وسئل سيدي أبو القاسم المشدالي عما وقع في نوازل الشعبي من قوله: سئل بعضهم عمن ترك مطمورة مفتوحة فوقع فيها خنزير فوجد ميتا. هل يجوز بيع هذا الطعام من نصراني؟ قال: لا, ولا يزرعه صاحبه ولا ينتفع به, ويغيبه على النصارى حتى لا ينتفعوا به. انتهى. هل هذا الحكم متفق عليه أم لا؟
فأجاب: مثل هذا وقع لابن أبي زيد في مطمورة وقع فيها فأرة وأنتنت, فقيل له كيف الحكم في زكاتها وبيعها وشرائها وصدقتها وتسلفها؟ وكيف إن وقعت في درسة وتفسخت؟ فأجاب: إن أتاهم من الفأر ما لا يقدر على دفعه والاحتراز منه لكثرته, فعن سحنون هذه ضرورة, وإذا درسوا فليلقواما رأوا من من جسد الفأرة, وما رأوا من دم على الحب عزلوه وحرثوه وأكلوا ما سواه, ولهم بيع ما لم ير فيه دم بالبراءة أنه درس وفيه فأرة ويخرجون زكاته منه, ولا يخرجون منه لغيره, ويتصدقون به تطوعا. وما فيه الدم ظاهرا لا يباع ولا يسلف, ولكن يحرث, ولهم سلفه إذا لم يظهر فيه الدم واحتاجه المتسلف, ولو باعه منه كان أحب إلي. وما مات في رأس المطمر ألقي وما حوله وأكل ما بقي, وإن شربت المطمورة وطالت مدتها حتى يظن أنها تسقى من صديدها إلى آخرها زرع ذلك ولم يوكل. ولو كان مطمرا عظيما لا يكاد يبلغ إلى جوانبها وأسفلها زرعوا من ذلك ما شكوا فيه وأكلوا ما سواه مما لا يكاد يبلغ إليه من صديدها, ولهم غسل ما ظهر فيه الدم وأكله,
[8/1] وليس كالقمح إذا شرب الماء النجس. انتهى. فيحتمل أن يكون هذا خلافا لما في نوازل الشعبي اغراق من الفتوى, ولا يتخرج إلا على القول بأن المتنجس لا ينتفع به مطلقا, وهو خلافا المشهور.
[وقوع الفأرة في صابون]
ومثل هذا ما سئل عنه أبو جعفر في فأرة وقعت في صابون لا سائل ولا جامد, هل يغسل بذلك الصابون؟ فقال: إن كان يميل إلى الجمود طرحت وما حولها, وإلى الانحلال غسل به ثم يطهر الثوب.
وقد رد هذا القول على قائله بأنها قد تبرز سالمة من القطع ويحاول ردها ويخاط عليها ويعيش صاحبها، ومعن القصب والأمعاء وذلك عبارة عن مصران الجوف سوى الحشوة المذكورة، وأما كلامهم في المقاتل ولم يعدوا القلب معها فقد كان وقع في هذا الكلام فيما سلف وانفصل فيه على انه من المقاتل، وأنه داخل المعنى في فري الأوداج وقطع الحلقوم، لأن ذلك في
[11/2]
[12/2]
كلامهم عبارة عن قطع محل الذكاة، وقد علم أن محلها أيضا المنحر فيما ينحر وما كان المنحر مقتلا إلا لوصول آلة النحر إلى القلب كذلك والذبح سواء واكتفوا في العبارة بالمذبح عن ذكر المنحر وهما سواء، والكليتان والرئة في معنى القلب للاتصال به في الجوف، والاختلاف الذي في شق الودجين من مصير الحشوة انبنى على شهادة هل يلتئم ويصح أم لا؟ والصحيح فيما قالوا أنه يلتئم ويعيش الحيوان بعد ذلك بخلاف القطع والانتشار جملة فإنه لا يلتئم أصلا، والمصير الأعلى هو منفذ الطعام والشراب، وهو المرئ الذي تحت الحلقوم، وينتهي إلى رأس المعدة، ولا خلاف أنه مقتل بخلاف المصير الأسفل فإن فيه اختلافا بين الفقهاء، ووجه وجوب البيان أن البهيمة حينئذ تكون معيبة من جهة الحلية، وبيع المعيب يجب فيه البيان، لأنه قد يرع بعض الناس فلا يريد أكله، وفي رض النخاع خلاف هل يلحق بقطعه أم لا؟ والصحيح أن لا، فإنه قد يبرأ إلا أن يعتريه فساد بحيث يكون لابد من فصله عن مقره، فحينئذ يكون مقتلا، وثقبه في معنى رضه، إلا أن ينفصل منه شيء من ذلك، فإنه مقتل على الصحيح، والذي هو منه مقتلباتفاق قطعه بفصل بعضه من بعض.
[ المصران الأعلى مقتل باتفاق المذهب ]
*وسئل أيضا عن نطيحة مخروقة المصران بقرب المعدة وقع اختلاف فيها بين ناس؟
وهو كله بيان للفرق بين الضررين ، نعم يبقى في الوجه الأول إشكال وهو أن ذلك الضرر إذا كان منفيا بحكم الشرع لم يحتج إلى اشتراط ، فأي فائدة في اشتراطه ؟ إلا أن يقال معناه ألا يضر بها في نفسها وإن استحقت ذلك ، وكذلك ما بعده . انتهى .
[من تزوج امرأة على أحد عبدين له تختاره ، فماتا قبل الاختيار]
*وسئل رحمه الله عما في الكتاب المنسوب لأبي الحسن الصغير إذ تزوجها على أحد عبدين له والخيار لها في التعيين ، فمات قبل أن تختار أحدهما ، قال عبد الحق : ينبغي أن ترجع على الزوج بنصف كل واحد منهما ، أظن أن[11/3]صاحب هذا الكتاب نقل من تهذيب الطالب ، فإني لم أجده في النكت ، وهو مشكل ، فانظره مع قول ابن القاسم في المشتري ثوبا من ثوبين ، فتقوم بينة على هلاكهما قبل التعيين والاختيار ، بل مع ما حكاه عبد الحق في كتاب الخيار . انتهى .
وسئل الأستاذ أبو سعيد ابن لب رحمه الله عن رجل طلق وزجته طلقة خليعة وحضر والدها والتزم له عنها مؤنة الحمل الظاهر بها منه إلى بلوغ الذكر والدخول بالأنثى في ماله وذمته، ثم مات الملتزم ثم وضعت الحمل ولدا ذكرا، ثم ماتت أمه بوقي الولد مع جدته للأم زوجة الملتزم، وترك الملتزم طرازا فكانت الجدة تقبض كراءه حتى تألف من ذلك جملة دنانير وكان ترك دينا لزوجته جدة الولد من كالئ صداقها ودينا أشهد لها به في مرضه الذي مات منه وترك أولا ذكورا وإناثا، وقام الورثة وأثبتوا أن الابن المذكور لم يزل في حضانتها إلى تاريخ وفاته أنفقت عليه من مالها ولم تشهد أنها ترجع عليه فأراد ورثة الجدة أخذ النفقة التي أنفقت عليه وأراد والد الابن أخذ نفقة الابن إلى بلوغه من تركة الملتزم.
فأجاب: الحكم في ذلك وجوب توقيف حظ من متروك الجد حين موته بقدر ما يظن أنه يفي بنفقة الابن المذكور من ذلك الوقت إلى بلوغه، كما التزم في عقد الاختلاع، ويكون هذا الخط الموقوف دينا على الجد من جملة ديونه الواجبة عليه ويورثه عنه السائر، ثم لما ماتت بنت الملتزم وهي أم الصبي كان
[9/4]
[10/4]
بعتك بزر الكتان إلا ربعه أو نحو ذلك لكان ممنوعا لأنه مغيب بيع على سنة جزاف، وقد فاته شرطه، ولو بينا على ما قاله ابن عبد السلام من البناء على أن المستثني مشتري للزم على القول أنه مشتري أن يمنع بيع السنبل اليابس القائم ويستثنى بعضه، وكذلك ما أشبهه لأن بيعه كله جائز، وكذلك جزء منه، وذلك كله مطرد في البارز المرئي المحاط بوصفه كالعنب والتمر، وهو مراد ابن عرفة بقوله: فيلزم إلى آخره.
ولما كان الظاهر بل المتعين نسخة الراء، وكان المنع للجهالة لكونه مغيبا كان عاما، لأنه كالجنين بجامع الغيبة والجهالة، ولا يضرنا كون الجنين أغرق في الغرر والجهالة، إذ الجمع بمطلق التغيب، وذلك كاف في المنع مع ما في استثناء الجنين من مانع أقوى مستقل بالمنع، وهو أن استثناء الجنين مع ما فيه من غرر كقوله بعتك الأمة إلا عضوا منها مثلا يدا أو رجلا وذلك لا يصح، ومسألة استثناء الرأس والجلد قد علم ما فيها.
وإذا قلنا نسخة ابن عبد السلام لو صحت فالمنع مقصور على القول بأن المستثني مشترى، وإياها غمز ابن عرفة بجعله إياها كاستثناء الجنين لا يصح لأن بينهما فوارق، إذ لا يجوز بيع أمة واستثناء عضو منها وجعل الشرع الجنين كعضو، ولو قال أبيعك الكتان ولا أبيعك بزره لكان كقوله بعتك النخل لا ثمره، وذلك سائغ، فإذا تقرر هذا فكلام القاضي كما أشرنا إليه أولا ليس ككلام ابن الحاجب على النون، لأن مراد القاضي ما قررناه، والله سبحانه أعلم، وما استشكلتم والتزمم على نسخة الاستتار فغير لازم لما أشرتم إليه في قولكم: ما يعني بمنع ذلك إلا مجردا عن قشره، وما أحق القول بالموجب هنا، فإن ماله صوان يفسد بزواله فيبعد به، ورؤية ذلك الصوان كافية، فلو عقد على بيع الفول مثلا مجردا عن قشره على الجزاف لكان كبزر الكتان في المنع.
قلت: لا يصح التمسك في ذلك بتلك الأمارات لضعف دلالتها عليه حسبما نبينه. وذلك أن إعراضه عن تعريف صاحب الدنانير المذكورة لا يبعد أن يكون مقصودا منه لفائدة معتبرة شرعا، كأن تكون تلك الدنانير من مال من يتضرر والمقر بتسميته كالعمال أو الجبابرة أو الموتى الذين لا وارث ليهم أو الأحياء الغيب، إذ يخاف أن ينشأ عن تسميته إياهم مطالبة ولاة الأمر له أكثر مما اقر به، لا سيما إن ثبتت مخالطته لهم وخصوصا مع تبد الدول. وعلى هذا التقدير فيكون ادعاه أن رب الدنانير المذكورة أمره بالتصدق بها عنه تسترا منه بذلك. وعلى عدم ظهور أسباب ذلك الاحتمال فغاية ما يقال إن المعترف المذكور أقر بذلك المال على وجه تتطرق إليه فيه التهمة وتشهد العادة ببعده، وليس كل ما كان هكذا ينهض مبطلا للإقرار في الصحة، بل حتى تتضح التهمة بالقرائن القوية. ويدل على ما ذكرناه قول المتيطي(¬1): ومن ابتاع لمن يلي عليه من صغار بنيه ملكا بمال زعم أنه مال ولده المستقر له بيده ولم يذكر له وجها، فهل يصح له ذلك أم لا؟ فيه قولان، أحدهما أنه يصح له. قاله ابن القاسم وبه القضاء وعليه العمل. والثاني أنه لا يصح إلا أن يعرف له مال، وهو قول مطرف وأصبغ(¬2). وفي طرر ابن عات(¬3) عن الاستغناء: إن ابتاع رجل أملاكا وكتبها باسم ابنه ولا يعلم للابن مال، فمالك يلزمه إقراره ويجعلها للابن وإن اعتمرها الأب أو سكت حتى مات، وهو الصحيح وبه العمل، لأنه قد يكون للابن مال بحيث لا يعلم، وأصبغ يجعله تأليجا وليس بشيء.
[11/6]
[من اشترى لابنه الصغير غلاما وأشهد بذلك، ثم مات فالغلام للصبي]
الشروع فيه وإن كان يقوم به عند التثقيف. فلا يتفق الآن وإذا وجب التثقيف فلا حجة لمن قال آخذ الآن
[11/7] وأغرم عند الاحتياج, لأنه يأخذ الآن مالا(¬1) يستحقه, فالواجب عليك أن تنظر فيما أخذت, فإن كان لا يحتاج إليه أيضا فاقسمه على أصحابك محاصة, وغن كان يحتاج إليه فيوقف له صون الدين والعرض واجب, ولن يجد أحد فقد شيئا تركه الله سبحانه لطلبة العلم جعلنا الله سبحانه وأياكم منهم, إنما يعيشون بالدين وصون المرؤة والتنزه عما يشين(¬2) دينهم وعرضهم, فيدفع الانسان اولا عن دينه بماله ثم بعرضه لا بدينه عن ماله أو عرضه. وكتب عن عجل مريد الخير كله لكم عبد الله العبدوسي لطف الله تعالى به.
[أهل البلد لا يجبرون على إصلاح القادوس. وعلى المنتفع بمائه أداء ما ينوبه]
وسئل رحمه الله عن بليدة يجلب لها الماء في قادوس كبير على نحو من أربعة أميال من البلد وذلك الماء المجلوب منتفع أهل البلد, ومنه ماء مساجدها وسقاياتها وحماماتها وشرب جميع أهلها وتعذر من القادوس المذكور مواضع عديدة دعت الضرورة إلى إصلاحها ولم تف أحباس القادوس المذكور بإصلاح ما ذكر, وتعذر إصلاحه من بيت المال, فهل يا سيدي يجب إصلاحه على أهل البلد ويجبرون عليه إن امتنعوا ؟ وإذا قلنا بوجوبه فعلى من يجب هل على ذوي المكنة والرفاهية بقدر ظاهر أموالهم يفرض ذلك عليهم ؟ أم على جميع أهل البلد أغنياء وفقراء على حسب السوية, لتساوي انتفاعهم به؟ أم لا يجب على أحد بل يندبون ولا يجبرون ؟ بينوا لنا ذلك مأجورين, والله تعالى يبقي بركتكم للمسلمين, والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
فأجاب: الحمد لله تعالى دائما الجواب والله سبحانه الموفق للصواب بمنه إنهم لا يجبرون على إصلاحه في ظاهر الشرع, ولا يجب ذلك عليهم
[
11/8]وأجاب بعقبه الفقيه أبوالفضل راشد بما نصه: جواب الفقيه المذكور أعلاه صحيح، ولا حق للأعلين في ذلك إلا ما فضل عن قدر غروس الأسفلين القديمة، وكتب بذلك راشد بن أبي راشد الوليدي. وتقيد بعقبهما ما نصه: الحمد لله. ممن وقف على خط الشيخ الفقيه العالم العلم أبي الفضل راشد بن أبي راشد الوليدي المرسوم في السطر فوقه، وتحقق أنه بالخط المعهود منه أيام حياته من غير شك لحقه في ذلك ولا ريب، وقيد على ذلك شهادته لوفاة في خامس وعشرين رمضان عام تسعة وثلاثين وسبعمائة، يوسف بن إسحاق بن إبراهيم الصنهاجي، وعبدالسميع بن أبي زيد الوليدي. وتقيد عقبه أديا فثبت، ممن قابل جميع ما انتسخ فيه بأصله المنقول منه فماثله، وأشهده مع ذلك قاضي الجماعة بفاس عبدالله بن أحمد بن محمد الأزدي أعزه الله تعالى، وكلاهما بثبوت الرسم المقيد عقب الجوابين المنصوص ذلك كله آنفا، لصحته واستقلاله، وذلك من أشهده حفظه الله تعالى بمجلس نظره ومقعد قضائه وحكمه، من المدينة المذكورة في أواخر شهر رمضان المعظم من عام تسعة وثلاثين وسبعمائة.
وأجاب الفقيه سيدي أبوالحسن الصغير بما نصه: أكرمكم الله. كون الماء المذكور متملكا لأجل أزجان غير معلوم، وعليه جاءت أجوبة الشيوخ رحمة الله عليهم، وهي صحيحة لا إشكال فيها أن الماء المتملك حكمه إذا غرس لأعلى والأسفل عليه معا، أو غرس الأعلى قبل الأسفل أن يكون للأعلى حق بمقدار كفايته، ثم يرسل فضله على الأسفلين، على ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ميزور ومذينب. وإن غرس الأسفل قبل الأعلى انعكس الأمر، فيكون الأسفل أحق بمقدار كفايته، ثم يكون الفضل للأعلى هذا قول ابن ( )(¬1) رحمه الله في كتاب السداد والأنهار من العتبية، وبه أفتى ابن رشد رحم الله تعالى جميعهم في نوازله، ووجهه أن الأسفل إذا غرس قبل الأعلى فقد استحق قدر كفاية غرسه، فليس لأحد أن يحدث ما يبطل ما
[11/8]
[
وسئل فقهاء قرطبة بما نصه: يا سادتي وأوليائي وعدتي ومن أدام الله نفعهم وأبقى بركتهم، قام عندي أحمد بن عبدالله وذكر أن عبدالرحمن الوساد شرع في فتح حانوت قبالة داره وأنه إن تم فتحه اطلع منه على أسطوان داره ولم يخف من يتصرف فيه من أهله وأن في ذلك عليه ضررا بينا فكلفت إثبات ما ذكره من الضرر بعد أن وقفت عليه عبدالرحمن الوساد المذكور ورفعت يده عما كان شرع فيه فأظهر إلى كتب استرعاء ثبت عندي على نصه بشهادة من أعملت على شهادته فيه بخط يدي وكتبت الحيازة ما ترونه وثبت ذلك عندي في مجلس نظري وتقيد على ظهر كتاب الاسترعاء ما ترونه من الإعذار إليه ومجاوبته في ذلك، وثبت عندي جوابه في مجلس نظري أدرجت نسخة كتاب الاسترعاء والحيازة في أسفله على حسب ما ترونه وثبت ذلك عندي في مجلس نظري وتقيد على ظهر كتاب الاسترعاء ما ترونه من الإعذار إليه ومجاوبته في ذلك، وثبت عندي جوابه في مجلس نظري أدرجت نسخة كتاب الاسترعاء والحيازة في أسفله على حسب ما ترونه وأعذرت في ذلك إلى عبدالرحمن الوساد المذكور وما تقيد في أسفل الحيازة من جوابه وعلى ظهره من الإعذار إليه، فتصفحوه يا سادتي وأوليائي فيما أدرجته إليكم وجاوبوني بما ترون في ذلك مأجورين موفقين إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم يا سادتي وأوليائي وعدتي ورحمة الله وبركاته.
فأجاب الفقيه أبوالمطرف: يا سيدي ومن أبقاه الله وسلمه وأيده بتوفيقه، ما أثبته عندك أحمد بن عبدالله لا منفعة له فيه ولا يمنع عبدالرحمن الوساد من فتح الحانوت، وفقك الله يا سيدي وأعانك على ما قلدك والسلام.
قيل : القرون كلها إذا استقريتها بالنسبة إلى ملوكها وعلمائها في كل قطر لا يخلو أول كل قرن من بركة في العلماء أو في الملوك ، لما أجرى الله العادة أن كل قرن فيه خير ، وخيره يغلب شره . وقد شاهدنا من ذلك رأس القرن التاسع من الله على أهل افريقية بأمير المؤمنين المتوكل على الله القائم بأمر الله المجاهد في سبيل الله أبي فارس عبد العزيز بن الخليفة أمير المؤمنين أبي العباس بن الأمراء الراشدين الحفصيين ، فقطع الله به أهل الزيغ والفساد ، من أهل البادية والبلاد ، وقاتل المحاربين وأهل الخلاف ، كما قاتل الكفار حين نزلوا بالمهدية وجاهدهم في الله حق الجهاد ، ومزق جمعهم وشردهم في الصحاري والبلاد ، وأخذ أموالهم وسبى دراريهم وألجأهم إلى أشر البقاع ، وقطع كثيرا من المكائد والمكوس ، وقهر أهل الشر والبغي وأحيى دولة الموحدين والحفصيين بعد أن كادت تدرس وغلبها أهل الخلاف ، واشتهر عدله وسيرته في أقطار الأرض ، وصار له أوفر نصيب في الحرمين الشريفين في إقليم الحجاز ، وذكر وفخر في الدعاء له في تلك البقاع ، ولحقه أشرف الشرفاء بإفريقية القاطنين بذلك الاقليم وأهدوا له من خواص الكعبة مثل مفتاحها وبعض خاصة لباسها ولباس التربة الشريفة وغير ذلك ، فجزاه الله عن المسلمين والإسلام خيرا ، وأحياه للمسلمين بخير ، وختم له بالشهادة بعد عمر طويل ، وجعله من الأئمة المهتدين ، فالحمد لله على هذه النعمة ابتداء ودواما والشكر لله انتهى .
[لا ينتقض تقديم المقدم للمناكح بموت الذي قدمه]
فأجاب المنكر بأن قال: هذا استدلال باطل لأنه في غير محل النزاع لأن مسألة المدونة بعد الوقوع وهو صريحها وكلامنا ابتداء. وأيضا قولها: لا بأس يدل أن تركه له أولى وأيضا فقد خرج أبو داوود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تعمل نعلك في قبلتك ولا يمينك ولا يسارك بل بين رجليك. أو كما قال.
فأجابه الآخر بأن قال: هذا باطل لأن الشوشاوي قال: هذا إذا كان القدم ليس في وعاء وأما إذا كان في وعاء فلا بأس وقال اللخمي: ان كان النجس مستورا جاز إدخاله المسجد. وفي مسألتنا في وعاء.
قيل استدلال المجيز بكلام اللخمي لا ينهض، إذ لا يلزم من جواز إدخاله المسجد جعله قبلة انتهى.
وأفتى بعضهم فيمن أزال نعلا من موضعه ووضعه بآخر، أنه يضمنه، لأنه لما نقله وجب عليه حفظه. وصوبت هذه الفتوى. قال في إكمال الإكمال عند قوله صلى الله عليه وسلم: كان يصلي في النعل: ظاهرة التكرار ولا يؤخذ منه الصلاة في النعل، وإن كان الأصل التأسي لأن تحفظه صلى الله عليه وسلم لا يلحقه غيره. وهذا حتى في غيره. فان الناس تختلف أحوالهم في ذلك فرب رجل لا يكثر المشي في الأزقة والشوارع، وإن مشى فلا يمشي في كل الشوارع التي هي مظنة النجاسة. وإنما يؤخذ جواز الصلاة فيها من فعل الصحابة رضوان الله عنهم منضما إلى إقراره صلى الله عليه وسلم، ثم إنه وإن كان فلا ينبغي أن يفعل، لا سيما في المساجد الجامعة فإنه قد يؤدي إلى مفسدة أعظم كما اتفق في رجل يسمي هداجا من أكابر أعراب أفريقية دخل الجامع الأعظم بتونس بأخفافه فزجر عن ذلك فقال دخلت بها والله كذا
[11/11] على السلطان فاستعظم الناس ذلك منه وقاموا عليه، وأفضت الحال إلى قتله. وأيضا فإنه يؤدي إلى أن يفعله من العوام من لا يتحفظ المشي بنعله، بل لا يدخل المسجد بالنعل مخلوعة إلا وهو في كن يحفظه انتهى.
وإن قلتم بعدم تقليد غير المشهور البتة ، فما المانع من ذلك مع القول بأنه لا يجب تقليد الأعلم على ما حكاه بعض أيمة الأصوليين ؟ ومع القول أيضا بتصويب المجتهدين وهو أصح القولين ، وكل الرخص صواب ، ولا درك على المكلف إذا انتقل من صواب إلى صواب ؟ وقد أفرد لهذا المعنى الإمام أبو إسحاق الشاطبي - رضي الله عنه وعنكم - كتابا في موافقاته كما في علمكم يقتضي من أوله إلى آخره أن المقلد أو المفتي لا يحل له أن يفتي إلا بالمشهور ، وقال الباجي فيه وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع في منع الفتيا بغير المشهور . قال والمقلد مثله ، وربما حكى الإجماع في مواضعه من كتابه ، ونحوه عن ابن حزم . قال ابن عرفة فيه هو مردود ، بفتيا الشيخ الإمام المحقق الورع المصري عز الدين بن عبد السلام ، وكذا ما يذكر
[10/12]
[11/12]
عن ابن أبي جمرة وأنه لا يحل أن يفتي في دين الله إلا بالمشهور . وفتيتا المازري حين أفتى بمنع اقتضاء الطعام من ثمن الطعام . وقد أوجب إجماعات هؤلاء القوم وفتاويهم حيرة عظيمة ، فاكشفوا بفضلكم ما غشي أبصارنا كشف الله عن قلوبكم حجب الغفلة ، وأمد أبصاركم بنور من لدنه طول أيام المهلة .