في دين أو نقيصة في علم لو لم يظهر من سوء الأحوال التي أنكروا به احتياط من احتاط فيها فيما احتاط ما ظهر ؟ فكيف مع الذي ظهر من أهل الزور والجور والاستخفاف بوعد الله ووعيده في ذلك . فمن لم ير أن من فزع إلى الاستظهار بما ذهب إليه من سمينا الانقطاع إلى كتاب الله تعالى ، إذ لا سنة قائمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا حكم ثابت عن أحد من الخلفاء والصحابة ، فلا علم له ولا إنصاف لديه ، ولا رأفة من يضعف عن حقه بأسر من يأسره بزوره .
[
وإما أن لا يدفع واحد منهما، بل يؤخذ من الباء أن الطلاق ليس مجانا، ومن اشتراط الرجعة انتفاء خصوص الدينار لإيقافه على شرط لا يحصل، وإذا بقي أصل العوض رجع إلى مهر المثل، وكأنه خلع
[452/4]
[453/4]
بشرط فاسد، كما لو خالعها على أن لا عدة وحصلت البينونة بالعوض الشرعي، وهو أولى من العوض المعين، لأن ما ثبت بالشرع أولى مما ثبت بالشرط. وهذا قول المزني والإمام الغزالي، وأما إن ثبت الخلع والمسمى وثبتت الرجعة ويجعل المال عوضا عما نقص من عدد الطلاق، وروي عن مالك. وإما أن يسقط شرط الرجعة ويثبت المال المعين وهو عن أبي حنيفة وأحمد ورواية عن مالك أيضا. فلله تصرفهم وحرصهم على الأعمال ما وجدوا إليه سبيلا انتهى. فانظروا في هذا رحكمكم الله برأيكم السديد، والله يديم للمسلمين وجودكم.
فأجاب بما نصه:
مسألة في أرض لشريكين يشقها طريق عام للمسلمين.
زوج صير لزوجته في مرضه ثلث أملاكه في كالئها.
إذا تخلق الملوك هل يجوز لسيده أن يجعل في رجله خلخال حديد؟
إذا قدم الجماعة من يتصرف للمحاجير مع وجود السلطان هل يمضي تصرفه؟
صهيرج ادعاه رجلان بعد أن عفى، واحتج أحدهما بحيازته بالمرور عليه الخ.
إحياء الشهادة بمقابلة الشهادات المتكررة.
من أقام شاهدا واحدا بوكالة هل يحلف معه؟ أو لا بد من شاهدين؟
أخوان تقاررا على موت أخيهما واقتسما ماله.
ثلاث مسائل مختلفات.
إقرار المقدم على محجوره.
من ابتاع أرضا على أنه استحقت أعطاه البائع مثل ذلك.
أهل منزل لهم عين يستقون منها ولا يدعي أحد منهم الاختصاص بها.
من لهم ماء مشترك يصل إليهم في ساقية.
أجرة كاتب الوثيقة.
هل يفسخ حكم من قدمت القبيلة للنظر في أمور الأيتام والغيب؟
من مات أخوها عن ورثة وقسموا تركته وفوتوها فقامت تطلب ميراثها.
أخوان هلكا وخلف أحدهما أولادا الخ.
مسألة مما يتعلق بالمفقود والاستحقاق.
من تقاتلا ثم افترقا وبأحدهما جرح.
من له أندر متصل بأرض غيره وفي وقت الدراس يتوسع فيها هل يمنع؟
ثبوت النسب بشهادة السماع.
من مات ولم يعلم ورثته بما عليه من الدين، هل يتبع رب الدين ذمة الورثة.
هل يشترط تنجيز القبض في التصيير؟
من وهبت أملاكا لأخيها ثم قال في مطالبته لم تهب له أخته شيئا.
من غصبت منه أرض ثم استحقها فأراد الرجوع بغلتها.
من رأى ما لزوجته يفوت هل له في ذلك مقال؟
من حبس على أولاده جميع أملاكه مدة حياته.
من وهبت لابنها الصغير اليتيم جميع أملاكها وعند الحيازة أنكرت.
409
إقرار المصير الحوز كاف عن البيئة.
القاضي يتعين له حق يحتاج إلى التحاكم فيه فأين يكون ذلك؟
من طلب شخصا بحق فقال دفعت له بعضه.
أخوان لهما أخت في حجر أحدهما، وللآخر دين على أجنبي.
ما به العمل فيمن التزم شهادة شخص وجعلها حكما بينه وبين خصمه.
وسئل القاضي أبو علي الحسن بن عثمان بن عطية الونشريسي عن قول ابن الحاجب: فإن أشهد سرا فقولان.
فأجاب بما نصه: الحمد لله بجميع محامده، على جميع صنعه وعوائده، حمدا نستوجب به الجنة، ويكون لنا من النار جنة، والصلاة على نبيه محمد المصطفى، وأمينه على وحيه المجتبى، وعلى آله الذين اختارهم الله لصحبته، القائمين في جميع الأحوال بنصرته، صلاة تتعاقب على الدوام، وتتوالي على مرور الدهور والأعوام.
وبعد، فإن الشيخ الإمام أبا عمرو بن الحاجب، لما أشار إلى مسألة الاستحفاظ إشارة أخفى من غمز الحاجب. فقال: فإن أشهد سرا فقولان. وتكلم الشيخان الشارحان لكتابه: أبو عبد الله بن راشد(¬1)، وأبو عبد الله محمد بن عبد السلام(¬2) على ذلك بما فيه كفاية من الكلام سنح في خاطري أن أجلب كلامهما، وأضيف إلى ذلك من كلام من عرفت إمامته، وتحققت
[520/6]
درايته، وظهرت لي تواليفه وإملاؤه،وامتثلت فتاويه وآراؤه مما وقفت عليه من ذلك تارة بنصه، وتارة بمعناه، من غير تعد على أحد منهم في غرضه ومغزاه، بعد تقديم مقدمة تتضح بها المسألة، ويظهر للناظر فيها بينة غير مشكلة، وهي أن مسألة الاستحفاظ، قد كثر فيها الأقاويل والألفاظ، ولا يمتري أحد في إجارتها، وإنما الخلاف في إفادتها، وعدم إفادتها، لا كما يعتقده العوام، الذي لا يفهمون مواقع الكلام، والذي درج عليه الموثقون، وعليه في وثائقهم يعولون، ولا تجدهم في الأحكام على غيرهم يعرجون، إعمال الاسترعاء بعد زوال التقية، لكن يشترطون القيام بالفورية. وكيف يشك في جوازها، والموثقون دونوها في كتبهم، وعقدوا فيها الوثائق، وبنو عليها ما بنوه من الحقائق؟ وقد نص عليها مالك بنفسه رضي الله عنه على ما ستقف على ذلك كله إن شاء الله وهو المستعان وعليه التكلان.
وسئل ابن عتاب عن مسلم اشترى جنانا من يهوديين ونزل فيها وحازها عشرة أعوام أو نحوها واعتمرها, ثم حبسها بعد هذه المدة على بنيه, فإذا انقرضوا رجعت حبسا على طلبة العلم, وفي فك الأسرى وعتق الرقاب, ولتاريخ الحبس ثلاثة عشر عاما, وقام الآن يهودي يزعم أن هذه الجنة حبسها عليه عماه, وهما اليهوديان البائعان لها من هذا المسلم قبل التبايع المذكور, واستظهر بوثيقة تحبيس البائعين لها, قد كتبت بخط إسلاميين, ذكر فيها أن البائعين اليهوديين حبسا الجنة المبيعة على ابن أخيهما القائم, وعلى عقبه ما تناسلوا, وذكر فيها أن أحد اليهوديين المحبسين حازما حبسا من الجنة على ابن أخيه إذ كان صغيرا, فهل تجوز أحباس اليهود؟ وهل بيعهم لما حبسوا جائز أم غير جائز؟ وهل تجوز حيازة أحد المحبسين؟ وهل ترى أن ينقص حبس المسلم بحبس اليهود؟ وهل تجوز شهادة المسلم على خطوط المسلمين في حبس اليهود أم لا؟
فأجاب ابن عتاب رحمه الله: قرأت رحمنا الله وإياك خطابك, وفهمت سؤالك, وأحباس أهل الذمة تخالف أحباس المسلمين حماهم الله وكفاهم, وتفارقها لوجوه يطول ذكرها, منها: أن المسلم لا رجوع له في حبسه, ولا سبيل له إلى فسخه ونقضه, وواجب على القضاة إذا انتهى إليهم تحصينه بالاشهاد عليه, والتسجيل فيه, وعلى هذا جرى أمر القضاة رحمهم الله, والذمي إذا حبس ثم أراد الرجوع في فعله بنقضه وبيعه وبما شاء لم يعرض له ولا يمنع منه, ولا يحل للقاضي النظر في تحصينه وانفاذه لضعفه, وإلى نحو
[
443/9] مصلحتها فيجوز أن ينظر القاضي لها ويعيدها إلى الولاية كما ذكر ابن سهل عن الشيوخ فيمن رشد ثم ظهر الخلل في أفعاله وإذا ادعاها إلى الولاية بما ظهر من ذلك، فيسعه أن يجريها على حكم السفه الثابت في جهتها وترجع في عطاياها وهباتها ومحاباتها في بيوعها ومعاوضاتها وينظر مع الزوج فيما استهلك لها وعثا فيه من مالها لأنه عند ثبوت ما ذكر في جهته ظهر أنه أعمل الحيلة في إتلاف مالها وإحالة حالها واستبداده بذلك دونها ومثل هذا لا يهمله الشرع من النظر فيه وإجراء الأحكام على ما يقتضيه، وقد عارضت شهادة السفه المتصل شهادة الترشيد وشهادة السفه عند الفقهاء أعمل عند التعارض حسبما نصوا فلا يبقى باليد في المسألة غير حكم القاضي بالرشد لكنه حكم انبنى على تلك الشهادة التي ظهر الآن ردها وعدم التعويل عليها ولو أن هذه الشهادة ظهرت إذ ذاك ما حكم بتلك فبهذا النظر يظهر صحة ما أبداه ابن عات في المسألة بعينها في طرره إن نفذ حكم القاضي حكما ظهر الآن خطؤه فيجب تلافيه لا سيما على مذهب ابن القاسم الذي لا يعتبر ولاية ولا ترشيدا وإنما يعتبر ما كان الإنسان عليه في نفسه من سفهه أو رشده، وقد كان الحكم بهذا المذهب في الأندلس قبل هذا الوقت فراعى في خصوص هذه النازلة، وقد قال الفقهاء في المرأة إذا وهبت لزوجها أو أسقطت ما هو من حقها ثم طلقها بعد التاريخ بما لا يعد طولا كثيرا أن لها الرجوع في هبتها تقول إنما وهبته له وأعطيته استصلاحا لعشرته واستدامة لزوجتيه فإذا فوت شرطي بأن طلقني فأنا راجعة في حقي، وقد يرى في هذه النازلة شيء من هذا المعنى وتقوى التهمة في جهة الزوج أيضا إن كان تقديمه لها وإفساده في مالها بمقربة من الترشيد الذي سعى فيه، فيظهر بذلك أن سعيه إنما كان لمصلحة نفسه ولمفسدة مال زوجه، قال هذا كاتبه بخط يده فرج بن لب لطف الله به، انتهى.
وما ذكرت من نقل المال إلى الوارث فذلك خطأ ممن فعله وجهل ممن قاله لوجوه ليس هذا موضعها . وما ذكرتم من فسخ الحاكم الثاني الحكم الأول لتركه تسمية الشهود فيه ، فهو جهل ممن وقع وسجل به عليه ، وليس هذا مما يلزم الحاكم النظر فيه إلا مع قيام المحكوم عليه أو وكيله أو وارثه بعد استيفاء حجج من له في ذلك حق ، فإن جهل الحاكم وأخطأ نقض الحكم إجماعا ورد الحكم لما كان عليه . والمعتمد عليه أن كل من يتوقف ثبوته وإبطاله على اختيار شخص فالحكم فيه بالصحة والإبطال قبل علم ما عند من وقف عليه محال ، ولو قدم الغائب فأقر بوقوع الحكم على الصواب ، لظهر الخطأ في الجواب ، ولو ادعى المدفع فيما حكم عليه لم يبطل بمجرد دعواه الحكم عليه ، ولا بد من الإعذار إلى غرمائه ، ومعرفة حجج خصمائه ، فإن أحضروا وثائقهم المتضمنة لديونهم ووافق كل واحد منها ما نسب الحكم ثبوته عنده للقائم بعقود الديون ، وثبت عند الحاكم الثاني عقود الدين كلها التي ذكر الحاكم الأول ثبوتها عنده لم يكن للقائم كلام ، وإن لم يثبت منها عقد واحد يمضي البيع ، ورد القضاء بعد يمين المبيع عليه ، وإن ثبت منها عقد واحد مضي البيع في الأول ولا سبيل إلى نقضه ، لأن ما يوجبه عقد واحد من البيع لقضاء الديون يوجبه جميعها ، فإن ثبت من شهودها شاهد واحد حلف القائم به ما شهد شاهده إلا بالحق ، ولا يحلف يمين القضاء لتقدمها . وإن نكل عنها حلف القائم وأخذ منه ما قبض من الدين ، ولا تعلق على الحاكم الأول في هذا الوجه . وأما إن لم توجد الوثائق وجهلت الشهود ففي تقديم الحاكم والمحكوم له كلام ليس هذا موضعه .