وسئل عما يفعله الصاغة من إحماء الذهب والفضة بالنار ثم تطفى بالماء النجس, هل تطهر إذا غسلت بعد ذلك بماء طاهر؟
فأجاب سئل أبو عمران عن مثل ما سألت عنه فأجاب بأنه يطهر إذا غسل بماء طاهر. وخالفه ابن أبي زيد فقال في الآجر يعجم بماء نجس ثم يطبخ, أو الخاتم تطفى بماء نجس, وقال: النجاسة فيه قائمة, ولابس الخاتم حامل النجاسة. وقال البرزلي: أما مسألة الآجر فهي مخالفة لمسألة ما طبخ بمتنجس أو بول, والصحيح طهارته, وقيل مكروه وموافق للقول بأن النار والشمس والهواء لا تطهر النجاسة, وهو المشهور في رماد الميتة ونحوها. والصحيح فيها الطهارة بهما, وتطهر بعد ذلك بالماء, ويجري على مسألة الجاف إذا بل بماء نجس. وأما مسألة الخاتم فقال شيخنا الإمام ابن عرفة في نحوها, وهو السكين إذا طفي في الماء النجس: الصواب أنها لا تقبل الماء ولا يدخل فيها, لأن الماء يهيج الحرارة التي حصلت بالنار في داخل الحديد فإذا انفصلت فلا يقبل الحديد بعد ذلك شيئا يداخله, لكونه جمادا متراص الأجزاء, فلا يكون حينئذ فيه ماء نجس. وهذا على مذهب الطبائعيين ومن يقول بالكمون والظهور. وأما على مذهب الأشاعرة فليس هناك إلا أن الله تعالى أزال حرارة النار بالماء عادة أجراها الله تعالى لا طبيعة فيها, فهي على هذا ليس هناك قدر زائد على الواقع من انفصال الحرارة عن الحديد بمداخلة الماء إياه.
[9/1] قال: ونزلت مسألة سألت عنها شيوخنا, وهي إذا بلع الشمع وفيه ذهب ثم إنه ألقاه من المخرج, فكان الشيخ أبو القاسم الغبريني يقول بغسلها وتكون طاهرة كالنواة والحصاة إذا ألقاها بعد أن ابتلعها صحيحة, وخالفه الإمام ابن عرفة وقال: الصواب نجاسة الشمع لأنه يتميع بالحرارة وبداخله بعض أجزاء ما في البطن فيتنجس باطنه بظاهره والله أعلم.
=فأجاب: وقفت على المسألة والحكم أن خرق المصير الأعلى الذي هو مجرى الطعام والشراب مقتل باتفاق المذاهب، لكن الخلاف المذهبي فيما أنفذت مقاتله هل تعمل فيه الذكاة أم لا؟ والمشهور أنها لا تعمل فيه وأنه في حكم الميتة، وقد روي عن ابن القاسم: أنه يؤكل بالذكاة وإن كان منثور الحشوة، وسبب الخلاف ما قد علم من الاحتمال في الاستثناء الذي في الآية ﴿ إلا ما ذكيتم ﴾
فذهب كثير من أهل المذهب والأكثر إلى أن الاستثناء لم يتناول ما أنفذت مقاتله، إذ هو فيما مات وذهبت جماعة إلى تناوله لكل ذات حياة من المنخنقة وما بعدها، وهذا الراجح في النظر والمفهوم بالأثر الذي جاء
[12/2]
[13/2]
في الغنم التي كانت ترعاها جارية لكعب بن مالك، فأصيب منها شاة فذبحتها وأباح النبي صلى الله عليه وسلم أكلها، وقد أضاف ابن العربي هذا القول للموطأ، واختار هو واللخمي وغيرهما من المتأخرين إلا أن إنفاذ المقاتل إن كان في محل الذكاة بحيث يفيتها فلا يختلف في تحريم أكلها، فالطريقة المثلى في النازلة وأمثالها أن لا تباع تلك النطيحة في أسواق المسلمين، وأن يخلي بين صاحبها وبينها يأكلها إن شاء وينتفع بها، لكن إن أطعم منها أحدا بصدقة أو غيرها فليبين له ذلك، إذ قد يكون ممن يرع عن مثلها، وإن اشترى منها أحد على خصوص فعلى البائع البيان، فهذا ما حضر تقييده.
[ هل تعمل الذكاة في منفوذ المقاتل؟ ]
*وسئل عن اختياره في المنفوذ المقاتل هل تعمل في الذكاة أم لا؟ وذكر باستحسان كلام اللخمي رحمه الله في الأطعمة.
=فأجاب: نستحسن في مسألة المنفوذ المقاتل ما استحسنتم من أن الذكاة تعمل فيه، وهو الصحيح، وبه كان أبو بكر رحمه الله يفتي به وإياه كان يختار ونتقلده، ما لم يكن المقتل المنفذ محل الذكاة فيحصل الفوت. انتهى.
=فأجاب : الذي أظن أنه مرادكم ، أن هذه الصورة التي عزيتم لعبد الحق عقد النكاح فيها على أحد العبدين على الالتزام ، وأن مذهب ابن القاسم في مثله على ما ذكر في الثوبين ، أنهما إذا ضاعا كان ضمانهما من البائع والمشتري وإن قامت بينة بهلاكهما من غير سببه ؛ لأن أحدهما مبيع ، والمشتري في الآخر أمين ، أي فعل مقتضى هذا لا شيء للمرأة في الصورة المذكورة ؛ لأن أحد العبدين لها والآخر للزوج . والذي ساعد في التقييد عن عبد الحق على ما نقلتم مبني على أنت ضمانهما من البائع ، ولذا ترجع الزوجة هنا بنصف كل واحد منهما ؛ لأنها بمنزلة المشتري والزوج كالبائع . ويعني بنصف قيمة كل واحد ، ولا شك أن هذا مخالف لقول ابن القاسم الذي أردتم ، وأما ما أشرتم إليه من أنه مخالف لقول عبد الحق في كتاب الخيار من النكت ، فأظن أنكم أشرتم إلى قوله فيها : اعلم أنه إذا اشترى ثوبا من ثوبين يختار أحدهما على الإيجاب في أحدهما فضاعا جميعا ، فسواء قامت بينة على الضياع أو لم تقم ، أحدهما من البائع والآخر من المبتاع إذ على الإيجاب أخذه ولو تلف أحدهما ببينة أو بغير بينة ، فمصيبة التالف منهما والباقي بينهما ، ولا خيار للمبتاع في أخذ قيمة الثوب الذي بقي منهما ، وفي هذه المسالة إذ كان أحدهما على الإيجاب وذهبت أيام الخيار لزمه نصف كل ثوب ولا خيار له ، كان الثوبان بيده أو بيد البائع . انتهى . ولقد طالعت نسخة من تقييد أبي الحسن عند قوله في النكاح الأول من المدونة : ومن نكح امرأة على أحد عبديه إلى آخر المسألة ، فما رأيت فيها هذا الكلام الذي ذكرتم ، ولعل هذا من اختلاف تلك التقاييد ، وكذا أيضا لم أجده في النكت .
الواجب أن ينظر إلى حظها بالميراث في والدها جد الصبي من ذلك القدر الموقف فيبطل فيه حكم التوقيف، ويضاف إلى متروكها للميراث عنها من أصل وسواه ومما صار لها بإرثها من والدها وقت وفاته إن كان صار لها منه شيء بعد الديون والتوقيف، فيخرج ميراث الصبي من أمه من ذلك كله، وتصير نفقة الصبي من ذلك التاريخ في ميراثه من أمه، لأنه صار بذلك لإرث ذا مال، فسقطت عن الملتزم تبعا لسقوطها عن الأب، لأنه إنما التزم عن الأب ما يجب عليه لولده شرعا في تلك المدة التي تنتهي بالبلوغ، فإن كان ذلك الذي صار للابن مالا من ماله يفي بنفقته إلى بلوغه فلا يبقى حق في جهة الملتزم في بقية الموقف ويورث حينئذ عن الجد لسقوط الالتزام جملة، وإن كان إنما يفي ببعض المدة بقي من الحظ الموقوف على التوقيف ما تكمل به المدة بعد أن يعمل حساب نفاد جميع مال الصبي، ويورث عن الجد القدر الفاضل عن ذلك من بقية الموقف، ثم إن الجدة لما حضنت الصبي وأنفقت من مالها إن ثبت ذلك وما تألف مما قبضت من كراء الطراز عينا بيدها إلى وفاتها وجب أن لا يرجع ورثتها بتلك النفقة في قدر الكراء على أحد، لأنها قد كانت متمكنة من الأنفاق من ذلك الكراء المتألف ليسرته لكونه عينا بيدها وهي الحاضنة والمنفقة، والكراء لجهة الجد الملتزم إن صار لجهته أو لجهة الصبي بسبب ميراثه في أمه في الطراز المكترى على ما تقدم، فقد كان إنفاقها عليه من ذلك الكراء سائغا شرعا متمكا حينا، فحين لم تفعل وصانته بإنفاقها من مال نفسها كان محمل ذلك على أنه لا رجوع لها فيه، كما قالوا مثل هذا في الأب إذا كان لولده الصغير بيده عين وأنفق عليه من ماله إنه لا رجوع لورثته فيه، فهذا ما ظهر تقييده في هذه النازلة. والله الموفق بفضله.
وسئل ابن عثمان عمن طلق زوجته على أن تحملت له بنفقة ابنته منها، فتعلمت الصبية صنعة فاجتمع منها دنانير، فقالت الأم أستعين بها على نفقتها وقال الأب يدفع ذلك لها.
والحاصل أن بيع ما ألزمتم يفارق البزر، إذ لا فساد في البزر، وفي القول ونحوه الفساد على بائعه ومشتريه، والله أعلم.
[11/5]
[جواب ثالث عن الإشكال]
وأجاب قاضي الجماعة بتونس أبو يوسف سيدي يعقوب الزغبي، بل سيدي أبو القاسم القسطنطيني بما نصه:
الحمد لله -إذا باع البائع الكتان أو القطن بعد بدو الصلاح واستثنى البزر أو البرسيم فإن كان ذلك قبل أن يظهر البزر والبرسيم فهو كاستثناء الجنين، قال القاضي ابن رشد: لا أعلم خلافا في منعه، ويمكن أن يخرج فيه الخلاف على الاستثناء هل المستثنى مبقي أو مشتري؟ وخرج الخلاف فيه أيضا المازري على ذلك، وتبعهما ابن عبد السلام، ويمكن أن يفسر بذلك كلام ابن الحاجب على بعض النسخ، وأما استثناؤه بعد يبسه وهو قائم في أكمامه على أن يؤخذ كذلك فهو جائز كما ذكرت عن القاضي، كما يجوز بيع السنبل كذلك، وسواء قلنا المستثنى مشترى أو مبقي، وأما إن استثنى ما فيه من البزر خاصة فلا يجوز، وهو كاشتراط الحنطة جزافا على أن يأخذها بعد الدرس والتذرية، ويمكن أن يفسر بهذه الصورة كلام ابن الحاجب على نسختي ابن عبد السلام وابن رشد لأنه مستثنى، والمستثنى ههنا مشترى كما تقدم، ويطابقه المثال، وأما إن استثناه بعد أن أفرك فيجري على بيع الحبوب بعد الإفراك، ومذهب الكتاب الكراهة. فإن وقع وفات مضى، واختلفوا هل يفوت بالعقد أو بالقبض، فليس بين كلام ابن الحاجب والقاضي تناقض، وابن الحاجب وإن أطلق فمراده ما ذكرناه، وابن راشد وإن أطلق فمراده ما ذكرته أنت، وإن كانا لم يبينا، ولكنهم رأوا أن مثل هذا من الجليات لمن معه معرفة بالمذهب، والله تعالى أعلم.
[مجرى الماء يسيل في ملك الغير]
وسئل أبو صالح عن رجل باع بيتا في داره وكان مجرى الماء إلى ناحية البائع، فلما انقضى البيع قال له: اسجن ماءك في ناحيتك، ولم يكن ذكروا مجرى الماء.
وفي العتبية(¬1): وسئل مالك عن رجل اشترى لابن له صغير في حجره غلاما وكتب له كتابا وأشهد له أنه إما اشتراه لابنه فمات الأب بعد ذلك بسنة، فقال الورثة للصبي نحن ندخل عليك في هذا الغلام، قال مالك: ليس ذلك لهم، وأراه إذا أشهد الأب على شرائه أن لا يدخل الورثة عليه في شيء منه. قال القاضي ابن رشد: هذه المسألة صحيحة بينة لا إشكال في أنه لا دخول للورثة على الابن في الغلام الذي اشتراه وإن لم يحزه وإنما اختدمه الأب لنفسه، لأن أصل شراء العبد إنما هو للابن، فلم يهبه الأب له فيحتاج إلى أن يحوزه، وإنما وهب له الثمن الذي اشتراه به فصح له ملكه بالشراء. ونحو ما تقدم عن مالك في هذه الرواية نسبه ابن رشد لابن القاسم أيضا في كتاب الهبات الرابع، وهذا كله مخالف لقول أصبغ.
فإن قلت: فقد قال ابن رشد في البيان: حمل بعض الناس قول أصبغ على أنه خلاف لما وقع لمالك وابن القاسم في الذي يشتري لابنه الصغير في حجره غلاما ويشهد أنه اشتراه لابنه ثم يموت الأب أنه يكون له ولا يكون للورثة الدخول عليه فيه، وليس ذلك بصحيح، لأنهما مسألتان مفترقان، تلك قال فيها إنه اشترى لابنه من مال الابن، فإذا لم يعلم للابن مال من وجه من الوجوه تبين أن ذلك توليج من الأب لابنه ولج غليه ماله وزعم أنه مال الابن، وهذه لم يقل فيها إنه اشترى من مال الولد فوجب أن يكون العبد للابن مالا وملكا بنفس الشراء، لأنه إنما اشتراه بمال وهبه إياه فلا يحتاج إلى أن يحوزه الأب له على نفسه إذ لم يتقرر عليه ملك.
قلت: الظاهر ما نقله ابن رشد عن بعض الناس، لأن التهمة إنما تطرقت من كون الولد لا يعلم له مال، فإن جوزنا أن يكون الأب وهب له مالا حيث لم يجر لمال الولد ذكر، فأحرى أن يجوز ذلك حيث جرى ذكره، ولا أقل من المساواة. وأما اشتمال رسم العهد على الاعتراف فلا تخرج به
[12/6]
12/7] باطنا فيما بينهم وبين الله سبحانه إذ من حجة كل واحخد ممن امتنع منهم أن يقول لا حاجة لي بالشرب منه لاستغنائي بماء بئر داري أو بالاستقاء من خارج البلد أو برد ماء الوادي الذي كان يجري في القادوس المذكور قديما قبل إجراء ماء العين فيه وإنما يندبون إلى ذلك ويرشدون إليه "فمن تطوع خيرا فهو خير له" وهي صدقة جارية في حق من تسبب فيها أو أعان عليها. وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أفضل الصدقة فقال سقي الماء, وليس هذا كبناء السور ولا كإصلاح درب قديم عند حدوث خوف على ما نص عليه علماؤنا رضي الله عنهم, نعم من أراد إصلاح القادوس المذكور ممن له فيه حق كان له منع غيره من الانتفاع بما جره إضلاحه حتى يؤدي ما يجب عليه في ذلك والله سبحانه أعلم وبه التوفيق.
[إذا خرب المسجد ينقل حبسه إلى عامر]
وسئل رحمه الله عن منزلين متجاورين خرب أحدهما وفيه مسجد له أحباس وللمنزل العامر مسجد لا حبس له, فهل يجوز أن تنقل غلة حبس المسجد الخرب إلى المسجد الآخر أم لا ؟ جوابكم شافيا ولكم الأجر.
فأجاب: الحمد لله تعالى وحده دائما الجواب والله سبحانه الموفق للصواب بمنه: إنه يجوز ذلك على قول بعض أهل العلم وبه مضى العمل لكن بناء المسجد الذي تنتقل غلته أو إصلاح ما يحتاج إلى الإصلاح وغن كان لا يصلي فيه أحد إبقاء لحرمة المسجدية عليه, وذكر حامله أن المنزل المذكور لا ترجى عمارته وبالله سبحانه التوفيق.
[من أخذ حبسا على عمل لم يقم به وجب عليه الحبس]
وسئل رحمه الله عن مرتب القيسي الذي كان يأخذ من الأحباس نحوا من خمسة أعوام ثلاثين دينارا في الشهر, وهو لم يكتب قط في الحبس يوما واحدا ولا جلس فيه ولا شهد فيه لا في داخل ولا في خارج, هل يجب عليه
[13/7] رد جميع ما أخذ أو يسوغ له ؟ ما حكم الله في ذلك ؟ بينوا لنا ذلك مأجورين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
12/8]قد استحقه بحوزه، وقد ثبت أن أهل مزدغة قد غرسوا على الماء المذكور في سالف الأحقاب، وأنهم تسقى جناتهم به في أجيال انصرمت، وأعصار انقضت، ولما لم يعلم من تقدم في إنشاء الجنات على الماء المذكور، واحتمل أن يكون أهل مزدغة لم يخرج من أيديهم ما قد استحقوه من كفاية جناتهم منه بالشك، حسبما أفتى به الشيوخ رضي الله عنهم. وهذه النصوص التي أوردتموها إنما هي في الماء المتملك لا في غير المتملك ولا في المجهول الأصل لا محالة، وهذا واضح والحمد لله وحده، وهو حسبي ونعم الوكيل. وكتب علي بن محمد بن عبدالحق اليالصوتي والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وتقيد بعقبه ما نصه: شهد على خطه رحمه الله تعالى ممن قابل ما انتسخ فيه بأصل المنقول منه فماثله، وأشهده على ذلك قاضي الجماعة بفاس عبدالله بن أحمد بن محمد الأزدي أعزه الله وكلأها بصحة الخط المرسوم آنفا، وأنه بخط الفقيه الأجل، القاضي الأعدل، أبي الحسن الصغير رحمه الله وثبوته لديه بواجبه، وذلك من إشهاده حفظه الله تعالى بمجلس نظره، ومقعد قضائه وحكمه من الموافقة المذكورة، وفي أواخر شهر رمضان المعظم من عام تسعة وثلاثين وسبعمائة.
وسئل عن المسألة الفقيه أبوالضياء سيدي مصباح بما نصه: الحمد لله وحده. سيدي رضي الله عنكم وأبقاكم، جوابكم المبارك على نازلة وقع فيها النزاع من أهل أرجان وبين أهل مزدغة السفلى في الماء الخارج من عين أرجان ويشق في بطن الوادي الذي هنالك ( )(¬1) فيه مجشر القلع عن يمينه، ومجشر أرجان عن يساره، ويجتمع الماء المذكور في بطن الوادي مع ماء عيون هنالك، منها ما هو في وسط الجنات والمزارع، ومنها ما هو في بطن الوادي ولا يكاد يسقى بها ما هنالك من الجنات والمزارع الكائنة على ضفتي الوادي من جانبيه، كلما هبط من عيون رفع سد لا يترك من ذلك الماء الذي
[12/8]
[
وأجاب غيره: يا سيدي ووليي ومن أيده الله بطاعته وعصمه بتوفيقه، قرأت ما خاطبتنا به، وجواب الفقيه أبوالمطرف أكرمه الله تعالى حسن وبه أقول وبه جرى العمل عندنا وهي الرواية لسحنون وغيره، إلا أنه استحسن في ذلك الفقهاء رحمهم الله أن يؤمر صاحب الحانوت بتنكيبه إن أمكنه، وإن لم يمكنه فلا يمنع فاتح الحانوت من منافعه وليس الأسطوان موضع مسكن فيكون الحانوت ضررا عليه فإنما يكون الإطلاع ضررا إذا كان في
[13/9] موضع مسكن يتصرف فيه صاحبه وأهله كيف شاء طارحا من نفسه صور الإطلاع عليه، وليس هذا المعنى موجودا في الاسطوان والاطلاع ليس بضرر عند أهل العلم، رحمهم الله، بما ذكرناه والرشد في الاتباع. وتحصين الاسطوان إنما هو بالباب، حملك الله وإيانا على الصواب برحمته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وأجاب غيره: يا سيدي ووليي ومن أبقاه الله وسلمه، الرواية في هذا معلومة، قيل إنه لا يمنع في السكة الواسعة النافذة، وقيل إنه يمنع في السكة الضيقة ويؤمر بالتنكيب. روي عن سحنون، رحمه الله: إذا كانت حوانيت ومجالس أمر بالتنكيب، فإن أبى منع. والذي أراه وأستحسنه أن توجه من تثق بدينه وأمانته وبصره ثم سلكت فيه ما يؤديه إليك اجتهادك وما وافقت فيه أهل العلم فضرر الحانوت شديد إن شاء الله تعالى والسلام عليكم يا سيدي ورحمة الله وبركاته.
وأجاب غيره: يا سيدي ووليي ومن أحسن الله عونه وأجمل تخلصه، قد تقدم جوابي في مثل هذه المسألة بمنع الحانوت على ما بينه وشرحه محمد بن عبدوس مما فيه الضرر البين وهو اختياري والذي إليه أميل، وقد رأيته لبعض الفقهاء المتقدمين، والله عز وجل يحملك وإيانا على ما فيه الخلاص والنجاة برحمته إن شاء الله والسلام عليكم.
وسئل ابن رشد عن مدينة فيها أمير وليس فيها قاض ، فكتب الأمير إلى الأمير الأعلى أن المدينة ليس فيها قاض ينظر في أمور المسلمين ، فيها فلان يصلح للقضاء ، فكتب إليه الأمير الأعلى [11/10] أن يوليه القضاء ففعل الأمير ما حد له الأمير الأعلى وولاه القضاء ، وكتب له بذلك صكا عن أمر الأمير الأعلى ، فحكم القاضي المذكور في البلد الموصوف ، ثم ولى بعد ذلك صاحب المناكح على خطته يحكم كما كان يحكم في حياة القاضي الذي ولاه ويشهد عنده فقهاء مصره وأعلامه بالطلاق وغير ذلك من أحكام النكاح ، ويزوج من أحب الزواج ويطلق من أحب الطلاق ويحكم على الحاضر والغائب ، وذلك كله من الصلاح للبلدة إذ لا غنى لهم عمن يحكم في الطلاق ، فهل يجب أعزك الله أن تنفسخ أحكامه بعد القاضي ، والبلد يحتاج ألى ذلك ، أم لا ؟ بين لنا ذلك مأجورا إن شاء الله .
فأجاب : لا ينتقض تقديم المقدم للمناكح بموت الذي قدمه لها وهو على خطته حتى يعز له عنها الذي خلف بعده ، فما حكم فيه أو قضى به مما جعل إليه بعد موت الذي قدمه لذلك ، فذلك كله جائز نافذ لا يصح فسخ شيء منه ولا رده وبالله التوفيق .
[لا يستنيب القاضي غيره وهو حاضر غير مريض]
وسئل من كورة باغة عن قضاة الكور كغبرة وجيان وباغة ووادي آش وأشباهها يغيبون عنها أو يمرضون أو يشتغلون فيستنيبون من يحكم بين الناس إذن من ولاهم من قضاة القواعد ، وكيف إن فعلوا ذلك من غير مرض ولا غيبة إلا تخفيفا عن شغب الناس ، فهل تجوز أحكامهم ومخاطبتهم غيرهم من قضاة البلاد ؟ . وهل يجوز لهم ضرب الآجال والتعجيز في المطالب ؟ وهل يقيمون الحد في الخمر وفي الزنى أو لا ؟ وكيف إن كان ذلك بإذن قضاة القواعد ، فإن كان ذلك جائزا فكيف يعرف الإذن في ذلك ؟ أيقول قاضي الكورة : وبإعلام الذي ولاه ، وهذا قد يتعذر معرفته ، بين لنا ذلك .
قلت: هداج(¬1) العربي هذا قتلته العامة بتونس إثر صلاة الجمعة سنة خمس وسبعمائة وأشلوه(¬2) في سكك المدينة وكان هداج بن عبيد هذا من رؤساء العرب وشيوخهم، وكان سلطان أفريقية إذ ذاك ربى ولي الله الشيخ الصالح أبي محمد المرجاني(¬3) الأمين أبي عبيدة محمد بن عيسى المخلوع من أبي عبد الله المستظهر بالله ابن أبي زكرياء يحيى بن أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص، وكان الأمير أبو عصيدة هذا ولد في زاوية الشيخ أبي محمد المذكور فسماه محمدا وعق عليه وأطعم الفقراء يومئذ عصيدة الحنطة فلقب بأبي عصيدة لذلك لآخر الدهر.
[هل يجوز اتخاذ المسجد طريقا؟]
وسئل ابن عرفة رحمه الله عن المسجد هل يجوز اتخاذه طريقا أو لا؟.
فأجاب: بجوازه إذا دعت لذلك ضرورة. وكان البودري من متأخري التونسيين وأحد أشياخ ابن عبد السلام مدرسا بمدرسة التوفيق وكانت داره قبلي جامع التوفيق فكان إذا أتى المدرسة دخل من باب الجامع القبلي فيخرج من الباب الجوفي، فعيب عليه ذلك لما فيه من اتخاذ المسجد طريقا فاحتج بأن مالكا أجازه في المدونة حيث قال: ولا بأس أن يمر فيه ويقعد من كان على غير وضوء. وحين ذكر الشيخ أبو عبد الله بن عرفة رحمه الله هذا الاحتجاج عن البودري قيل له لا نتمسك به، لأن الكلام إنما خرج مخرج بيان أنه ليس من شرط الكون في المسجد الطهارة لا مخرج حكم المرور.
[12/11] [الغرس في المسجد ومن المستحق لثمره؟]
وسئل الأستاذ أبو سعيد بن لب عن الغراسة في المسجد.
فأجبت عنه بما نصه : الحمد لله على نعمه وآلائه ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا ومولانا محمد خير خلقه وخاتم أنبيائه ، وعلى آله وأصحابه خير صحب وأكرم أوليائه ، صلاة وسلاما يدومان بدوام الدهر وبقائه ، ونجد بركتها لفي هذه ويوم لقائه . أما بعد ، أيها الأخ في الله ، شرح الله للعلم النافع صدري وصدرك ، ورفع في العلماء الأعلام قدري وقدرك ، ويسر للخيرات أمري وأمرك ، وضاعف لديه أجري وأجرك ، فإني أمهد لك قبل الخوض في تتبع ألفاظ السؤال ، والشروع فيما يتعلق بها من المباحث والأقوال ، مقدمة عليها المدار والاعتماد ، وبتخلصها إن شاء الله يتبين الغرض ويستفاد ، فأقول معتصما بالله ومتوكلا عليه ، ومتبرئا من الحول والقوة إليه : ليس للمقلد المنتسب إلى مذهب مالك رحمه الله أو إلى غيره من المذاهب وأصحاب الآراء والمقالات المروية المسموعة الثابتة في المسألة ذات القولين أو الأقوال أن يتخير فيعمل أو يفتي أو يحكم بأيها شاء قبل النظر في الترجيح ، وإعمال الفكرة في تعيين المشهور والصحيح ، أن كان المقلد أهلا للنظر في طرق الترجيح ، وإدراك مدارك التقديم والتصحيح . وإنما الواجب عليه في القولين أو الأقوال إن كانت لشخص واحد ، إن لا يعمل أو يفتي أو يحكم إلا بالراجح عنده وبما الدليل له عاضد ، وأن لا يختار أوفق المذاهب والأقوال لطبعه ، من غير مبالاة ولا التفات إلى جنس الترجيح ونوعه . وإن عجز عن نصرة الأول ، بما عليه من الأدلة العمل والمعمول ، فالواجب عليه التمسك بالأخير لأن المسبوق ناسخ والسابق منسوخ ، في نظر الأيمة والشيوخ .
فإن قلت : إذا وجب إعمال القول المرجوع إليه لكونه ناسخا وإهمال المرجوع عنه لكونه منسوخا ، فما فائدة تدوين الأيمة للأقاويل التي يرجع عنها المجتهدون إذا كانت هذه منزلتها عندهم .
[11/12]
[12/12]