وقيل لا إعادة, وقيل يعيد لما أدخل يده فيه ولا يعيد من سؤره انتهى, وفيه بعض اختصار. وما وجه به التأويل الأول للمدونة إنما يجيء على مقتضاه إن توضأ به يعيد الصلاة أبدا, وهو لم ينقل هذا في جميع ما ذكر من الأقوال, فالأولى أن يلتمس له وجه آخر غير ما ذكر يكون قريبا من التأويل الثاني, إلا أن الكراهة تشتد على الأول. وعدم وجود القول بأنه يعيد أبدا إن توضأ به مما يقوي اعتبار الطهارة فيه وفي مسألة الكاغد المذكور. وفي البخاري: وتوضأ عمر من بيت نصرانية. قال ابن بطال أما وضؤوه منه فإنه كان يرى سؤرها طاهرا. وممن كان لا يرى بسؤر النصراني بأسا الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأبو
[77/1] ثور. قال ابن المنذر ولا أعلم أحدا كره ذلك إلا أحمد واسحاق, واختلف قول مالك في ذلك, فقال في المدونة لا يتوضأ بسؤر النصراني ولا بما أدخل يده فيه , وفي العتيبية لابن القاسم عن مالك مرة أجازه ومرة كرهه انتهى.
في أعجبتني الجارية انما هو لصفة من صفاتها , فحذفت المضاف اليها وأقمتها
مقامه , ثم بينت تلك الصفة بقولك حسنها أو نحوها . واذا لم يكن بد من اضافة
امصدر الي ضمير الاسم لأنه بدل مما هو مضاف الي الاسم فقد عادت أسماء
البدل كلها الي بدل الشئ من الشئ . قال " ابن الأثير " وكذلك ينبغي أن
يكون لأنه تفسير فلا يكون الا في معني الأول ومطابقا له انتهي . ولا يخفي
عليك ما في الكلام من الضعف والتدافع في قوله تتكلم بالعام وتريد
الخاص وفي تقديره المضاف فتأملوه .
من حلفت لتخرجن الخادم أو تخرج هي من الدار , فانها تنوي
وسئل الأستاذ " أبو سعيد بن لب " رحمه الله عن امرأة أغضبتها خادمها
فقالت المرأة صيام العام يلزمها كما يلزمها طوق ثوبها لأخرجنك فان ردك
سيدك تعني زوجها ما نبقي في هذه الدار . فهل لهذه الحالفه وجه تخرج به من
الحنث ولو ببيعها من زوجها فترجع بغير اختيارها , أو بغير ذلك من الوجوه
فأجاب وقفت علي السؤال فوق هذا , وأقول والله المستعان وهو الموفق
للصواب , ان اليمين علي الاخراج من موضع الانتقال عنه محملها عند الفقهاء
بحسب مقتضي اللفط انما هو علي غير التأبيد , فلا يحنث الحالف بالرجوع الي
ذلك الموضع بعد خمسة عشر يوما في قول " ابن القاسم " , أو بعد زيادة ما عليها
في قول " مالك " .
وقد استحب ( ابن القاسم ) أن لا يرجع اليه الا بعد شهر , وروي ابن
كنانة وابن المواز أن لا حنث في الرجوع اليه بعد ما قل أو كثر من الزمان .
وقد فسر " ابن رشد " الأقل بيوم وليلة وقد حمل التحديد بخمسه عشر يوما
أو بالشهر علي استحسان وليس بقياس . وهذا كله مذكور في ( العتبييه والموازية
والمبسوطة ) , وبسط الكلام في ذلك ابن رشد في ( البيان ) . وبعد تقرر هذا الأصل
يرجع الكلام الي النازلة المسئول عنا , وذلك أن الحالفة فيها حلفت علي
شيئين , أحدهما اخراج الخادم من الدار , والاخر ترك بقائها هي فيها ان رد
فقال لهم فانظروها في مصريتي ، فدخلوا مصريته فلم يجدوها ، فرجعوا إليه ، فقال لهم انظروها بدار القاضي ، فدخلوا دار القاضي فلم يجدوها فانصرفوا ، فلما كان صبيح تلك الليلة وجدت البنت المذكورة بدار القاضي ، فردت البنت المذكورة إلى دار أبيها ، وبقيت عنده نحوا من عامين ، فعقد عليها والدها النكاح مع طالب على أن تحمل والد البنت المذكورة بنقد ابنته بحق الطالب المذكور ، قصدا منه للعمل بمقتضى قوله صلى الله عليه وسلم : «زوج وليتك ممن يتقي الله» . وقوله عليه السلام : «إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فانكحوه» . فلما كان بالغد أتى الطالب المذكور إلى والد البنت المذكورة وذك له أنه تخوف من جانب المفسد للبنت المذكورة ، وسأله أن يعفو عنه ويطلقها ، ففعل والد البنت المذكورة وطلقها .
وسئلوا عن رجل حضر مجلس نظر الوزير صاحب الأحكام بقرطبة ابن حريش يسمى أحمد بن عبادة، وذكر أنه تعتريه غشيات يفارق منها عقله ويزول عنها حسه حتى لا يعلم ما يأتيه ولا يعقل ما يقع فيه، وأنه كلما أفاق من بعضها أنبأه من حضره فيها أنه طلق امرأته ستي التي في عصمته ثلاثا وزعم أنه لا يعلم بذلك عقدا تضمن معرفة بشهدائه أنه يغلب أحيانا على عقله، وأنهم سمعوه عندما اعتراه هذا قد طلق زوجته ثلاثا في نسق واحد، وثبت عنده العقد وأعذر إلى الزوجة فصدقت زوجها فيما حكاه من تطليقه إياها في الحالة التي غشي عليه فيها وثبت ذلك عنده من قولها.
فأجاب ابن عتاب: اليمين تلزم أحمد بن عبادة أنه لم يكن عالما بالطلاق، وأنه ما علم به بعد نفوذه ولا نواه ولا قصده ولا أراده، إن كان الأمر كما حكى له، وأنه كان في ذلك الوقت في غمرة من ذهاب عقله من العلة التي تطيف به، وتقدم لتقاضي يمينه من تراه ثم يبقى مع زوجته على ما كان عليه، هكذا نص الرواية.
وأجاب ابن القطان بما يوافق ذلك في المعنى، إلا أنه لم يذكر تقدم مقتضى اليمين.
وأجاب ابن مالك: بسم الله الرحمن الرحيم، يا سيدي ووليي ومن وفقه الله وعصمه، ولقاه الرشد فيما ألهمه، قال ابن القاسم عن ما أرى أن يحلف ما كان يعقل الذي كان صنع ولا يعلم منه شيئا، ويخلى بينه وبين أهله، قال
[85/4]
[86/4]
عنه زياد: هذا إن شك الشهود هل كان حينئذ يعقل؟ جعلنا الله وإياك على الصواب برحمته.
ابن سهل: رواية ابن القاسم هذه التي ذكر في سماعه في كتاب طلاق السنة وغيره، وفي التفسير ليحيى: قلت لابن القاسم: أيريد مالك أنه يصدق مع يمينه وإن لم يعرف منه تغير عقل؟ فقال: لا، بل إنما أراد إذا عرف العدول أنه كان يهذي ويتخيل عليه عقله، فإن شهدوا أنه لم يستنكر منه شيء في صحة عقله لم يقبل قوله ومضى طلاقه، وفي سماع عيسى: من وسوسته نفسه في الطلاق فلا شيء عليه، ونحوه في المدونة.
[
الفائدة في أملاكهم وأملاك مكتراة بيدهم أو مساقاة عندهم فإذا نضج ما حملته تلك الشجرات وحل وقت جنا المقاثي وأشباهها جمع ما تيسر له جمعه مياومة وأدخله سوق المسلمين يتكيس في بيعها من الناس بما يتراضى به المبتاع فأراد صاحب السوق أن يسعر عليه سلعة التي استفادها لنفسه أو جلبها ويخرج له القيمة فيها من رأسه ولا يعتبر بالقيمة التي يبرزها السوق مكايسة على حسب ما قدره قابض الرزق وباسطه لا إله إلا هو ويجعل حكم من ذكر في التسعير عليهم كمثل الذي يدخل سلعة في الأطعمة والفواكه والخضر والعصير والجبن والزيت والسمن يبيعها من الباعة في السوق المنتصبين لبيع ذلك من الناس هؤلاء الباعة يشترون من الجلاب ومن أصحاب الفوائد من غير سعر فيسعر عليهم صاحب السوق بعدما يعرف واجب ما اشتروا ولا يدعهم يتشططون على الناس في الأرباح جرى العمل قديما على هذا فهل الباعة في السوق منتصبون به للشراء والبيع من الناس مثل الجالسين وأصحاب الفوائد المتمعشين في حكم التسعير أو ليسوا كذلك ويكون اعتراض المحتسب للتسعير على الجالب من الظلم الذي لا يحل له والمنكر الذي يجب القيام بتغييره والنهي عنه؟ بينوا لنا ذلك بمقتضى الشرع العزيز أبقاكم الله حجة لا يضاح الحق وتبيينه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قيل إن ما بيع من رباع القائد ابن الحكيم ما بيع عليه لو باعه، هو إنما كان بعد أخذه، لأنه كان من عمال السلطان وأهل جباية الأموال وتقرر أنه سلم ذلك للسلطان ابن رشد في كتاب السلطان الذي عليه عمل القضاة أن من تصرف للسلطان في أخذ مال أو إعطائه إن أضغطه فيه فبيعه لازم.
[من حضر البيع في ربع ثم أثبت بعضه لنفسه]
وسئل ابن الحاج عمن حضر البيع في دار أو أصل ثم قام بعد ذلك فأثبت نصفه أو كله.
فأجاب: بسقوط طلبه فيه، قال: ووقعت المسألة وأفتى فيها بهذا وهي أقضية العتبية وشفعتها.
[بيع المضغوط يراد إقامة البناء على مبيعه]
وسئل أبو الحجاج المخزومي عمن باع ملكه وهو مضغوط من قبل السلطان ببخس، والمشتري عالم بذلك، ثم أراد المشتري البناء عليه بعد مدة، فأنكر عليه البائع، وقال: إني على حقي في طلب ملكي وما بنيت فليس علي فيه شيء وأشهد على ذلك كله.
فأجاب: المنصوص لأصحاب مالك: أن بيع المضغوط لا يلزمه وله استرجاعه. وخالف فيه السيوري ورأى إمضاء بيعه، وأن فيه مصلحة ومعونة، فإن لم يبين هذا فقد ذكر ما فيه، وإن بنى بعد النهي فإن اعتقد أن البيع غير ماض وأنه متعد فيه فلا شبهة له في البناء، وإن اعتقد أن البيع ماض ولا علم له، فهي شبهة له.
ومن المتأخرين من يقول: إن باع بوفر من غير بخس فلا كلام له إذا لم يضغطه. وقاسه السيوري على ما اجتمع عليه من فداء الأسير. وعلى قول أشهب في جبر القاتل على أداء الدية. وهو قوي في النظر، إذ فك به رقبته.
[100/6]
[أقوال طائفة من العلماء في بيع المضغوط]
وأجاب: ابن البرا عن مثلها بما نصه:
إذا ثبت الجبر والعدوان بطل ما يجري فيه ذلك، والحاكم ينظر فيه، فما ثبت عنده بنى عليه حكمه الشرعي.
وأجاب: اللخمي عن يتيم أخذه السلطان وسجنه واضطر لبيع ربعه خشية أن يأتيه من السلطان عنف أو غيره وتوقف الناظر في البيع حين لم يأذن له القاضي فيه بأنه إذا كان الأمر على ما ذكر مضى بيعه.
85/7] غلته, وأما ما أعطى في المخاصمة على الوجه المذكور فإنه ينظر في ذلك, فإن كان لولا ذلك لبطل الحبس فإنه يرجع به في غلته. وما أعطى في المخاصمة على الوجه المذكور, وإن كان لا يخاف إبطال الحبس وإنما هو قطع لشغب الدعوى, فإنه يرجع به ويصدق في ذلك, أعني أنه أنفق بنية أن يرجع, وإن لم يستحفظ على ذلك قبل الإنفاق ويحلف أنه أنفق بقصد الرجوع, إلا أن يكون استحفظ فتسقط عنه اليمين, وكذلك إن لم تكن له نية في رجوع ولا عدمه فإنه يرجع بذلك بعد أن يحلف أنه لم تكن له نية في ذلك. وأما ما أنفقه فلا يصدق فيه ويكلف إثباته, إلا أن يكون هنالك ما يدل على صدقه, كأن يكون الجنان تحت يده, وتظهر فيه خدمة وعمل يشبه أن ينفق فيها ما ادعى, فحينئذ يصدق ويحلف على ذلك. وكذلك ما أنفق عليه الناظر مع المكتري منه أولا هو ساقط عنه, هذا على تقدير كراء ربع الحبس على قبول الزيادة على ما مضى به العمل عندنا فلا تقبل الزيادة, وإن كانت أكثر من الكراء الأول أضعافا مضاعفة, وإن كانت من غني مليء وفي منصف, وأما ما حطه الناظر لأجل نقصان الماء فإن كانت الحطيطة مقدار ما يجب حطه على المكتري أو أقل جاز ونفذ وإلا رد منه مقدار ما زاد على ما تجب حطيطته شرعا.
[أجرة الوقاد تقدر حسب عمله]
وسئل عن رجل كان في المسجد الجامع الأعظم بأجرة قدرها اثنا عشر دينارا صغيرة في كل شهر, وكان عدد قناديل المسجد المذكور مائة وعشرين, ثم بعد ذلك قل ريع المسجد المذكور إلى ان بقي من القناديل ستون قنديلا, فقام ناظر الأحباس وقال للوقاد المذكور: إنما تأخذ نصف الأجرة المذكورة قدر ما أنت توقد الآن. فامتنع من ذلك وقال: زدني الزيت والقناديل وآخذ ما كنت آخذ. فهل تعطى له الأجرة القديمة أو يأخذ بقدر خدمته ؟ بينوا لنا الواجب في ذلك.
فأجاب: إن لم يبق في غلة ربع الحبس ما يحمل زيادة ما ذكره الوقاد
[
87/8]ووجه منعه أنه من العينة المحرمة. ويظهر من كلام اللخمي وابن رشد أن الأخذ للبيع ممتنع مطلقا إلا أن اللخمي حكى فيه خلافا. ومسألة أخذ المفلس بالشفعة على ما في المدونة وغيرها تدل على الجواز ويشهد لما ذكرته أن أخذ المفلس وإن كان للبيع لكنه لمنفعة نفسه في أداء الدين أو نقصه عنه، ومن هنا كان قول ابن رشد فيه نظر ضعيفا، لأنه يوهم أن الأخذ للبيع ممتنع مطلقا ولو كان لمنفعة الشفيع، وهذا باطل، لاستلزامه أن الشفيع لا يأخذ إلا للاقتناء لا للبيع ولو احتاج إليه يوما ما. وهذا الكلام باطل لأنه لو صح لكان الأخذ بالشفعة حراما، لأنه من البيع والشرط المناقض لمقتضى عقد البيع الذي هو صحة التصرف المطلق، وهذا تحجير لأنه بيع على أن لا يبيع، والشفعة بيع اتفاقا. وفي الزيتون الشفعة، ولا يبعد جريان الخلاف فيه من خلاف ثبوت الجائحة فيه، وتقريره يطول.
[تنازع المشتري والشفيع في مقدار الثمن]
وسئل سيدي محمد ابن مرزوق عمن اشترى شقصا فيه الشفعة بمائة مثقال مثلا، ودفع المائة المذكورة بمعاينة شهود الشراء، إلا أن الشهود لم يحضروا صفقة البيع وعقده، وإنما أشهدوهم وأقروا عندهم بأن الشراء كان بمائة وأحضراها وعاين الشهود قبض البائع لها. ثم إن الشفيع أراد الأخذ بالشفعة واستكثر الثمن وادعى أن البيع إنما كان بخمسين، وإنما فعلا ما فعلا تحيلا لقطع الشفعة بما عاين العدول وقد رد له المشتري الزائد على الخمسين. فهل القول قول الشفيع أم المشتري؟ وهل تجب اليمين أم لا؟ أم يفرق في ذلك بين المتهم وغيره؟
وعن رجل اشترى شقصا له شفيع بمائة مثلا وثمنه خمسون، ثم إنه دفع المائة المسماة عروضا زيتا وغيره، كأن يدفع عشرة قناطير زيتا عن المائة المذكورة، وجعلا قيمة القنطار من الزيت عشرة دنانير مثلا، وإنما قيمته في ذلك الوقت خمسة دنانير خاصة. فهل يأخذ الشفيع بالمائة؟ أو بالعشرة
[87/8]
[
فأجاب: إذا شهد بهذا فما وجد بخطه دفع إلى الذي سمي أن الوديعة له بعد أن يشهد شاهدان أن هذا خطه، فقيل له فأنت تجيز الشهادة على الخط فليس هذا إجازة الشاهد على الخط لما أن قال: ما وجدتم بخطي فادفعوه فقد ألزم نفسه أن ينفذ عليه ما وجد بخطه ولولا ذلك لم يجز، فقيل له: فكيف يشهد على خطه؟ فقال يشهد شاهدان أن هذا خط فلان ولا يحتاج الشهود إلى أن يشهدوا أنهم عاينوا ذلك إذ كتب، حسبهم أن يعرفوا أن الخط خطه ويشهدوا بذلك.
وقال رحمه الله في دفع وديعة عند رجل فقال له إن التابوت الذي هي فيه ضاع مفتاحه فأمهلني حتى أحتال في فتحه فذهب عنه، ثم بعد ذلك عاد إليه فيقول له: ضاعت أنه لا غرم عليه، ولو قال له إذا طلبها منه لست أستطيع أن أعطيها لك الساعة ثم أتاه فقال له قد ضاعت وزعم أنه لم يمنعه من أن يعطيها إياه إذ طلبها إلا تلف مفتاح أو نحو أنه ضامن إنما راعى القاضي من أن يذكر العذر المانع له من إعطائها عند طلبه إياها، وأما أن يمنعه ثم يقول له بعد ذلك إذا ذكرت تلفها إني إنما منعتك إذ كان المفتاح قد تلف وكنت أعالج في أمر القفل لم يقبل منه قوله وألزم الغرم.
[97/9] ... ... ... ... [مسألة في البراءة]
وسئل عن البراءة تدفع في قطائع الحشم إلى رجل ليدفعها إلى من بيده البراءة فيدعى الداعي الدفع وينكره صاحبه.
وقال بعضهم والفرق بين علم القضاء وفقه القضاء فرق ما بين الأخص والأعم . فقه القضاء أعم لأنه الفقه بالأحكام الكلية ، وعلم القضاء هو العلم بتلك الأحكام الكلية مع العلم بكيفية تنزيلها على النوازل الواقعة . ومن هذا المعنى ما ذكره ابن الرقيق أن أمير أفريقية استفتى أسدين الفترات في دخول الحمام مع جواريه دون ساتر له ولهن ، فأفتاه بالجواز لأنهن ملكه ، فأجاب ابن محرز بمنع ذلك وقال له : إن جاز لك نظرهن كذلك ونظرهن إليك كذلك لم يجز نظر بعضهن بعضا ، فأغفل أسد النظر في هذه الصورة الجزئية فلم يعتبر حالتهن فيما بينهن ، واعتبره ابن محرز . والفرق المذكور هو أيضا الفرق بين علم الفتيا وفقه الفتيا ، ففقه الفتيا هو العلم بالأحكام الكلية ، وعلمها هو العلم بتلك الأحكام مع تنزيلها على النوازل . ولما ولي الشيخ الفقيه الصالح المحصل أبو عبد الله بن شعيب قضاء القيروان ، ومحل تحصيله في الفقه وأصوله شهير ، فلما جلس الخصوم إليه وفصل بينهم دخل منزله مقبوضا فقالت له زوجته ما شأنك ؟ فقال لها عسر على حكم القضاء ، فقالت له : رأيت الفتيا
[79/10] عليك سهلة ، فاجعل الخصمين كمستفتيين سألاك . فقال فاعتبرت ذلك فسهل علي . انتهى .
ابن سهل : وكثيرا ما سمعت شيخنا أبا عبد الله بن عتاب رضي الله عنه يقول : الفتيا صنعة . وقد قاله قبله أبو صالح أيوب بن سليمان بن صالح رحمه الله قال : الفتيا دربة ، وحضور الشورى في مجلس الحكام منفعة وتجربة . وقد ابتليت بالفتيا فما دريت ما أقول في أول مجلس شاورني فيه سليمان بن أسود ، وأنا أحفظ المدونة والمستخرجة الحفظ المتقن . ومن تفقد هذا المعنى من نفسه ممن جعله الله إماما يلجأ إليه ويعول الناس في مسائلهم عليه ، وجد ذلك حقا ، وألفاه ظاهرا وصدقا ، ووقف عليه عيانا وعلمه خبرا ، والتجربة أصل في كل فن ومعنى مفتقر إليه . انتهى .
فبكى ابن مغيث وخر وردد مرارا وانتحب، وقام وقال: تاب الله عليكم وخرج فتاب صاحب الدار وصار يصعد إلى مسجد السبت قال ابن اللباد: ولما قرأ القارئ في مجلس الذكر يوم السبت: ﴿يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون﴾. الآيات الثلاث. صاح صحية شديدة ثم سقط على وجهه، فأقام ساعة ثم حمل إلى داره فقاء شيئا أخضر، ولم يتكلم وتركناه لنسائه فلما كان بعد العشاء الأخيرة توفي وغلقت الحوانيت كأنه يوم عيد قال ابن اللباد: وحضرت غسله وقد كسى ضياء ونورا وصلى الله عليه حمديس ونودي على جنازته أيها الناس لا تفتكم جنازة ابن معتب(¬1) شهيد القرآن ونقل عياض عن سحنون أنه قال لرجل: اقرأ علي: ﴿ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار﴾. فلما بلغ القارئ ﴿فستذكرون ما أقول لكم﴾ الآية... قال: حسبك وهو يبكي فقرأها. قال عياض: كان سحنون رقيق القلب ظاهر
[80/11] الخشوع راهب هذه الأمة ولم يكن بين مالك وسحنون، أفقه من سحنون. قال القابسي: إنني لأجد في نفسي من خلاف سحنون لمالك، ما لا أجده من خلاف ابن القاسم لمالك. قال ابن الحارث: سحنون إمام الناس، أظهر السنة وأخمد البدعة، وفرق أهل البدع من الجامع وكان شديدا على أهل البدع، وكان الذين يحضرون مجلسه من العباد، أكثر ممن يحضره من طلبة العلم. وقال معن بن عيسى: أتى ابن سرحون الشاعر إلى مالك وقال له: قلت شعرا وأردت أن تراه وتسمعه. قال مالك: لا وظن أنه هجاه فقال لتسمعنه فقال: هات فأنشده:
سلو مالك المفتي عن اللهو والغنا ... وحب الحسان المعجبات العواتك(¬2)
فيفتيكم اني مصيب وإنما ... أسلي هموم النفس عني بذلك
فهل في محب يكتم الحب والنوى ... أنام وهل في صحه المتهالك؟