تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال وعلى هذا تأتي مسألة ذكرها شيخنا الإمام ابن عرفة عن بعض شيوخه أنه سئل عمن أراد أن يكفن في ثوب غسل بماء زمزم قبل غسله, فأفتى بأنه لا يكفن به حتى يغسله بغيره. وكان شيخنا يستشكله بوجهين: الأول منهما أن هذا لا يجري إل على مذهب ابن شعبان بمنع غسل النجاسة به. والثاني أن أجزاء الماء قد ذهبت حسا ومعنى, ولم يبق لها ذات ولا صفة. وكان يتقدم لنا فيها نظر, لأن صفة الماء من ملوحة وحلاوة وغير ذلك يوجد في ذلك الثوب, فهي دليل على أن بعض أجزائه باقية ببقاء تلك الصفة والله أعلم.

[سقوط النجاسة في الصلاة]

وسئل ابن عرفة عمن سقطت عليه نجاسة وهو في الصلاة وبانت عليه في الحال, هل يقطع أو يتمادى؟ وكيف إن لم يستشعر بها حتى سلم؟

فأجاب: يقطع صلاته ولا يتمادى, ويعيد إذا لم يستشعر بها ما دام في الوقت, بدليل قوله في المدونة: إذا علم وهو في الصلاة أنه شرق أو غرب قطع. ظاهره ولو كان الآن مستقبل القبلة.

وأجاب سيدي أبو القاسم الغبريني بأنه يتمادى ولا يقطع, ويعيد في الوقت, لأن غسل النجاسة واجب مع الذكر, وهو ما تذكرها حتى انفصل عنها, ويعيد في الوقت لأنه فعل جزءا من أجزاء الصلاة وهو متلبس بها. قيل وهو عندي يتخرج على مسألة وهي هل كل جزء من أجزاء الصلاة مستقل بذاته عن يقية صلاته؟ أو كلها كالشيء الواحد ؟ وهي مسألة إذا نسى السجود من الأولى, والركوع من الثانية, هل يضيف سجود الثانية للأولى أو لا؟ وكيف إذا بطلت ركعة هل تنتقل الأخرى أم لا؟

[10/1] [الرقاد في فراش نجس بثوب مبلل]

وسئل سيدي قاسم العقباني عمن أصاب ثوبه وقد رقد في فراش نجس لم يجد غيره, وكذلك استار بيت الشعر النجس يبتل ويصيب بلله الثوب.

*وسئل عن ثور وقطع فاندق عنقه، فوجد النخاع أعني الجلد الذي يضم المخ صحيحا دون قطع ولا ثقب، إلا أن المخ المعقود قد انحل وسال عن الموضع المدقوق.

=فأجاب: مسألة الثور المدقوق الظهر حتى انفصل مخ النخاع بعضه من بعض فيها خلاف، هل يؤكل بالذكاة أم لا؟ والصحيح جواز الأكل، ولا يباع إلا البيان.

[ جدي رضع حمارة مرارا يؤكل بعد مدة ]

*وسئل عن جدي رضع حمارة مرارا هل يؤكل أم لا؟.

=فأجاب: إن كان قدم عهده برضاعة الحمارة زيادة على الأربعين يوما فلا حرج في أكله، وإن كان قريب العهد بذلك ترك حتى تمر له تلك المدة ثم يؤكل.

[13/2]

[14/2]

[ أعمال الذكاة في المنخنقة وأخواتها ]

*وسئل سيدي علي بن عثمان عن المنخنقة بحبل ونحوه، وعن الموقودة بحجر وعصى تذبح وهي محققة الحياة حين الذبح، هل تعمل فيها الذكاة أم لا؟.

=فأجاب إن كانت غير منفوذة المقاتل عملت فيها الذكاة على المشهور والله تعالى أعلم.

[ تحلل أجزاء النحل في العسل لا يضر ]

*وسئل سيدي أبو عبد الله الزواوي عن النحل هل هو من خشاش الأرض الذي قالوا: إن ذكاته كالجراد أم لا؟ فإن قلتم: إنه كالخشاش فهو يغتفر تحليل أجزائها في العسل، لأن أجزاءها لا تنفك عن العسل أم لا؟

=فأجاب هو من خشاش الأرض، ويؤكل به الجراد، ولا يضر ذلك العسل إذا كان بقى بعض أجزائه فيه لأنه مما لا ينفك عنه غالبا، والله تعالى أعلم.

[ المتردية التي لم تنفذ مقاتلها ]

*وسئل سيدي عبد الرحمن الوغليسي عن البقرة أو الشاة إذا تردت من جبل فيصيبها ما لا تعيش منه عرفا عند أهل الماشية، غير أنها سالمة المقاتل هل يكون ذلك سببا لتحريمها أم لا؟

=فأجاب: فيه خلاف، والمشهور: أنها توكل إذا ذبحت واقترنت بذلك علامة الحياة مثل أن تركض برجلها أو تحرك ذنبها أو تطرف بعينها أو يجري نفسها والله تعالى أعلم.

وقول ابن القاسم الذي أشرتم إليه ما وقفت عليه صريحا فيما ذكرتم قبل من قولكم ، بل مع ما حكاه الأولى فيها أن تقول بنقل الحكم عن قول ابن القاسم إلى كلام عبد الحق ، لصراحة مخالفة كلام عبد الحق في[12/3]الخيار لذلك الكلام واحتمال كلام ابن القاسم الذي وقفت أنا عليه ، ويحتمل أن يكون أتى بها لرجحان المعنى الذي وليها على ما قبلها ، لكن ذكر ذلك في التسهيل مع تكررها ، وجعل من ذلك في الشرح قوله تعالى : ﴿بل ادارك﴾ الآية . وقد يتكلف لتوجيه ذلك الكلام المعزو لعبد الحق إن صح ، ولموافقته للقواعد ولقول ابن القاسم في كتاب الخيار في المدونة : وأن الزوجة كانت على خيار واختيار في أحد العبدين لا على الإلزام لأحدهما ، فإذا هلك في أيام الخيار كان ضمانها من الزوج ولو لم تقم بينة ، إلا أن يتبين كذبها ؛ لأن ضمان ما لا يغاب عليه في أيام الخيار من البائع ، ولا كان هذا النوع من بيعتين في بيعة إنما يجوز في الشيئين أو الأشياء المتساوية أو المتقاربة ، وكان من المحتمل أن تقول الزوجة هلاكهما رضيت أحدهما صداقا لو بقي ، كان مقتضى الفقه أن يعطي الزوج نصف قيمة كل منهما لتساويهما أو لتقاربهما ، وهكذا يقول ابن القاسم فيما يغاب عليه كالثوبين إذا بيعا على خيار أحدهما واختياره ، وضاعا في أيام الخيار وقامت بينة بهلاكهما بغير سبب المشتري ، أن ضمانهما من البائع ، قال في كتاب الخيار من المدونة . قال مالك ضمان ما بيع على خيار مما لا يغاب عليه أو مما يثبت هلاكه مما يغاب عليه من البائع ، وإن قبضه المبتاع ، وما لم يثبت هلاكه مما يغاب عليه فالمبتاع يضمنه ويلزمه الثمن . انتهى . فقال بعد هذا : ومن اشترى حيوانا أو رقيقا بالخيار فقبضهما إلى أن قال فيما يغاب عليه ، فإذا شهدت بين بهذا كان من البائع ، وكذلك إن ثبت هذا من الرهن والعارية والصناع كان من ربه . انتهى .

فأجاب: إن للأم تستعين به.

وأجاب ابن القطان بأن ذلك يدفع لها وقول ابن عتاب أولى.

[10/4]

[11/4]

[ إذا شرطت المرأة على زوجها عند الطلاق ألا يأخذ ولدها إذا تزوجت في عامين ]

وسئل ابن عرفة عمن طلق امرأته ولها منه ولد صغير اشترطت عليه قبل الطلاق أنها إن تزوجت في عامين ألا يخرج ولدها من حضانتها، فتزوجت في العامين، فطلقت قبل استكمال العامين. فبقي الولد حتى كمل العامان فأراد أخذه، هل له ذلك أم لا؟

فأجاب بأن قال: لا، لأن الموجب لإسقاط الحضانة القضية القائلة التزويج مسقط، ولو طلقت لم ترجع. وهنا القضية القائلة النكاح لا أثر له. فكان كما لو لم تتزوج. نعم إن تزوجت في المستقبل أخذه. انتهى.

قيل: وفي سماع ابن القاسم في كتاب التخيير دليل على هذه المسألة. أو هي بنفسها فانظره.

ووقع بين الفضلاء بالقاهرة الممحروسة بحث من نمط ما في الفرع قبله، وهي مطلقة لها ولد صغير في حضانتها فخافت إن تزوجت أن يأخذه أبوه. فأعطته مالا على أن ينتزعه منها ولو تزوجت، وأنه إن انتزعه رجعت عليه بما أعطته. ثم إنها تزوجت فسكت الأب ولم يأخذ الولد بمقتضى الشرط، فقامت الجدة وأخذته فأرادت الأم الرجوع على الأب فاحتجت عليه بأنها إنما دفعت المال على بقاء الولد عندي والآن قد زال من يدي.

فأجاب بعض المشارقة: لا رجوع لها وذلك مصيبة نزلت بها.

وأجاب غيره، وصوبه المشرقي المذكور، يبقى ولقائل أن يقول لا تصح هذه المعاوضة. ولها الرجوع ولو لم تتزوج لأنه أخذ عوضا عما لا يملك حالة المعوضة، لأن نزع الولد إنما يملكه بالتزويج، فهو كقولهم إذا أخذ عوضا عن إسقاط الشفعة قبل تقرر موجبها.

[ أجرة المحضون لأمه تستعين بها على نفقته ]

وسئل ابن عتاب عن رجل طلق امرأته وله منها ابن فتزوجت المرأة ثم

[11/4]

[12/4]

التزومت لزوجها حضانة ابنها منه لأشهر مسماة دون فرض بسبب فرضها فاستؤجر الصبي بدراهم، لمن الدراهم؟.

فأجاب: مجرى الماء على حاله الذي كان إلا أن يبين المشتري بيانا أنه يسجنه في ناحيته.

[12/5]

[هل لمن لم يحرث أرضه حظ في ماء الساقية؟]

وسئل الأستاذ أبو عبد الله الحفار عن ساقية ترفع من الوادي كما هي سائر القرى، ولكن رجت عادتهم في وقت السقي ينظرون ما في القرية من أرض مزروعة في وقت الصيف وفي وقت الخريف، ويقسم ماء الساقية على جميع المزروعة، وكل ما لا زرع فيه لا يخرج له شيء من الماء على خلاف العادة في سائر الأرض، إذ العادة في غيرها أن قسمة الماء على جميع الأرض بالقرية، وكل واحدة بحظه زرع أو ترك.

فأجاب: الساقية المأخوذة من الوادي ليست ملكا لأحد، وإنما يسقى بها ما يحتاج إلى السقي من نبات زرع أو شجر، فيأخذ أهل الموضع لسقي زرعهم، ومن لم يزرع فلا يأخذ من الماء بسبب أرضه، لأنه ليس له في الوقت زرع، وإنما يأخذ ويتصرف فيه بالبيع وغيره من يملك الماء باشتراء لأصله، أو يكون عين ماء في ملكه قد نبعت فيه أو بوجه من وجوه التمليك، وأما ماء الوادي فلا ملك لأحد فيه، وإنما يسقي به الأول فالأول على ما أحكمته السنة وجرى عليه العمل بالحضرة، ولا معدل لأحد عنها، قاله محمد الحفار.

[النزاع على قسمة الماء الهابط على الوادي]

وسئل عن قوم وقع بينهم نزاع على قسمة الماء الهابط على الوادي.

المسألة عن باب الإقرار في الصحة لضعف دلالة الاقتراب. ولما نص عليه أيمتنا في ذلك. قال في العتبية:

وسئل ابن القاسم عن رجل حضر خروجه لحج أو غزو أو سفر من الأسفار فيكتب وصية ويشهد عليها ويشهد لامرأته ولبعض ولده أن عليه من الدين لهم كذا ويضع عليه في وصية أو لا يضع ذلك في الوصية، غير أنه يشهد أن عليه من الدين كذا وكذا، ويتصدق حينئذ بصدقة على ابن له صغير لم يبلغ الحوز، فيموت في سفره ذلك، فهل يجوز للوارث ما أقر له به وما تصدق على الصغير؟ قال ابن القاسم: ما صنع من ذلك فهو جائز إذا أشهد عليه وهو صحيح، ولا يشبه هذا بالمرض لأنه صحيح، وهو أحق بماله من ورثته، ولا يتهم على شيء من ماله إذا أشهد عليه وليس في السفر تهمة انتهى. فأنظره إلى اشتمال رسم العهد وعلى الاعتراف كيف لم يوجب حكما. وأما بقاء رسم الاعتراف بيده إلى أن توفي فلا يضر أيضا ولو كان منفصلا عن العهد، لأن له عذرا في وقف ذلك المال حتى يقوم ربه إن كان حيا أن من ينوب عنه أو يظهر وارثه إن كان ميتا، إذ لا يقبل قوله إن صاحب المال أمره بالتصدق به عليه، ولو فعل لضمن إلا أن يصدقه مستحقه.

[من أقر لابنه بدين في صحته فلم يقم به حتى مات]

فأجاب: الحمد لله تعالى وحده دائما. الجواب والله سبحانه المرشد للصواب بمنه: إنه إن جعل له المرتب المذكور على القيام بمصلحة من مصالح, من نظر أو إشراف أو شهادة او غير ذلك من مصالحه فلم يقم بها فأخذه ما أخذ باطل, يجب عليه رده لأنه اخذه من غير عوض ولا يجوز للناظر في الحبس السكوت عنه, بل يجب عليه طلبه واستخلاصه منه, فإنه مطلوب بضم أموال الأحباس واستخراجها من يد مغتصبها أو آخذها بغير حق, وقد كان الآخذ المذكور استفتانا في ذلك فأفتيته بأنه لا يجوز له أخذ المرتب إلا بشرطين: أن يكون عن امر ممن ولاه الله سبحانه النظر في مصالح المسلمين على حسب ما اقتضاه اجتهاده في ذلك, وأن يقوم بالمصلحة التي جعل له المرتب عليها, وإلا فلا يجوز له أخذه, وبالله سبحانه التوفيق.

وتقيد بعقبه ما نصه: الحمد الله أشهد الشيخ الفقيه المعظم العلم الشهير الصدر الأوحد الخطير القدوة الحجة المفتي المدرس الأجل الأفضل الأكمل: أبو محمد عبد الله بن الشيخ الفقيه المعظم الصدر المعتبر الأشهر المفتي المدرس الأحفل الأفضل أبي عبد الله محمد بن محمد بن موسى بن معطي العبدوسي على نفسه أن الجواب على السؤال المذكور فوقه الذي في أوله الحمد لله تعالى وحده دائما وآخره وخار له بمنه وفضله, جوابه عن المسألة المذكورة الذي تقلده(¬1) فيها من غير شك في ذلك بمن علم خطه قيد عليه شهادته في اوائل شوال عام ثمانية وثلاثين وثمانمائة, عرفنا الله تعالى قدره.

وأجاب عن السؤال المذكور الفقيه أبو عبد الله محمد بن علي المديوني الشهير بابن آملال بما نصه: الجواب والله الهادي إلى الصواب أن

[

13/8]فوقه إلا رشوحات ترشح منه حسبما تقدم، ثم كذلك إلى آخر غروس أرجان ومزدغة، ثم يهبط ما بقي من تلك الرشوحات في أرض صلبة إلى أن ينتهي إلى مجشر أم مجشال، ويرفعه أيضا أهل المجشر المذكور في أسدادهم يسقون به ما هنالك من غروس لهم، فإذا بقي شيء هبط إلى غروس مزدغة، فرفع الآن أهل أرجان الماء في أسدادهم على حسب ما وصفناه، ولم يبق في الوادي المذكور إلا شيء يسير لا يقوم بأهل مزدغة لغروسهم، فطلب أهل مزدغة من أهل أرجان أن يرسلوا لهم من الماء ما يقوم لهم بغروسهم، وامتنعوا من ذلك، واحتجوا بأن الماء ماؤهم وملكهم، إذ خروجه من أرضهم كما وصفناه واحتج عليهم أهل مزدغة بأنهم غرسوا عليه وبلغت غروسهم، وزعم أهل أرجان أن أهل مزدغة إنما غرسوا على ما فضل عن حاجتهم، وزعموا أن الماء كان في السنين المتقدمة كثير (كذا) يقوم بهم، وتفضل فضلات لا حاجة لهم بها، ولا يقدرون على إمساكها، وعلى تلك الفضلات غرس أهل مزدغة غروسهم، فهل ترون رضي الله عنكم أن هذه الحجة تنهض لأهل مزدغة يجب لهم بهم قسم الماء من أهل أرجان؟ أو ليس لهم حجة إلا فيما فضل، كما زعم أهل أزكان لدعواهم أن الماء ماؤهم وملكهم خرج من أرضهم، وأن الماء لا يملك بالغرار الذي خرج منه، وهل أيضا يسوغ للحاكم الذي يحكم للفريقين الحكم في هذه النازلة أم لا؟ لأن الحكم لا يقع إلا على حاضر يمكن الإعذار إليه، وكل فريق من الفريقين لا ينحصر ولا يمكن الإعذار إليه، لأن كل فريق من هذين الفريقين لا يحصر(¬1) ولا يعد منهم من هو في غير ولاية، ونساء متزوجات وأرامل، وكيف يسوغ للحاكم أن يحكم بين من هو بهذه الصفة؟ أو يكون هذا مثل ما أشكل من الأمور، فيندب الحاكم فيها الفريقين إلى الصلح ما استطاع، فإذا امتنعوا تحرى الصواب بعد مطالعة من ترضى حالته من أهل العلم، فما رآه ورأوه صوابا

[13/8]

[

وأجاب موسى بن عبدالصمد: يا سيدي ووليي ومن أجمل الله تخلصه وأحسن تأييده وعونه، قرأت ما خاطبتنا به ووقفت عليه. وفي المدونة من رواية ابن القاسم عن مالك رحمه الله أن من كانت داره متصلة بسكة نافذة فإن له أن يحول بابها حيث شاء ويفتح لها من الأبواب ما أحب وليس لأحد منعه من ذلك. ورأيت لسحنون بن سعيد، رحمه الله، أنه سئل عمن بنى على باب داره دكانا في زقاق وهو لا يضر بالزقاق غير أنه بنى ذلك في قبالة دار رجل، فقال سحنون: يمنع من بنيان الدكان ورآه من الضرر للملازمة للجلوس فيه. فما أداك إليه الاجتهاد من القولين لم تعدم فيه

[14/9] الصواب إن شاء الله عز وجل، والله أسأله عونك وتأييدك والسلام عليك يا سيدي ورحمة الله وبركاته، قاله موسى بن عبدالصمد.

وأجاب غيره: يا سيدي ووليي ومن تولى الله عضده وتأييده وأحسن على الخلق عونه. جواب الفقيه أبوعمر هو الصواب عندي وبه أقول لأن الجهل المتفق على أعماله أن لا ضرر والذي في المدونة لم يفسر فيه لأنه قبالة بيت أحد مجمل، قول ابن عبدوس على هذا التفسير والتبيين كما في المدونة أولى عند أهل النظر من حمله على الخلاف، وقول عبدالله بن وهب في كتب السلطان عندي لقول ابن عبدوس إنما يراعى في النافذة وغيرها الضرر، وكذلك قال سحنون يؤمر في الزقاق النافذ بالتنكيب حتى يزول الضرر، والضرر قد ثبت عندك فأنفذ القضاء بإزالته فأنت بذلك مأجور إن شاء الله، والسلام عليك يا سيدي ورحمة الله وبركاته.

فأجاب : لا يجوز أن يستنيب غيره على شيء من الأحكام وهو حاضر غير مريض ، وأما إن غاب أو مرض فيجوز له ذلك إن كان الذي قدمه فوض إليه ذلك وجعله له في تقديمه إياه ، وكان ذلك معلوما من سيرة حكامه في الكور ، وينزل مستخلفه في مرضه أو غيبته منزلته في جميع الأمور . وإن لم يتضمن ذلك كتاب تقديمه إياه ولا كان ذلك معروفا من سيرة حكامه في الكور فلا يصح له الاستخلاف ، فإن استخلف في مرضه أو سفره وقال إنه أذن له في [12/10] ذلك صدق في ذلك وجازت أحكام مستخلفه ، إذ قد قيل إن له أن يستخلف في مرضه أو سفره دون إذن الذي قدمه ما لم يحجر ذلك عليه وبالله التوفيق .

[إذا أسند الفصل في قضية وقعت بمصر إلى قاضي مصر آخر ]

وسئل من قبل القاضي أبي الفضل عياض عن خمس مسائل كلها من قبيل واحد ، وذلك في آخر شهور سنة ثمان عشرة وخمسمائة .

فأما الأولى منها فهي في قاضي مصر صرف إليه السلطان قصة مخصوصة وقعت بمصر من عمل قاض آخر وهو بعيد من القاضي المعروف إليه ، هل له أن يوجه رجلا من بلده إلى ذلك المصر لينظر له في القضية ويشهد عنده بشهود ذلك المصر المخرج عن قضية الحكم فيه لتعذر من يقدمه هذا المصروف إليه الحكم بذلك المصر ، إذ كل من يشار إليه بذلك يستنكف أن يتقدم له رعاية لقاضيه المصروف عنه الحكم في هذه النازلة أو خوفا منه ، فهل له أن يوجه رجلا يستنيبه في ذلك ليثبته عنده ما يجب إثباته ، ثم يعلمه بذلك لينفذها أو يأمره بإنفاذها ؟ أم ليس له ذلك ؟ وهل بينه فرق وبين ما بعد عن حضرة القاضي من عمله مما يحتاج إليه استنابة أمينه وثقته ؟ بين لنا ذلك مأجورا مشكورا إن شاء الله .

فأجاب: مذهب مالك المنع من ذلك. وإن غرس فيه شئ قلع ومذهب الأوزاعي جواز ذلك. فأما ثمرها فلم يتكلم المتقدمون عليها ووقع في نوازل ابن سهل ثلاثة أقوال: أحدها أنه يكون لجماعة المسلمين، الثاني أنه يكون للمؤذنين وشبهم من خدام المسجد. والثالث أن ذلك للفقراء والمساكين. والصحيح أن ذلك لجماعة المسلمين لأن كل واحد له حق في المسجد.

قلت: هذه أحدى المسائل الست(¬1) التي خالف الأندلوسيون فيها مذهب مالك.

[تهاون المرتب في القيام بوظيفة الشرعية أو الذاتية]

وسئل عن قوم مرتبين لقراءة الحزب وقع منهم التفريط في الحضور لذلك على تفاوت كثير حتى مر عليهم الشهور والأعوام ولم يحضروه هل يجوز لهم أخذ الأجرة عليه؟.

فأجاب: الواجب على من أرسم في خطة شرعية أو وظيفة دينية وله عليها أجر وبسببها رزق أن يجتهد في إقامتها وأن لا يقصر بها عن عادتها وقد جعل الله لكل شيء قدرا. ولا بد للإنسان من عذر وشغل، فإذا كان يقل ذلك وغالب الحال القيام بحق الوظيفة فلا حرج من أخذ الجراية، وإن كان ذلك يكثر والغالب عليه الإضاعة وعدم المبالات بالارتباط إلى الوظيفة فقد بعد عن استحقاق الجراية.

[13/11] [ما يجوز فعله في المسجد وما لا يجوز]

وسئل عز الدين عن المعتكف أو غيره يكون في المسجد هل يجوز له أن يبول في إناء يستخفي فيه أم لا؟.

فأجاب بأن قال الفصد والحجامة في المسجد جائزان بشرط التحرز من تلويثه. وقال الأصحاب لا يجوز فيه البول ولو تحرز وأجازه صاحب الشامل. وما قاله الأصحاب أوجه، اه.

قلت : فائدة تدوينها أنه يصح أن يذهب إليها المجتهد أو من بلغ رتبة الترجيح يوما من الدهر على ما هو مبسوط في الفقه وأصوله . وإن جهل التاريخ تساقطا إن لم يميز الأرجح منهما بقواعد مذهب إمامه وأصوله ، وإن ميزه بقواعده التي لم يختلف قوله فيها بوجه ولا حال تعين العمل بمقتضاه ، في عمله وقضائه وفتياه . والدليل لذلك وجوده لغير واحد من شيوخ المذهب وحماته ، وفعله ابن القاسم في ثلاثة عشر موضعا من الكتاب ، وتلقاه منه الشيخان الشامخان بالعدل أسد وسحنون . وأما أن يعمل أو يفتي أو يحكم بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح ، ولا تقييد بالمشهور والصحيح ، فإنه لا يحل ولا يجوز ، فإن فعل فقد أثم بلا نزاع ، وجهل وخرق سبيل الإجماع . قال ابن الصلاح : وسبيله وسبيل الذي حكى عنه القاضي أبو الوليد الباجي المالكي من فقهاء أصحابه أنه كان يقول غير مستتر إنم الذي لصديقي علي إذا وقعت له حكومة أن أفتيته بالرواية التي توافقه . وحكى عمن يوثق به أنه وقعت له واقعة فأفتى فيها وهو غائب جماعة من فقهائهم من أهل الصلاح بما يضره ، فلما عاد سألهم فقالوا له ما علمنا أنها لك وأفتوه بالرواية التي توافقه . قال الباجي : ولو اعتقد هذا القائل أن مثل هذا لا يحل له ما استجازه ولو استجازه لم يعلن ولا أخبر به عن نفسه . قال وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع أنه لا يجوز . وقال الشيخ أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله : لا يصح للحاكم ولا للمفتي أن يرجح في حكمه أو فتواه أحد القولين بالصحبة أو الإمارة أو قضاء الحاجة ، إنما الترجيح بالوجوه المعتبرة شرعا ، وهذا متفق عليه بين العلماء . فكل من استمر على تقليد قول غير محقق أو رجح بغير معنى معتبر ، فقد خلع الربقة واستند إلى غير شرع عافانا الله من النار .

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ١٠