76/1] أن يأكل لحم الخنزير أو يشرب خمرا فلا بأس أن يتوضأ به, كان بضرورة أو بغير ضرورة. ونقل في النوادر نص العتبية وغيرها مما يوقف عليه فيها, ومما نقل, قال ابن حبيب: لا يتوضأ بسؤر النصراني ولا بما أدخل يده فيه ولا بما في بيته ولا بآنيته, إلا أن يضطر. وإن فعله غير مضطر لم يعد صلاته, وليتوضأ لما يستقبل , إلا ما كان من حيض النصارى فليتيمم أولى به لإنغماسهم فيها وهم أخباث. وكذلك قال مطرف وابن عبد الحكم. انتهى, وانظر بقية كلامه. وقال ابن رشد في البيان أن تيقن طهارة يده وفيه استعمل سؤره وما أدخل يده فيه وإن وجد غيره, وإن تيقن نجاستهما لم يستعملا وإن لم يوجد غيره, وإن لم يتيقن نجاستهما ولا طهارتهما فهو محل الخلاف, فقيل يحملان على الطهارة, وقيل على النجاسة, وقيل يحمل سؤره على الطهارة وما أدخل يده فيه على النجاسة, وقيل يكره سؤره ولا يحمل على طهارة ولا على نجاسة. وقال أيضا في نص المدونة: يريد لا يتوضأ به وجد غيره أم لا, ويتيمم إن لم يجد سواه. وإن توضأ به في الوجهين أعاد في الوقت. ويحتمل أن لا يتوضأ به مع وجود غيره, فإن فعل أعاد في الوقت, وإن لم يجد غيره توضأ به على كل حال ولم يتيمم. ووجه التأويل الأول أن الغالب على يده النجاسة كالمتحققة, ووجه الثاني لما لم يتحقق نجاسة يده لم يتوضأ به مع وجود غيره احتياطا, ولا ينتقل عن فرض الوضوء مع وجوده إلى التيمم إلا بيقين على الأصل في أنه لا تأثير للشك في اليقين. ثم قال في آخر كلامه: يتحصل في الوضوء بسؤره وما أدخل يده فيه أن وجد غيره ثلاثة أقوال:1) لا يعيد الصلاة, ويعيد الوضوء لما يستقبل,2) يعيدهما,3) يعيدهما في الوقت إن توضأ بما أدخل يده فيه ولا يعيد أن توضأ بسؤره ولا وضوئه لما يستقبل, وإن لم يجد غيره فقولان: يتوضأ به وإن تيمم أعاد الصلاة أبدا, يتيمم ويتركه فإن توضأ به أعاد في الوقت.
الأفراد عند اليمين تستلزم اخراج غيره كمن حلف لا دخلت دار فلان ونوي
شهرا . وما لقيت قريشا ونوي فلانا , وما شربت لبنا ونوي لبن ضأن , ولا
أكلت سمنا ونوي سمن بقر , ولا كلمته ونوي مشافهة , ولا مال لي نوي في
علمي , ولا أذنت لها في مخرج ونوي في غيبتي , ولا أكل سميذا ونوي
خالصا , ولا لبس ثوبا ونوي وشيا , وبعضها في المدونه . ونوقش في كلامه بما
نقل في فرق ثلاثين ومائه من الخلاف في تأثير النية تقييدا وتخصيصا في الدلول
عليه التزاما فقال : الحنفية لا توثر , وبقية الفرق توثر كالمطابقة , ومثله بقوله
والله لا أكلت , وذكر عن الشافعية والمالكية أنه يجوز أن ينوي مأكولا بعينه فلا
يحنث بغيره , قالوا ونقله هذا الخلاف يناقض ما نقل من الاجماع .
قلت : وفيما ألزم نطر منع من ذكره ما يستدعيه الكلام من الطول , كما
منع ذلك من ذكر ما قال وما قيل عليه اذ لا يمكن نقله والغفلة عما فيه من
البحث , لكنها مسألة يحتاج الي تحقيقها من يتعرض للفتيا خصوصا في الايمان .
تنبيهان : الأول قولكم وان كان هذا لا يسميه النحويون بدلا ويتحتم
فيه الرفع والنصب ويزيدون الا أن ينوي معه معطف محذوف كما هي عبارة
التسهيل قال : وما فصل به مذكور فكان وافيا ففيه البدل والقطع , وان كان غير
واف تعين قطعه الا أن ينوي معطوف محذوف .
الثاني قال " أبو حيان " في شرح ( التسهيل ) : رد " السهيلي بدل البعض
والاشتمال الي بدل الشئ من الشئ وهما لعين واحدة فقال : العرب تتكلم
بالعام وتريد الخاص , وتحذف المضاف وتنويه , فأكلت الرغيف ثلثه انما أريد
أكلت بعض الرغيف ثم ما يكون ذلك البعض فقيل ثلثه , ولذا أضيف الثلث
الي الضمير وذلك الضمير هو الرغيف يدل علي لأنه بدل مما هو مضاف الي
الرغيف مثله وهو البعض , لأن البدل هو المبدل منه فلا مزيد . وكذلك بدل
[98/2]
[99/2]
المصدر من الاسم انما هو في الحقيقة بدل من صفة مضافة اليه لأن الاعجاب
الحمد لله مدبر الأمور ، الحاكم بالعدل الذي لا يجور ، نحمده وهو العفو الغفور ، ونشهد أن لا إله إلا الله العليم بما تكنه الصدور ، وناصر من ظلم ، وولي من اعتدى عليه في مطالبه وجرم ، وأن الله لا يظلم مثقال ذرة . ونشهد أن محمدا عبده ورسوله ، المؤيد بالحجة البالغة ، والبراهين الثابتة للحق ، الداحضة للبهتان ، وعلى آله وأصحابه الذين اتبعوه بإحسان ، وسلم كثيرا إلى يوم الدين ، وبعد يا سيدي رضي الله عنكم جوابكم في مسألة رجل له بنت بكر في حجره ، وتحت ولاية نظره ، فغلب على ظنه أنه تحيل على ابنته المذكورة ، ودخل عليها في منزله ، والرجل لم يعلم بذلك ، فشق ذلك عليه ،[77/3]حين تعرفه ولم يجد سبيلا إلى الحكم عليه ، ثم جاء الولد الذي أفسد البنت المذكورة إلى دار أبيها ذات ليلة ، ليدخل عليه فانتبه والد البنت المذكورة فخرج في طلبه فأدركه فحبسه من ثيابه فتركها في يده وهرب منه فرجع والد الصبية المذكورة إلى داره فلم يجدها ، فصاح والد البنت المذكورة على شهود عدول فذكر لهم القضية ، فذهب الشهود إلى دار المفسد للبنت المذكورة ، فصاحوا عليه فسألوه عن هذه القضية وعن ثيابه أين هي ، فذكر لهم أن والد البنت صاح عليه فخرج إليه وأخذ ثيابه ، فأنكروا عليه ذلك لكون والد البنت ممن لا يشار إليه بذلك ، فأرادوا الانصراف عنه ، فردهم ورغب منهم أن يحاولوا له القضية مع والد البنت المذكورة ، فرجعوا إليه وقالوا له إن والدها حلف أن لا يزوجها إليك ، وقالوا له أين البنت فردها إلى أبيها .
ابن سهل: قول أبي عبد الله في جوابه إن صرفت المرأة الثياب أو عوضها يقرر اليمين وقد بر وأخرجه ذلك من الحنث فيه، وإن امتنعت أو تأخرت وأوقعت الحنث وطلقت منه بالبتات تخرج على أحد وجهين، أن يكون ذهب إلى أن يمينه إنما وقعت على تعجيلها صرف الثياب أو عوضها، وان التلوم في تلك الساعة ونحوها، وإذا مضى قدر التلوم فلا يتلوم بعده، ويكتفي بما قد مضى ويقع الحنث حينئذ على ما رواه عيسى عن ابن القاسم في كتاب الأيمان بالطلاق، وإليه أشار ابن مالك في جوابه في هذا الفصل، وكذلك في الطلاق من الواضحة، أو يكون رآها من شرح ما في المدونة من قول ابن القاسم.
وسئلوا عن رجل حضر مجلس بعض القضاة فدعا إلى أن تزال ربيبتاه عنه، فقيل له: لا تفعل، فقال: لزمتني يميني ألا يبقيا عندي، فقيل له: تكفر يمينك، فقال: هي يمين لا تكفر، فقال له: عرفنا بها، فقال: لا كفارة لها ولا يحل لي دخول الدار التي أسكنها معهما، فقال: قلت: لا (كذا) قال: إن حلفت أني إذا حضرت مجلس نظر القاضي فلا يكونان معي بعد ذلك، واستفسر، اليمين، فقال: أنت الأيمان اللازمة، وكان بين قوله: إنما حلفت أني إذا حضرت مجلس نظر القاضي، وبين قوله: لا يحل لي دخول الدار مهلة صالحة.
فأجاب ابن عتاب: تصفحت رحمنا الله وإياك خطابك، وإذا قد أقر
[84/4]
[85/4]
الحالف أن يمينه الذي ذكر وادعى ما ادعى، فلا يصدق في ذلك ولا ينوي فيه، والقضاء عليه بالطلاق والبتات أحب، وكذلك إن كان في ملكه من يعتق عليه بالقضاء والحكم، وعليه العقوبة مع ذلك بحلفه مان حلف والله أسأله التوفيق.
وأجاب ابن القطان: لا حنث عليه، وقول ابن عتاب أظهر والأصول عليه أدل، والله أعلم بحقيقة الصواب.
[من طلق زوجته في غيبوبة لا يعقل]
ألشراء من الباعة إن كان على غير نقد فلا بد من ضرب الأجل]
وسئل عمن ينفق من أحد الباعة بنصف درهم أو ربعه أو بثمنه أو بأكثر منه في يوم أو أيام ولا ينقده من ذلك شيئا حتى يترتب له عليه عدة فهل يجوز له أن يقضيه عن ذلك دراهم أو لا يقضيه إلا ما ترتب به عليه في الذمة؟
فأجاب: يجب على المشتري لمن يعامله من الباعة بأجزاء مشاعة بدرهم ونصفه وبربعه وثمنه أن يضرب أجلا لقضاء ما يحتاج مثل أن يقول له انفق منك وما يجتمع لك علي إلى آخر الشهر أدفعه لك أو نحوها إذا جاز البيع أيضا وجاز أن يعطيه دراهم عما اجتمع وإن لم يضرب لدفع ما يحتاج آجلا فالعقد فاسد والله أعلم.
[حكم التسعير على أرباب الفواكه والخضر]
وسئل القاضي أبو عمر بن منظور عن مسألة نصها: الحمد لله لسيادتكم الفضل في الجوا في قضية هي المتمعشون بالخدمة في الفحص بعمل المقاثي وخدمة الكروم وضروب الأشجار يقومون على ذلك كله بالعمل الذي لا يتم فائدها إلا به من أول أوان الخدمة أكتبر أو ينير إلى وقت جنا
[84/5]
وما باعه بنو عباد. فما ثبت فيه الصلاح والسداد لبيت المال، فلا يصح فسخ البيع فيه بوجه، لا سيما وقد مرت عليه سنون كثيرة. وبعض من
[98/6]
مضى لم يتعرض لفسخه، وفي ذلك حجة قوية لمن بيده من هذه الأملاك شيء أن لا يتعرض عليه فيها.
قيل: لعل هذه المسألة التي أشار إليها العقيلي(¬1) وابن الصيرفي(¬2) حين عرفا بابن رشد وغيره من الغصريين الذين معه حين أفتوا أمير المسلمين بأشياء يقتضيها مذهب مالك وأصحابه من أموال بني عامر وبني صمادح. وخالفهم ابن حمدين وقال هذا البحث يقتضي ويؤدي إلى تضييع كثير من أموال الرعية والتعرض إليهم، فأدى الأمر إلى قيام العامة على ابن رشد ومن وافقه في هذه الفتوى. وصرفهم ابن حمدين عنهم وتعرض لهم أمير المسلمين علي ابن يوسف بن تاشفين(¬3)، ثم بعد ذلك ظهرت براءتهم في خبر طويل.
[ما يبيعه الملوك من بيت المال وعمالهم نيابة عنهم]
وإن الذي يليق في كل ما بيع من بيت المال ولو باعه العمال من أموالهم أو مالوا عليه، فالصواب أن لا يتعرض ولا ينظر فيه، ولو كانوا ظلمة غير عدول، لأن في ذلك فتح باب مفسدة في البحث في أموال الناس لكثرة هذا الواقع.
[مسألة من نمط ما قبلها]
وسئل عن مثل هذه الشيخ الصالح أبو الحسن البطرني حين أراد بعض أولاد ابن الحكيم القيام عليه في الحمام المنسوب إلى أبيهم، وهو من تحبيس الشيخ عبد الله ابن تافراحين(¬4) رحمه الله على مدرسته وسبالته.
فأجاب: إذا قيم بنقض هذا والبحث فهي لمتبق معاملة للملوك ولا يتعرض لهذا فجزر القائم المذكور أمير المؤمنين أبو العباس رحمه الله وشدد في ذلك، فانقطع حينئذ طلبهم. وهذا الذي فعله ابن حمدين هو الصواب الأسد في حق العامة والخاصة، وإن كان الصحيح أن تتعقب أفعال قضاة الجور والعمال الظلمة، وذلك لإسقاط أخف الضررين بأكبرهما.[/6]
[99/6]
قال عليه السلام: (إذا اجتمع الضرران نفى الأصغر الأكبر)(¬5).
وسئل عن رجب تسبب في تحبيس جنان على مسجد على ظهير التحبيس دراهم وعلى عقد حيازتها, ثم نازعه بعد رجل في تحبيسها, وأراد نقضه فاحتاج إلى مخاصمته وإلى نزاعه فجدد ظهير الحبس ثانية وأعطى عليه دراهم أيضا وكل ذلك من عنده, ثم أراد أخذ عوض ما دفع من عنده من غلة حبس المسجد من الجنان المذكور, فهل له ذلك أم لا ؟ وهل يصدق في نيته إن كانت له نية- أن يرجع بذلك في غلة الجنان المحبس المذكور إن لم يشهد على ذلك حين دفع الدراهم ؟ وما الحكم إن لم تكن له نية هل له أن يرجع أم لا ؟ وما الحكم أيضا في هذا الناظر- ربما أنفق في المسج والجنان شيئا مما يحتاجان إليه من غلته من غير إشهاد على ذلك ؟ هل يصدق في دعواه الانفاق أم لا ؟ وما الحكم أيضا في هذا الناظر- ربما كان يكري ذلك الجنان لرجل يراه أهلا لذلك بوجيبة معلومة يرى قدرها صلاحا في الوقت, فيجيء رجل ويزيد فيها على ما عقد له الناظر الكراء الأول, والرجل الأول جيد مليء منصف, والآخر بعكسه, ولا يقدر على الحكم عليه لتعذر الحكم وغلبة المفسدين بذلك الموضع, فيقول الناظر للذي أكرى له أولا: زد معه وأنا أحطه عنك لكي يندفع عنا هذا المفسد الذي لا يقدر على الحكم عليه, ولا يمكن من وجوه. فهل يصح فعل هذا الناظر, وتصح هذه الوضيعة للمصلحة وللعلة التي ذكرنا أم تبقى تباعه في الذمة ؟ وما الحكم أيضا في هذا الجنان ؟ ربما قل ماؤه وتساقطت أوراق الشجر, وتفسد بعض ثماره, فيحط الناظر له شيئا من الوجيبة صلحا في الجائحة التي وقعت بسبب قلة الماء, فهل يصح هذا الصلح ويسقط للمنحط عنه دون أن يقيم بينة بذلك ؟ بينوا لنا ذلك كله, بيانا شافيا رحمكم الله.
فأجاب: أما ما أعطى عن ظهير التحبيس وحيازته فلا يرجع به في
[
وأجاب عنها شيخ شيوخنا أبوعبدالله سيدي محمد بن مرزوق بما نصه: اختلف في الشفعة في الثمار فأوجبها مالك فيها في المدونة استحسانا، وقال ما علمت من قاله قبلي. وفي العتبية أيضا من سماع ابن القاسم: وشرط في المدونة كون الأصل للشريكين أو بأيديهما بمساقاة أو حبس، وأوجبها أشهب ولم يشترط ذلك. وله في مكان آخر ما ظاهره اشتراطه. ومنعه ابن الماجشون. وعلى الأول لا فرق بين الصيفية وغيرها لأنها ثمار، وذلك كله إذا لم تجذ ويتزايد الأصل. وإذا وجبت في المقاتي، ومعلوم أنها لا تدخر وتباع كما وصفت لأنها ثمار، فكيف بغيرها؟ قال في النوادر: قال ابن القاسم عن مالك: وفي ثمار العنب الشفعة. قال ابن القاسم: والمقاتي عندي كالأصول، فيها الشفعة لأنها ثمرة، ولا أرى في البقول شفعة. انتهى.
قلت: إنما لم يرها في البقول لأنها لا تباع إلا بعد تمكن النفع بها جملة، فكان كجذاذها، ولذلك لم تكن فيها جائحة على ما فيه من الخلاف. ولا يبعد تخريج الخلاف فيها من خلاف الجائحة، وقد يفرق بينهما بمعنى آخر ليس من غرضنا هنا.
ووجه منعه أنه وجه من العينة المحرمة. وهذا كله تفريع على القول بجواز بيع الثمار في رؤوس الشجر. وقد لا يجوز بناء على أنه من تلقى السلع المنهي عنه أولا، وللشفيع بيعها كما وصفت، أو جملة بعد أن يكون أخذه لنفسه، لا بنية أن يأخذه لغيره ولا غرض له هو فيها إلا مجرد إيصال النصيب لغيره. وهو معنى قوله في المدونة: ولا يجوز. هذا نص التهذيب. ونص الأم: وله ( )(¬1) دينار ربحا أربحك فيها، وهذا بين.
[86/8]
[
بقي أن يقال: تنظير سحنون بما ذكر من الوديعة يضعف ما أشرتم إليه من بعد هذا القياس في الكراء الذي قيست عليه الوديعة وفيه نظر أشرنا إليه في غير هذا ومسألة الغصب المذكورة بعيدة الشبه فيها من كل وجه، فإن قيل كلام الشيخ ابن عرفة رحمه الله في حد موجب ضمان الوديعة يشهد لمن خالف، قيل ليس فيه دليل لأنه لا بد من تخصيص لفظه بما وقع فيها من نظير النازلة من المسائل التي ذكرناها والله أعلم وبه التوفيق انتهى. بنصه.
[مسألة في الوديعة لم يشهد عليها صاحبها]
وسئل ابن زرب عن الرجل يستودع الوديعة دون أن يشهد عليها صاحبها، ثم إن الذي عنده الوديعة أشهد بها على نفسه دون حضرة صاحبها خوفا من أن تفجأ منيته فيخسرها ربها، ثم زعم بعد ذلك أنه قد صرفها إلى ربها وصاحبها منكر وتقوم عليه البينة التي كان أشهد.
فأجاب: لا يصدق فيما زعم من صرفها وهو لها غارم لأنه إذا أشهد على نفسه فقد ألزم نفسه حكم الإشهاد وحكمه أنه حق أخذ ببينة لم يرد إلا ببينة وإلا غرم قاله ابن الزيتوني إنما أراد الاحتياط لصاحبها وكان هذا مما يجب أن يزيد في أمانته إذ لم يكلف بينة فتكلفها، فقال القاضي إذا أشهد فقد لزمه حكم الإشهاد فكل ما زاده الزيتوني وقف على هذا القول ولم يرجع عنه.
[مسألة في الوديعة]
وسئل عن الذي يستودع المتاع فيعدى عليه وأغرم بسببه أنه لا شيء على صاحب الوديعة فقيل للقاضي أتذكر في هذا اختلافا.
[96/9] فأجاب بأن لا إلا أن هذه المسألة وشبهها نزلت منذ سنين فأفتيت فيها بهذه الرواية وأخبرت أن ابن الزيتوني فقيه فاس أفتى أن على صاحب الوديعة أن يغرم ذلك المستودع وأخبرت عنه أنه وجدها رواية، وأما أنا فلم أر فيها اختلافا.
[مسألة فيمن قال : ما وجدتم من وديعة عليها خطى باسم صاحبها فادفعوها إليه]
وسئل عن رجل قال: ما وجدتم من وديعة عليها خطى باسم صاحبها فادفعوها إليه.
ابن سهل : واعلم أن للحكام التي تجري على أيديهم الأحكام ست خطط ، أولهما القضاء ، وأجلها قضاء الجماعة ، والشرطة الكبرى ، والشرطة الوسطى ، والشرطة الصغرى ، وصاحب المظالم ، وصاحب رد ، وهو كصاحب شرطة يسمى صاحب رد بما رد إليه من الأحكام ، وصاحب مدينة وصاحب سوق . هكذا نص عليه بعض المتأخرين من أهل قرطبة في تأليف له . وتلخيصها : القضاء والشرطة والمظالم والرد والمدينة والسوق . وإنما كان يحكم صاحب الرد فيما استرابه القضاة وردوه على أنفسهم ، هكذا سمعته من بعض من أدركته . وصاحب السوق كان يعرف بصاحب الحسبة ، لأن أكثر نظره إنما كان فيما يجري في الأسواق من غش وخديعة ودين وتفقد مكيال وميزان وشبهه . وقد سألت بعض من لقيت عن صاحب السوق هل يجوز له أن يحكم في عيوب الدور وشبهها ، وأن يخاطب حكام البلد في الأحكام ، فقال [78/10] ليس له ذلك إلا أن يجعل له ذلك في تقديمه . وقال بعض الناس خطة القضاء من أعظم الخطط قدرا وأجلها خطرا ، لاسيما إذا جمعت إليها الصلاة . وعلى القاضي مدار الأحكام وإليه النظر في جميع وجوه القضاء . انتهى .
قوله لاسيما إذا جمعت إليها الصلاة ، قال ابن عرفة يريد إمام الصلاة . قال ومقتضاه حسن اجتماعهما ، والمعروف ببلدنا قديما وحديثا منع إمامة قاضي الجماعة بها ، والأنكحة إمامة الجامع الأعظم بها . وسمعت بعض شيوخنا أنهم يعللون ذلك بأن القاضي مظنة لعدم طيب نفس المحكوم به مع تكرر ذلك في الآحاد ، فيؤدي إلى إمامة الإمام من هو له كدرة . وقد خرج الترمذي عن أبي أمامة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق حتى يرجع وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط ، وإمام أم قوما وهم له كارهون » (¬1). انتهى .
[الفرق بين علم القضاء وفقه القضاء وعلم الفتيا وفقه الفتيا]
79/11] وقال أبو طالب في القوت إن أنكرنا السماع أنكرنا على سبعين صديقا من خيار هذه الأمة: قال وإن كنا نعلم أن الإنكار أقرب إلى قلوب القراء إلا أنا لا نفعل لأنا نعلم ما لا يعلمون. وسمعنا من السلف والأصحاب ما لا يسمعون.
قال السهروردي: قول أبي طالب هذا معتبر، لوفور علمه وكمال حاله ومعرفته بأحوال السلف ومكان تقواه وورعه وتحريه الأصوب والأولى. وقال عياض: كان ابن مغيث(¬1) ثقة عالما بالحديث صحيح اليقين بالله وكان فيه رقة. مر في طريقه إلى مسجد السبت بدار، فسمع فيها غناء فقرع الباب، فخرج إليه صاحب الدار، فاستأذنه في الدخول، فاستحيا صاحب الدار واعتذر، فقال: لا بد فدخل صاحب الدار قبله وغيب ما كان بأيديهم، ثم أذن له ودخل فسلم وقال: من المتكلم؟ قالوا هذا، قال: سألتك بالله إلا ما أعدت ما سمعت منكم. فقال مغنيهم:
العفو أولى لمن كانت القدر ... لا سيما عن مصر ليس يقتصر
أقر بالذنب إجلالا لسيده ... فقام بين يديه وهو يعتذر