فأجاب ما ذكره من الاتفاق على السلخ والاستعمال ظاهر, وما احتمل عندكم أن يكون مستند الاتفاق في الأول في غاية الحسن والظهور, وهو بعينه مستند الاتفاق في الثاني, فإن معرة المثلة الموجبة للنهي عنها إنما تلحق المثول به ولو بعد موته, إما باعتبار قريبه الحي, وغما باعتبار روحه على ما ورد أن الأرواح تتألم بسبب ما يلحق أبدانها من الإهانة, وفي فصل غسل الميت من تبصرة اللخمي قال ابن سحنون واستحب أن يجعل على صدره خرقة, وهذا أحسن فيمن طال مرضه, ونحل جسمه, لأن منظره حينئذ يقبح, والميت يكره أن يرى ذلك منه في حال الحياة انتهى. أو بسبب تألم نوع الإنسان بالاطلاق فإنه مجبول على التألم من مثل ذلك مع أن نفي المثلة مطلوب في كل حيوان. وقد قال صلى الله عليه وسلم: إذا قتلتم فأحسنوا القتلة. وقال صلى الله عليه وسلم: وليحد أحدكم شفرته وليرح دبيحته. وإذا تقرر هذا فلا مثلة اعظم على الإنسان من استعمال جلده أو جلد قريبه أو جلد واحد من أبناء نوعه آلة من الآلات فإنه حينئذ يساوي الأنعام التي خلقت له يستعملها في تلك المنافع. والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون وجعل لكم من جلود الأنعام الآية. وربما انعكس الحال إذا استعمل من جلد الإنسان دلو أو حوض تشرب فيه الأنعام, وذلك عكس التكريم الذي فضل به الإنسان على الحيوان البهيمي وعلى كثير من خلق الله, كما دل عليه قوله تعالى: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر. ومن تكريم الله للآدمي أن ستر جيفته بالأرض: منها خلقناكم الآية كفاتا أحياء وأمواتا. ثم أماته فأقبره. ولم يكن ذلك لغيره من الحيوانات الأرضية, فإذا استعمل جلده كان على خلاف ما أمر الله من
[
أو الأشتمال أو لعدم الاخراج كبدل الكل . وقال اعلامه الشيرازي وعله
تخصيص بدل البعض بذلك دون غيره من الابدال لا يخفي علي الذكي
الفطن , اذ لا يتصور التخصيص في غيره بطهر بالتأمل , واستدلالكم علي
صحة كون بدل البعض مخصصا بالايه الكريمه صحيح لو تعين كون من بدلا
وقد بغير ذلك ككونه فاعلا بحج وان كان ابن ابي الربيع وغيره رد هذا
الاعراب من جهة المعني ومن جهة الصناعة بما لا أرتضيه فتأملوه , والمثالان .
[94/2]
[95/2]
الذي ذكرتم من الطلاق والعتاق لم اقف علي النص في عينها , وأصول
المذهب تقتضي أن يقال . ان ذكر بعض ذكر الجمع ثلاثه وسكت عما بعدها
وادعي فائل ذلك انه يري الخصوص لأولا بقوله نسائي وعبيدي وان من ذكر
في تفسير هو مراده أولا فانه يقبل , وان ذكر اثنتين بعد الجمع وادعي-نية
الخوصوص ايضا فعلي القول بأن اقل الجمع اثنان يقبل ايضا وعلي القول بأنه
ثلاثة لا يقبل , وهذا كله ان كانت مرافعة أو بينه أو أقرار . ولعل هذا مدرك
ما حكيتم من الخلاف عن ابن سهل في المثال المذكور . ورأي من بعتق
الجميع , وان دعي نية التخصيص من سمي انه أدعي ما خالف فيه طاهر
اللفط النيه لأن طاهر الجمع عنده الثلاثه فما فوق فلا تقبل نيته , أما أن لم
تكن له نية في الخصوص ولا في تفسير الجمع بما ذكر من ثلاثة أو أقل فأنه
يطلق الجميع علي ماذكر ولم يذكر وفي العتق نطر . ويدل علي قوله أنه ادعي
نية ولزوم الجميع ان لم يدعها المسألتان اللتان أشرنا اليهما وهما احدي نسائي
أو أحد عبيدي فانهما قريبتا الشبه بهاتين المسألتين , وكذا في الحلال علي حرام
من الخلاف اذا أخرج الزوجه , وهنا أقوي في القبول للنطر بما ادعي نية . وفي
الايمان من النوادر من المجموعة . قال ابن الماجشون ان حلف بالطلاق في مال
ليدفعنه وقت كذا وله نساء , فقال نويت فلانه فذلك له , وهي النيه فيها ,
ويحلف ما اراد الا هذه , ولو حلف بتحريم ما احل الله له وقد علم من حلفه
فينبغي على هذا إذا سرقت المرأة أن لا تقطع يدها ؛ لأن المقطوعة اليد لا تجد من يتزوجها لنقصان أعضائها ، وهذا لا يقول مسلم ، فينبغي على هذا أن يفسخ نكاحها لسلامة أعضائها ؛ لأن الفساد إنما كان في عقد النكاح ولا يشينها ذلك عند الأزواج واله أعلم ، وكذلك وقع في الحكم الذي حكم به فلان في شأن البنت المذكورة ،[74/3]أنه حكم بفتوى بعض فقهاء الوقت ، والقاضي إذا حكم بفتوى مفتيه فإن كانا مقلدين ، فالحكم باطل ؛ لأن المقلد لا يقلده مثله ، وإنما يقلد عالما ، وهذا معلوم في كتب الأصوليين ، وقد قال تعالى : ﴿فاحكم بين الناس بالحق﴾ . قال القاضي عبد الوهاب : "والمقلد لا يعرف أن يفرق بين الحق والباطل بالتقليد فبطلت فتواه" . ووقع فيه أيضا أن البنت المذكورة لما رفعت أمرها إلى القاضي بزعمه ، واعترفت على نفسها بالزنى ، وزوجت بفور اعترافها ، ووقع الدخول بقرب ذلك في أمد لا تحيض فيه ثلاث حيض ، فالواجب في هذا النكاح أن يفسخ وإن أجازه الولي ؛ لأن الولي لا يملك إسقاط حق الله تعالى ، كذلك قال ابن الماجشون ، ذكره عنه الباجي في باب المقاسمة من المنتقى ؛ لأن من زنى بامرأة ثم تزوجها قبل الاستبراء فالنكاح يفسخ أبدا ، وليس فيه طلاق ولا ميراث ولا عدة وفاة ، والولد بعد عقد النكاح لا حق به فيما بعد حيضة إن أتت به لستة أشهر من يوم نكاحها ، وما كان قبل حيضة فهو من الزنى لا يلحق به . قاله ابن أبي زيد رحمه الله في النوادر وقاله كله أصبغ . ولا يعترض هو بنقل ابن رشد في رسم الرهون من سماع عيسى من كتاب النكاح من قوله واستحسن أصبغ أن لا يتزوجها أبدا إذا تزوجها ودخل بها وهي حامل من زنى أو في الاستبراء منه ، فإن فعل لم يمنع منذ لك بقضاء .
في المدفع الذي ادعاه آجلا ادعى عند انقضائها أن الذين شهدوا عليه علموا ببقائه مع زوجه بعد حنثه الذي شهدوا به عليه، وأفتى بعض الفقهاء بأن يؤجل في إثبات هذه الدعوى خمسة عشر يوما وانصرمت، والحالف قد غاب عن قرطبة مع زوجه إلى بياسة، وشاور في ذلك كله الوزير صاحب الأحكام بقرطبة محمد بن الليث بن حريش.
فأجاب أبو عبد الله بن عتاب: إذا ثبت عندك ما ذكرت وأعذرت حسبما وصفت، فالقض ... اء بإنفاذ ما شهد به عليه واجب، وإلزاه الطلاق بالثلاث نافذ عليه، وعتق من يملك من العبيد، ويأمره يريد إذا حضر من غير أن يقضي عليه بالصدقة بثلث ماله والمشي إلى بيت الله في حج أو عمرة وكفارة يمين بالله تعالى، وهو مخير في عتق رقبة فيها أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو بالصيام، يريد إن لم يجب (¬1)، ويجب الإعذار إلى الزوجة إن أمكنك ذلك، وإن تعذر أنفذ نظرك وأرجأت لها الحجة على مذهب من يرى من أصحابنا أنه لا تقطع حجة غائب، ومن يرى منهم أنه لا ترجى له حجة لم يرجئها لها، فأنفذ من ذلك ما تعتقده، وقيده من نظرك موفقا إلى الصواب إن شاء الله عز وجل، وتأمر الزوجة بالعدة بعد إنفاذ القضاء، هذا الواجب فيه، والله أعلم بحقيقة الصواب فيه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وأجاب أبو عمر بن القطان: قرأت ما خاطبتنا به وما أدرجته وذكرت في خطابك أن الشهود زكوا عندك وأنك أعذرت فيما ثبت عندك إلى الحالف ولم يذكر فيمن أعذرت، والإعذار في المزكي والمزكي واجب إذا كانت التزكية في الظاهر بقوم معروفين، وإن كان الأمر كذلك وأعذرت في جميعه فأنفذ الحكم عليه بالطلاق والعتق إن كان له من يعتق عليه، وإن كنت لم تعذر في المزكين وكانوا معروفين ولم يكن تعديلهم عندك لكشف لدد من كشف عنهم فأعذر إليهم، فبذلك يتم الحكم على هذا الحالف إن شاء الله تعالى.
[81/4]
[82/4]
وسئل هل يجوز شراء الطعام ونحوه بدرهم إلا ربعا ويدفع إليه درهما ويرد عليه البائع ربعا، لكن ذلك الربع لو وزن لم يكن فيه ربع درهم لكن هو ومثله هو الجاري بين الناس مع تساويه في الحقيقة لربع الدرهم.
[79/5]
فأجاب: لا يجوز ذلك إلا إذا تحقق أن الربع المردود دون وزن الدرهم أو أكثر فيجوز، والله أعلم.
[من قال لآخر خذ هذا الدرهم وأنفقه بيننا أنصافا حتى ترده
كيف يجوز اقتضاؤه حين القضاء؟]
وسئل عن رجلين يقول أحدهما لصاحبه خذ هذا الدرهم وانفق بيننا نصفه لي ونصفه لك حتى ترده لي كيف يجوز اقتضاؤه حين القضاء؟.
فأجاب: لا يجوز ذلك، والذي لا يجوز أن يسلفه نصف الدرهم سابقا من غير أن يعطيه قيراطا وإذا قضاه فإن كان إنما قضي قيراطا قائما يجري الخلاف في اقتضاء القائم من الشائع والحكم يجب أن يخرج درهما فيكونان شريكين فيه يبيعانه، وأيضا لا يجوز زاد على قول ابن الحاجب في الاقتضاء بالأفضل مقدارا لا يجوز إلا في اليسير جدا وقال أشهب مطلقا، بينوا لنا ما اليسير؟ وما حده؟ وبينوا لنا قوله وثمن المبيع في النقود كالعرض ولم يختلف في جوازه بأكثر مقدارا وأما المقدار الذي هو كثرة العدد دون زيادة أو المقدار الذي قال هو كثرة الرجحان. بينوا لنا ذلك ولكم الأجر.
فأجاب: اليسير ما تختلف به الموازين، وكذلك قال الإمام عبد الله المازري ما ترجح به الموازين، ونقل عن أشهب غير ما نقل ابن الحاجب إذ لا يجوز إلا في اليسير مثل الدرهم والدرهمين في المائة يزيدهما المستسلف وكذلك الزيادة في الطعام مثل الإردب في المائة والأدربين، وأما قوله وثمن المبيع في النقود كالقرض يعني أنه إذا اختلفت الصفات لا يجوز.
وأجاب أبو العباس بن إدريس بأن قال هو عبارة عما وقع به التعامل من كيل أو وزن أو عدد أو في الأكثر عددا في المعدود أو كيلا في المكيل أو وزنا في الموزون، والله أعلم.
[سؤال وجواب من بابة المسألة السالفة]
قلت: وإلى ما نقلناه من القولين أشار ابن عرفة رحمه الله بقوله في صيغ الاعتصار: والصيغة ما دل عليه لفظا. وفي لغو الدلالة عليه التزاما نقل ابن عات عن بعض الفقهاء الشورى وابن ورد.
وليكن هذا آخر ما ظهر لمحبكم في المسألة. وأرجو الله أن يجعل لكم بسببه فرجا ومخرجا حسنا فتفقهوا فيه لأنفسكم، واعملوا على ما يخلصكم مع الله يوم الحلول رمسكم. وأنتم أقعد منا بفقه المسألة. والله يحمل جميعنا على ما فيه رضاه ولا حول ولا قوة إلا بالله. قاله وخطه: المسلم عليكم كثيرا الراغب في بركة دعائكم وليكم في الله ومحبكم في ذاته العبد المستغفر الفقير إلى الله تعالى أحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الواحد بن علي الونشريسي وفقه الله.
[بيع السفيه غير لازم، ولورثته نقضه بعد موته]
وسئل القابسي(¬1) عن بيع السفيه هل لورثته نقضه بعد وفاته أم لا؟
فأجاب: بيعه غير لازم. ولورثته نقضه انتهى.
قيل ولو رشد، فالمشهور كذلك، وعن ابن الماجشون حكم مضى ولا مقال له. ابن محرز(¬2): وقد كان يشبه أن يعود ما كان بيد وليه من نظر له، فهذا مما ينظر فيه.
[بيع القاضي على الغائب أو المحجور]
وسئل السيوري عن بيع القاضي على غائب أو محجور بما أعطى فيه النداء ولم يلف زيادة من غير شهادة أنه بيع مغالاة واستقصاء. وهل يجوز هذا البيع أم لا؟
فأجاب: إن ثبت أنه لم يفرط ولم يوجد فيه إلا ما بيع به، ولم تقع محاباة ولا عجلة في البيع ولا استقصاء فهو نافذ بكل حال.
[94/6]
قيل ولابن رشد مثله في بيع الربع أو غلاته في نفقة المحجور، فقال يستقصى ويباع ولا ينظر به بلوغ القيمة، لأنه غاية المقدور.وكذا لابن محرز فيمن بيع للدين، فإنه يضرب له أجل شهرين. فإذا انقضى الأجل فإنه يباع ولو لم يبلغ القيمة وجهل من ينظر القيمة.
[عمل جماعة المسلمين ماض في مكان لا يوجد به قاض]
جوابكم يا سيدي عن مقتضى هذا الرسم المنتسخ فإن المحبس المذكور فيه توفي عن ابن وبنت, فقامت ابنته هذه تطلب مورثها في تركته, فصالحها أخوها بشيء دفعه لها من التركة, فسلمت له في باقيها وبقي ذلك بيده إلى أن توفي هذا أيضا عن ابن وبنت, فقامت البنت تطلب حقها في تركة والدها المتوفي الثاني, ثم استظهر أخوها بالرسم المذكور, فزعم أن جميع ما خلفه والدها من الأملاك من متروك جدهما, وأن تحبيس العقد في جميعها على الذكور دون الإناث كما في الرسم المذكور, فأنكرت أخته ذلك وقالت: لو صح ذلك لما صالح والدنا أخته على مورثها من تركة والدها المحبس بزعمك, وإن هذه الأملاك التي خلفها والدنا لجدنا فيها شيء, ولعله استفادها بعد موته, ثم أتى المستظهر بالرسم المذكور, لمن شهد له أن جميع ما خلفه والدهما من متروك جدهما, فقيل لمن شهد بذلك أتشهدون أن الحبس انعقد فيها ؟ فقالوا: لا علم لنا بالحبس أصلا, وشهود عقد التحبيس قد بادوا كلهم والأملاك ليست بموصوفة في العقد كما ترى, فهل يكون للبنت المذكورة مدخل في تركة والدها المتوفى الثاني بالارث- ويقتضي الرسم المذكور منعها من الميراث- أو كيف الحكم في ذلك ؟ بينوا لنا مأجورين موفقين.
فأجاب: أما رسم التحبيس المسطور بمحوله فلا يوجب حكما البتة, لعدم تعيين الأملاك المحبسة فيه, إذ لا بد من تعيينها فإذا لم يثبت تعيينها فجميع ما خلفه المحبس المذكور من جميع أحباس الأموال موروثة عنه, واما صلح البنت مع أخيها فإن اصطلحت معه بشيئ معلوم في شيئ معلوم, صح
[
81/8]إلا أن المشتري منه يتنزل منزلته ويكون الحكم فيه على ما تقدم بالعيب في مسألتنا مترقب قد يكون وقد لا يكون، لأن بقية الأشراك قد يدعوه إلى البيع صفقة وقد لا يدعوه إلى ذلك، فإن دعوه إلى البيع صفقة تقرر حكم العيب وخير بين الرد والإمساك كما تقدم، ومهما لم يدعوه إلى البيع صفقة لم يتقرر حكم العيب، وهل له حجة بأن يقول أنا أرد البيع مخافة أن يدعوني بقية الأشراك إلى البيع صفقة أولا حجة له؟ انظره فإني لم أقف عليه ولم أحققه في الحال.
[هل تكون الصفقة في غير الأصول والرباع؟]
وسئل سيدي موسى العبدوسي رحمه الله تعالى عن رجلين اشتركا فرسا ولم يدخلا فيه مدخلا واحدا، بل اشترى كل واحد منها من رجل غير الذي اشترى منه صاحبه، فطلب أحدهما بيع جميع الرمكة صفقة أو يتولاها أحدهما فامتنع الآخر من جميع البيع وقال: بع نصفك ممن شئت، وقال الآخر لا أجد من يدخل عليك ويستوفي الثمن فيها. بينوا لنا ذلك.
فأجاب: الجواب ليس للشريك أن يجبر شريكه على أن يبيع معه ما اشتركا إلا إذا دخلا مدخلا واحدا بميراث أو شراء أو غيره. وأما إذا ملكا أنصابهما مفترقين، فمن دعا إلى البيع صفقة واحدة لا يجبر عليه من أباه. بذا قيد القاضي أبوالفضل عياض المسألة. والله ولي التوفيق بفضله. وكتب موسى بن محمد بن معطى لطف الله به.
[82/8]
[83/8] ... ... ... نوازل الشفعة والقسمة
[هل تصح الشفعة للغير؟]
فأجاب: بأنه يضمن جميعا، ثم أخبر بعد ذلك أنه لا يجب عليه إلا ما تسلف فقط، فأراد الرجوع بما لم يتسلف فادعى عليه صاحب الوديعة أنه تسلف الجميع، فهل يقبل قوله فيما ذكر أم لا؟
فأجاب: لم يذكر السائل نوع الوديعة ولا صفة ما أودعت عليه، وقد قيل حسن السؤال نصف العلم، فإن كانت الوديعة غير مشكوكة وهي منشورة فعمله على ما أجاب به المسؤول للاختلاف في المسألة وتلقيه بالقبول بما أجاب به، وإن كانت منشورة فالذي عليه علماؤنا أنه لا يضمن إلا ما تسلف فقط، وقوله لم يتسلف جميعا مقبول بيمينه إذا ادعى عليه تحقيق تسلف الجميع وإن أراد الرجوع بما غرمه له مما لم يجب عليه شرعا ويعرف مثله بالجهالة حلف بأنه إنما دفعها له وهو يرى أن ذلك عليه لازم فيرجع ويأخذ ذلك منه، قيل ونظيرها من عوض عن صدقته ظنا أن ذلك يلزمه، ومنه مسألة الصلح إذا صالح من الدم الذي فعله من جميع الدية واعتقد أن ذلك يلزمه وقد تقدمت فانظرها.
[مسألة فيمن أعطى بضاعة أمانة للإتجار بها في جهة مأذون فيها ...]
وسئل مفتى تونس الفقيه القاضي الخطيب الصالح العالم أبوعبدالله محمد بن القاسم الرصاع عن رجل أعطى بضاعة أمانة يتجر بها في بلاد المغرب من المواضع المأذون فيها عادة فذهب المبعوث معه بالمال إلى المغرب ثم قدم وادعى ببلد من بلاد المغرب واستظهر بإشهاد في ذلك وأن العدو دمره الله تعالى أخذ البلدة المذكورة واستولى على ما فيها وأنه أخذ ما وجد بالبلدة من المتاع وغيره فادعى رب البضاعة أن الرجل تعدى في مسيره إلى تلك البلدة لأنه مسافر بالمتاع من بلاد فارس إليها وطريقها مخوف وتعلق الضمان بذمته في يسقط الضمان عنه بوصول المتاع إلى البلدة المأمونة وأثبت أن الطريق مخوف فوقع الكلام بين فقهاء الزمان
[
هذا في الصور المتنازع فيها أو حكم الحاكم فيها بطريق الإنشاء ، أما الصور المجمع عليها كثبوت القيمة في الإتلاف والقتل للقصاص وثبوت الدين عنده في الذمة وعقد القراض وثبوت السرقة للقطع ، فالثبوت الكامل في هذه [75/10] الصور جميعها لا يستلزم إنشاء حكم من جهة الحاكم ، بل أحكام هذه الصور مقرورة في أصل الشريعة إجماعا ، ووظيفة الحاكم في هذه الصور إنما هو التنفيذ ، وأما فيما عدا التنفيذ فالحاكم والمفتي فيه سواء ، وليس هاهنا استناب صاحب الشرع فيه الحاكم أصلا البتة ، بل هذه أحكام تتبع أسبابها ، كان ثم حاكم أم لا . نعم الذي يقف على الحاكم التنفيذ مع أنه غير مختص به في الدين وشبهه . فلو دفع المتلف القيمة والمديان الدين وسلم البائع المبيع استغنى عن منقذ من حاكم أو غيره ، وإنما يحتاج إلى الحاكم في الصور المجمع عليها إذا كانت تفتقر إلى نظر واجتهاد وتحرير أسباب ثم حاكم أم لا . نعم الذي يقف على الحاكم كفسخ الأنكحة أو كان تفويضا للناس يؤدي إلى التهارج والقتال كالحدود والتعازير ، مع أن التعازير من القسم الذي يفتقر إلى نظر واجتهاد في تقدير التعزير بقدر الجناية والجاني والمجني عليه . فظهر أن الثبوت غير الحكم قطعا ، وقد يستلزم الحكم وقد لا يستلزمه ، وقد تكون الصورة قابلة لاستلزام الحكم وقد لا تكون قابلة كما تقدم بيانه في صور الإجماع . والقول بأن الثبوت حكم في جميع الصور خطأ قطعا ، وأنه يتعين تخصيص هذه العبارة وتأويل كلام العلماء وحمله على معنى صحيح .
ابن عرفة وإمامه أبي بكر وعدالته ثابتة. ونقل ابن الصلاح وعياض عنه وغير واحد معلوم وإبراهيم ابن سعد هذا. قال المزني خرج له أهل الكتب
[76/11] الستة: الصحيحان وأبو داود والنسائي وابن ماجه وجامع الترمذي. وهذه الحكاية مثل نقل عياض القول الشاذ بجوازه. انتهى.
الماوردي: اختلف في الغنا فأباحه قوم وحظره آخرون وكرهه مالك والشافعي وأبو حنيفة في الصحيح، عندهم وقد قال جماعة بتحريم الغنا. منهم مالك رضي الله عنه في إحدى الروايات عنه قال ابن عبد الحكم في المختصر.
وسئل مالك عن الغنا فقال لا يجوز فقيل له عن أهل المدينة الذين يسمعونه فقال: إنما يسمعه عندنا الفساق. وحكاه الأستاذ الطرطوشي في الحوادث والبدع له. عنه. وكذا القرطبي في كشف القناع وصرح في الإكمال بأنه المعروف عنه وقال القاضي الطبري في مؤلفه في حكم السماع: نهى عن الغنا واستماعه وإليه ذهب ابن حبيب وصرح به في واضحته وحكي أبو الطيب التحريم أيضا عن أبي حنيفة مثل ما تقدم للمازري في المعلم وحكاه عنه القرطبي والشهاب السهروردي في عوارف المعارف. وادعى الشيخ تقي الدين بن تيمية أن أكثر أصحابهم على التحريم. ونسبه ابن الجوزي إلى أحمد استنباطا وبالتحريم قال الشعبي(¬1) والثوري وحماد والنخعي وأهل الكوفة والمدينة إلا إبراهيم بن سعد. وحكاه ابن قتيبة والنووي عن جماعة من العراقيين وبه قال زمرة من الشافعية في حكاية الرافعي عنهم وفي رحلة الخطيب أبي عبد الله بن رشد ما نصه: