وجرى بحضرة الشيخ أبي الحسن القابسي رحمه الله ذكر المشارقة وأنهم يكتمون كفرهم ، وجرى ذكر قبول توبتهم ، فقال الشيخ : يقولون لم تقتلوننا ونحن نقيم شرائع الإسلام ؟ قيل له : وأي شريعة تقيمون ؟ قال : يقولون هذا الأذان شاهد ، ونحن نقيم الجمعة والحج . قيل له : فهم يظهرون الصوم على غير الشريعة ، وكذلك الحج إلا أنهم يعلنون . قال : فيقولون فإذا كنا عندكم كفارا بهذا فنحن مظهرون له . قال : تقولون هل هو إلا أنكم تقولون إنا نكفر ، ولا كفر أشد من الكفر بالله ، فنحن نسره ونظهره عندكم فاقبلوا توبتنا . قيل له : أول ما وضعوا أمرهم على كفر يسرونه . قال : فالذين في هذا الوقت ليسوا هم أولئك . قيل له : فما ترى ؟ فقال : يقال لهم أنتم تسرون كفرا تستترون به وتجعلون بينكم وبين الناس فيه الإعلان والتحاب ، وإلا فاتركوا بين الناس وبين الدخول عليكم ظاهرا واشهدوه للناس . قال : وأيضا فإنما يدخلون فيه على أنهم يعتقدون أن الذي يسمونه الإمام علامة ينتظرونها ، إذا ظهرت هدموا الإسلام وأظهروا الكفر . فيقال لهم : فلئن أيضا إذا استتبناكم وقبلنا توبتكم باعتقادكم لانتظار هذه العلامة وما تعتقدون أن تعملوه إذا ظهرت عندكم من أين لنا أنكم تبتم عنه وهو شيء لا ينسى وعمله له لا يستطيع ؟ قال : فهم مثل الساحر إذا قبلت توبته ، علمه بالسحر ليس ينساه ، وعمله له لا يستطيع يعلم أنه تركه وتاب عنه . قال : وما علمت أنه مسلم منهم في أيام أبي زيد ؟ فقال : أكره ولا أدري كيف كان حقيقة إكراهه ، إنما هو شيء أخبر به فبلغني أنه كان وقت دخوله خرج فذكر إلى ابن المحسبي وغيره . قيل له : وكان مستخفيا في أيام أبي زيد . فقال : ما كان إلا في الحلق فيما بلغني . قيل له : وله في الإكراه عذر مع مقامه في بلد هذه صفته مختارا . فقال : هذه علتنا لعد ، لأنه لا يجد
[528 /2]
540/9] كله، ولا تجوز شهادة السماع في هذا ولا يستخرج بها من يد أحد شيئا، ولو ثبت العقد بالشهادة فيه على البت والقطع لوجب أن يضم إلى بيت مال المسلمين ما يوجد من أصوله بيد ورثته، وأما ما فات منها بالبيع فلا سبيل على المشتري في شيء منها، والله ولي التوفيق.
وسئل عن امرأة لها حصة معلومة في رحى مع رجل على الإشاعة، فغابت المرأة عن الجهة أعواما معلومة وابنسطت يد الشريك على الاستغلال في الرحى ولم يدفع إليها ولا لأحد بسببها شيئا مما وجب لها في حصتها من علة الرحى، فلما رجعت إلى البلد الذي فيه الرحى طلبت نصيبها من الغلة للمدة التي غابت فيها عن الجهة، فسوفها ومطلها، تارة يقر وتارة ينكر الاستغلال حتى أدركه حينه فمات، وطلبها متماد، والعدول يشهدون لها بكل ذلك وترك مالا فيه ورثته بين لنا ما يجب لهذه المرأة في حصتها من الغلة للأعوام المذكورة وكيف وجه إعدائها على ماله بها وسبب الوصول إلى ذلك مأجورا مشكورا، إن شاء الله.
فأجاب: إذا أثبتت المرأة حصتها من الرحى وأن الشريك اغتلها الأعوام المذكورة وجب أن تعدى فيما تخلفه بكراء حصتها تلك الأعوام التي اغتلها فيها على ما يقدره به أهل البصر والمعرفة بعد الإعذار إلى الورثة والعجز عن الدفع.
[شهادة الشهود بقيمة المغصوب على التقريب]
وسئل عن رجل شهل عليه أنه استغل ضيعة رجل ظلما وعدوانا. ثم شهد الشهود أن قيمة الضيعة على التقريب مائتا مثقال وخمسون مثقالا هل تجوز شهادة الشهود على التقريب دون معاينة بيع المستغل بقيمة محدودة أم لا؟ وأثبت الرجل المطلوب أنه كان يعمر الضيعة ويقوم عليها ويؤدي عنها الخراج للسلطان هل يجب أن يقطع له مما شهد به عليه حق العمارة وما أداه من الخراج؟ بين لنا وجه العمل في ذلك يعظم الله أجرك.
فأجاب: لا تجوز شهادة الشهود على التقريب والتخمين، وإنما تجوز على القطع والتحقيق ومعرفة الاستغلال، فتستنزل البينة حتى تشهد على
[