الأول: أن قول لا زكاة حتى تبلغ بربحها أربعين, ظاهره إذا بلغت العشرين فأكثر ونقصت عن الأربعين ولو بجزء قل لا زكاة. قد يقال إذا بلغت عشرين فأكثر تزكى عند حول الثانية على كل احتمال, إذ من المحتمل أن تكون الخمسة هي الأولى أو الثانية أو مركبة منهما أن كانت من الأولى فواضح لولا ما عرضنا من الاحتمال الذي تلزم عليه الزكاة قبل الحول, فتؤخر الثانية كما تقدم في الفرع الأول, وإن كانت من الثانية أو مركبة فتزكى بحول الثانية ونقص الأولى او نقصهما معا, وأيا ما كان فتضم أولاها ناقصة إلى الثانية اتفاقا. فقوله لا تزكى حتى تبلغ أربعين مشكل أن بقي على ظاهره.
الثاني: سلمنا أنها لا تزكى حتى تبلغ أربعين, فقوله يزكى عشرين في المحرم وعشرين في رجب, يقال هذا أيضا لا يتمشى إلا إذا كانت الخمس المتجر فيها مركبة منهما معا على السواء, فيفض الربح على السواء, ولا علم عندنا بذلك. بل من جملة المحتملات أن تكون هذه الخمسة دينار منها من الأولى وأربعة من الثانية, فإذا فضت الأربعون على الخمس والأربعة أخماس
[406/1] صارت الأولى أيضا ناقصة فتضم إلى الثانية, فالنظر إذا زكاتها لحول الثانية على كل تقدير, والله تعالى أعلم.
وفي تاريخ بغداد للخطيب لما عرف بعبد الرحمن بن نافع حكى من حديثه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من أعرض عن صاحب بدعة بغضا في الله ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا ، ومن انتهر صاحب بدعة أمنه الله يوم الفزع الأكبر ، ومن أهان صاحب بدعة رفعه الله في الجنة مائة درجة ومن سلم على صاحب بدعة أو لقيه بالبشرى أو استقبله بما يسره فقد استخف بما أنزله الله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم » ، قيل وسواء كانت هذه البدع بتأويل كأصحاب الفرق ، أو بغير تأويل مثل ما يفعل كثير ممن ينسب للرباط .
ذكر المازوري في تعليقه على أحاديث الجوزي أنه كان بالقيروان رجل صالح يقول رأيت فلانا وكلمني فلان لأشياء تنفر منها العقول ، فكان ابن أبي زيد إذا ذكر له ذلك يقول نعم يصح ما قال ، فإن رأى ذلك في المنام فيرى في المنام أكثر من هذا ، فقيل له يوما قال رأيت الباري تعالى ، فقال الشيخ هذا عظيم ولكن ذلك في المنام كان ويصح أن يرى الإنسان الباري تعالى في المنام
[443 /2]
وأجاب ابن عتاب : أما ما نظر به القاضي أبو زيد فيما أثبته عنده محمد[419/3]بن الغاسل من مباراته لعزيزة بنت يحيى قبل نكاحه لشمس ، واستحلافه إياه ، لما ذهب إليه من إمساك شمس ؛ فقد كان يوجب له ذلك الننظر المذكور ، ولكن ما أوقعت شمس من الطلاق للمغيب الذي غاب عنها يمنع من ذلل على ما ذكره بعد هذا ، وتأملت عقد الاسترعاء الذي قامت به شمس في شرطها المغيب أنهم يعرفون الناكح محمد قد شرط لزوجه في عقد نكاحه معها أن لا يغيب عنها ، فلم يبين الشهود كيفية علمهم ، والواجب في ذلك أن يقولوا : إن علمهم له بإشهاد الناكح لهم عليه . إلا أن يكونوا من أهل التبريز والعدالة البينة ، واليقظة والعلم ، وإثبات الصداق كان أولى ليثبت به الشرط والنكاح ، ومن الغمز أيضا أن اليمين كانت واجبة على شمس ولم يذكر أنها حلفت بما يجب به الحلف عليها ، فإن ثبت ذلك فقد بانت بالثلاث التي أوقعتها ، ولا سبيل له إليها إلا بعد زوج ، هذا وإن كان العقد بالصداق بعد أن تحلف لغاب عنها أكثر ، وإن كان لم ينعقد - أعني أكثر مما شرطه لها - فأمرها بيدها ، وكان ما قبضته به وأوقعته من الطلاق عند انقضاء الأجل وفوره ، فالطلاق نافذ ، وإن كانت لم تحلف ، ولا دخول للإكراه فيها ولا مكره ، وهذا نص الرواية فيه ، وما شهد به الفقيه محمد بن قاسم بن مسعود ، ولو شهد معه عشرة ، وسائر القصة لا يحتاج إليه في الجواب ، وهو فصل مستغنى عنه لا يلتفت إليه ، ولا يشتغل عنه بالجواب لذلك .
إلى عدم اللزوم، لكنه قال لا أفتي به كراهة مخالفة المشهور، وفي قوله هذا بحث ونظر، والحديث الذي ذكرته أيها السائل لم يصح، إذ لو صح لكان الحجة البالغة. ومدار المسألة على قاعدة وهي أن وقوع الشرط هل يقدر مع مشروطه في الزمان الواحد أو لا بد من الشرط وحينئذ يترتب عليه مشروطه، وفي وقوعهما في الزمن الواحد إشكال قوي التدافع، وأجروا الشرط ها هنا مع مشروطه مجرى العلة مع معلولها، إذ لا يشترط فيهم (كذا) التقدم الزماني، وعلى هذه القاعدة يتخرج قول القائل إن بعتك فأنت حر، فقال المشتري إن اشتريتك فأنت حر، ولا تكثر من النقول لتبدي أنك تعرف وتمسك بأذيال العلماء يتقدح لك الحق والله أعلم.
مسألة من الطلاق
[امرأة طلبت من زوجها الطلاق فطلقها ثم أراد ارتجاعها قبل انقضاء العدة]
حكاه ابن رشد من التفرقة ههنا لكن ما حكاه ابن رشد صحيح، لأنه الثقة، فلا يساوي الغبن الغلط في المرابحة في علة الحكم،
[402/5]
وبيان العناد بين الجزأين أنه لو لم يتعاند الجزأن للزم الحال، وهو التفرقة بين الجزأين وهو لا ينهض، إذ يقال علة الرجوع في مسألة الغلط انتقاض البائع من الثمن الأول الذي ترتب هذا الثمن الثاني عليه من غير علمه به، وهذا مفقود في مسألة الغبن، إذ لم يترتب الثمن فيها على ثمن قبله، والقيمة لغو في بيع الرشيد على ما تقدم، ومن هنا جعل الاتفاق والاختلاف في غيرها كما حكاه ابن رشد، فإذا تقرر ذلك فلا عناد بين الجزأين لصحة عدم الرجوع المغبون في صحة علة الرجوع في مسألة الغلط، والله سبحانه أعلم، وبه التوفيق انتهى.
ولما ورد هذا على الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن مرزوق رضي الله عنه وأرضاه ونفعنا ببركته رأى أنه إذا أجاب الشيخ الإمام أبا عبد الله بن عقاب وراجعه في المسألة قد يقع فيما لا يخلصه مع الله، لأنه قد يؤدي إلى ما لا يخفي من انتصار النفس والوقوع فيما لا يحل كتبه، فكتب تحته ما نصه:
الحمد لله، يا أخي فبالله إلا ما كففتم عن محبكم هذه اللجج التي غرق في بحارها، وكففتم عنه هذه الأمواج التي اضطرب عليه تلاطم تيارها، فأنتم الملجأ لحل المشكلات، وعليكم المعول في كشف المعضلات، أبقاكم الله تعالى لارتقاء المعالي والمفاخر تزهو بكم الدروس، والمساجد والمنابر، وأنا لكم من خير الدارين أفضل منال، وأصحبكم الحفظ والتسديد في كل مقال، بمنه وكرمه، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته انتهى، والحمد لله كثيرا.
@403/5]
محتويات المجلد الخامس
الموضوع ... الصفحة
نوازل المعاوضات والبيوع
جواب عن إشكال في قول ابن الحاجب: وبعد بدو الصلاح الخ...
جواب ثان عن الإشكال السابق...
جواب ثالث عن نفس الإشكال...
مجرى الماء يسيل في ملك الغير..
هل لمن لم يحرث أرضه حظ في ماء الساقية..
ومع هذا فإن الصلح الصحيح إذا ظهر بعد انعقاده دين على التركة، فهو موجب لنقضه على رواية أشهب عن مالك، لقوله تعالى: في المواريث: من بعد وصية يوصي بها أو دين. وهكذا في القسمة إذا طرأ عليها دين. وهو المشهور من قول ابن القاسم: إذا أبى من صار له من التركة شيء من دفع ما يخصه من الدين الطارئ. وإلى هذا فالمرأة قد تنصل في قضيتها من الغبن الفاحش والخداع الذي دخل عليها. فهذه تقييد في النازلة والله الموفق بفضله.
[ضابط فساد الصلح]
الجريري(¬1): فروع هذا الباب كثيرة وأقرب ما يربط به، أن ما أدى إلى التفاضل بين الذهبين أو الفضتين، أو إلى بيع ذهب بذهب وعروض. وفي الدراهم كذلك أو إلى بيع الطعام قبل استيفائه، أو إلى الجهل والغرر أو إلى صرف متأخر، أو إلى دين بدين، أو إلى سلف بمنفعة أو تأخير بنفع، فإنه لا يجوز.
[515/6]
[لا يصلح الصلح في الميراث والصداق في صفقة واحدة]
وسئل سيدي قاسم العقباني رحمه الله عن رجل وكله أخوه على أن يعقد له الصلح في ميراث أخته فعقد الصلح في الميراث والصداق صفقة واحدة هل يثبت الصلح أم لا؟
فأجاب: الصلح عن الصداق والميراث صفقة لا يصح.
وأجاب الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد المؤمن(¬2) بما نصه:
وأما إذا صالحت المرأة على صداقها وميراثها في صفقة واحدة وعقد واحد، فذلك لا يجوز للغرر، إذ لا يدري ما يبقى من التركة بعد إخراج الصداق فيفسخ الصلح هكذا نصوا فيه.
وأجاب القاضي أبو محمد عبد الرحيم اليزناسني(¬3): إذا كان الصلح بذهب ليس بعرض فالصلح فاسد، يفسخ ويبقى الميراث على فرائض الله. والصداق ثابت في تركة الهالك.
وكتب عبد الرحيم بن إبراهيم اليزناسني لطف الله به.
[من توفي عن أولاد وأوصى على صغارهم بنتا كبيرة، وقامت امرأة تدعي أنها زوجته]
وسئل ابن الفخار عن رجل استظهر بأحباس بين تاريخ عقدها ووفاة المحبس مدة شهر واحد, وفيها الدفع والقبض والاحتياز على وجوهه, إلا أنه ذكر فيها أنه قد كان عقد فيها تحبيسا قديما على ذلك السبيل نفسه, إلا أنه كان قد تولى القبض فيه للمحبس عليه, إذ كان ذلك في حجره وولاية نظره, وذكر أنه ضاع فأعاده الآن, وأسلمه إلى المحبس عليه لما ملك أمره, واعترضه معترض, وأثبت أن الأحباس التي ظهر فيها العقد الآخر لم يزل في ملك المحبس إلى حين وفاته, فهل يوهن ذلك مما ظهر من العقد الآخر أم لا؟
فأجاب بأن قال: اعلم فإنه إذا ثبت الحبس على وجهه قبل وفاته بشهر, وكان صحيحا وحازه المحبس عليه بسبب رشده في صحة المحبس وعاين الشهود الحيازة على حسبق ما ذكرنا فهو نافذ, ولا يلتفت إلى ما صار إليه من التضييع أولا, لأنه قد صار صحيحا آخرا, والذي أثبت أولا أن المحبس لم يخرج عنه الحبس حتى يتوفى وهو بيده, فاختلف أصحابنا في ذلك, فحكى بعضهم أنه ينظر إلى أعدل البينتين ويقضى بها, وقال بعضهم: ينظر فإن كان الحبس بيد المحبس عليهم وقت الدعوى فالحبس نافذ, وقال بعضهم: شهادة من شهد بالحوز أولى بالقبول والجواز إذا كانت عادلة, وإن كانت الأخرى أعدل لأن شهود الحيازة تثمر حكما وتوجب حقا, وشهادة الذين لم يشهدوا بالحيازة ينفون ذلك, ومن أثبت شيئا أولى ممن نفاه, لأن الإثبات أحدث من النفي, فمن ادعى حدوث شيء وأثبته أولى ممن نفاه, هذا الذي تقرر عليع مذهب مالك وأصحابه, وقال به حذاقهم وبه أقول.
وأجاب أيضا: وأما مسألة ابن حزام وقيامه على صهره ابن مسلمة, وذكر أن بيده أحباسا عقدها له أبوه في صغره, وملك أمره في حياة أبيه ولم يحوزه إياه إل أن مات سنة ست وأربعمائة, وبقيت الأملاك بيده يغتلها
[
وسئل سيدي أبوعبدالله السرقسطي عن مسألة وهي هل يحجر على الشيخ الكبير ماله إذا كثرت هباته ومحاباته وهو صحيح العقل ثابت الذهن والميز لكنه ضعيف القوة بحيث يخاف عليه أن يصير مقعدا أو أعمى فيبقى عالة على الناس أو لا يحجر عليه حتى يختل عقله وبعض الشيوخ يفعل ذلك من أجل عداوة تقع بينهم وبين ورثتهم فإذا تحقق ذلك منهم فهل تفسخ هباتهم ومحاباتهم في البيع والتصيير وغير ذلك؟ بينوا لنا ذلك كله مأجورين مشكورين بحول الله وقوته سبحانه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب: لا يحجر إلا على السفيه يبذر ماله ولا يعده شيئا ويتلفه في شهواته أو صغير أو فاقد لعقله وأما من كثرت عطيته في وجوه البر وأنفق ماله في وجوه الخير فليس بسفيه بل هو رشيد مصيب والسلام على من يقف من كاتبه محمد السرقسطي وفقه الله.
[من رشد ثم أقيمت بينة بسفهه المتصل]
وسئل الأستاذ أبوسعيد بن لب رحمه الله عن امرأة كانت لنظر وصي من قبل القاضي وثبت رشدها وأعذر إلى الوصي فلم يكن عنده مدفع وأطلقها
[440/9] القاضي من الحجر على الواجب في ذلك ثم قيم الآن برسم استرعاء يتضمن أنها لم تزل سفيهة قبل الرشد وبعده متصلة السفه حتى الآن، وللترشيد نحو الثمانية عشر عاما، فهل تمضي أفعال هذه المرأة في هذه المدة التي بين تاريخ ترشيدها وتاريخ الشهادة الآن باتصال سفهها المدة المحدودة؟ وما الذي يترجح لديكم في هذه النازلة من الخلاف الواقع في ذلك المعلوم لديكم وينفذ الحكم به؟ أنعموا بالجواب في ذلك مأجورين متطولين والله تعالى يطيل بقاءكم ويعلي في درجة العلماء درجاتكم والسلام عليكم ورحمة الله.
وسئل أيضا هل يجوز بيع مملوكة لقوم غاصبين يتسامحون بالفساد وعدم الغيرة وهم أكالون للحرام ؟
فأجاب : لا يجوز ذلك على مذهب مالك ، وقد منع بيع العنب ممن يعصرها خمرا ونحو ذلك من المسائل .
[422/10] [إذا تاب الغاصب وجب أن يصرف ما عنده إلى من يستحقه على الفور]
وسئل المازري عن رجل مستغرق الذمة أراد التوبة فاستفتى فقهاء موضعه فأمر بتقويم ما بيده وأجمل كل ما حصل من ذلك دنانير معلومة ، فهل يجوز له مبايعة قوم يبايعون ؟ وهل مبايعته إياهم حرام أو مكروه أو حلال ؟ هل يجوز له صرف ما يلزمه من زكاة الزرع فيما حصل عليه من التقويم حتى يفرغ ما ترتب عليه منه ، وإن انضاف إلى القيمة صداق امرأة وهي مائة دينار مرابطية ، هل هذا الصداق والقيمة يسقط عنه زكاة الزرع أم لا ؟