71/1] قلت: فبناء هذا الجواب على أن المحرم اتحدت في حقه الجهة ويستحيل اجتماع الوجوب والحرمة في الشيء الواحد من جهة واحدة إلا عند من يحسن تكليف ما لا يطاق, بخلاف الخف المغصوب وما ذكر معه فيصح اجتماعهما على مذهب الجمهور لاختلاف الجهة. ورد شيخنا ابن عرفة رحمه الله جواب القرافي بأن المسائل التي ذكر من باب العزائم وكذلك رد الشيخ أبو العباس أحمد بن ادريس البجائي قياس القرافي المسح على الخف المغصوب على المتوضىء بالماء المغصوب بان الماء المغصوب بنفس استعماله في الوضوء فات وتعلقت قيمته بذمة الغاصب وبطل وجوب رد عينة, سواء قلنا كل عضو يطهر بانفراده أو لا, فما حصل الوضوء به إلا حالة فواته وتعلق قيمته بذمته, لإحالة وجوب رد عينه.
هو فيه نحو الله تعالي (اليوم أكملت لكم دينكم ) ويجوز أن يكون اليوم طرفا
وشهرا مفعول أصوم الواقع في اليوم . أو يكون المعني أصوم من الأيام المسمي
باسم هذا اليوم شهرا , فهذه سبعة معاني يحتملها هذا اللفط , وانطر هل يزاد
عليها معني يدل الغلط والبدء . فعلي اعتبار المعني االاول الذي اتخزتم أكثر ما
يلزمه ان يصوم من لمثال ذلك اليوم الموافق في الاسم خمسة وعلي الثاني يلزمه
واحد وعلي باقي الاحتمالات غير السابع يلزمه ايام شهر يكامله من غير تعيين
أيام مسمات فان صامه بالهلال أجزأ ناقصا علي المشهور والا فقولان علي نطر
طاهر في استفادة هذا الخكم من الاحتمال الثالث , ويحتمل أن يزاد غلي الشهر
يوما ان صح بدلا البدا فتأملوه , وعلي الاختمال السابع سلزمه ثلاثون يوما
مسماه باسم ذلك اليوم الذي أشار اليه . وانما تعين الاحتمال السابع المفتي به
دون غيره لأن لفط النذر لما احتمل اكثر وأقل بطل الاقل لأن الذمه لا تتيقن
براءتها , وهو الاحتمال الأول والثاني , وبطل ماعذا السابع أنها وان
شاركته في كونها الأكثر الا أنه بقي احتمال كون اسم اليوم مقصودا فلا تبرأ
الذمه بيقين الا بالمفتي به أنه يستلزم اكثر وتعين الأيام المسماه وهو في
غاية الوضوح وهذا علي القول في هذه القاعده أنه لا يبرأ الا باللأكثر , واما علي .
[91/2]
[92/2]
انه يبرأ بالأقل فانه يلزمه صوم بوم واحد من المسمب بذلك اليوم في شهر من
الشهور كما هو الأحتمال الثاني , ويشبه أن يكون ما اخترتموه انتم استحسانا
حكما بين حكمين وهو غايه في الحسن وان كان من احداث قول ثالث .
قال ابن الحاجب في الصيام . وكره مالك نذر الصوم أو غيره بشرط
أو غيره , ويجب الوفاء بالطاعه منه , فان كان اللفط محتملا لأقل لأكثر ففي
براءته بالأقل قولان , مثل نذر شهر أو نصف شهر .
وفيها ان صام شهرا بالهلال أجزأه ناقصا , وأما بغيره فيكمل انتهي .
وأما ما كتب به الفقيه اليزناسني بأنه إذا فسخ نكاحه وإرادته ، زوجها منه الإمام ، إنما هذا فيمن تستأمر كالثيب والبكر التي لا أب لها ؛ وأما ذات الأب فليس ذلك للحاكم ولا لغيره ، فإن احتج محتج بأن إنكاح القاضي لها ، غايته أن يكون فاسدا ، والنكاح الفاسد يرفع إجبار الأب لها على النكاح ، قيل لا نعلم إذا كان النكاح فاسدا ووقع الدخول برفع الإجبار إذا زوجها أبوها برضاه ، والفسخ إنما جاء بطريق الشرع فصار مغلوبا على الفسخ ، وأما في مسألتنا ، فصار الأب مغلوبا عليه وزوجت بغير رضاه ، فكأنها لم تخرج من ولايته ، وحكم الحاكم إذا كان فاسدا ، لا يخرج الشيء عن اصله ، وهذا موجود في المدونة وغيرها .
[
قال: وكل ما وصفت لك من هذا فهو قول مالك وأصحابه هذه المسألة ما ذكر فيها البينة، لأن البينة في مثل هذا لا يمكن القصد إليها، فقل ما يمكن بموافقتها في مثل هذا المعنى، ولا مكان هذا القليل ذكرها ابن القاسم يمكن أن يشهده عند قدومه من سفره يسأله عن حاله ما أطلقه من أهله فيجري من قوله إنها حامل، فإذا كان هذا أو ما جرى مجراه أكذبه إن هو قال: ما علمت بالحمل، فإذا لم تكن إلا هذه المدة فليس فيها ما يتبين كذبه فيهما، قال: إن قال: ما رأيت حملا ولا علمت به، ولكن إن أقر أنه رآه أو علمه فسكت وفي نفسه أنه سيقوم واعتذر أن سكوته بعد علمه إنما كان لهذا، لم ينفعه عندهم، فلذلك جرى فيما ذكر ابن المواز ذكر الإقرار لكثرة إمكان قوله، ولم يجر فيه للبينة ذكر لقلة إمكان كون ذلك ما فهموما ما ترجموا به الجواب إلى الصواب فتعتمدوا عليه، واعلموا أن ما علمت في شيء مما وصفته في هذه المسألة عن مالك ومن قال بقوله خلافا لما وصفته، ولا علمت أن أحدا من
[75/4]
[76/4]
أهل مذهبنا تأول عن هذه المسائل غير ما تأولته وشرحته، وأن في السنة الثابتة ما يؤيده، فأمسكت عن ذلك لئلا أطيل في هذا الموضع بذكر ما يستغنى عن ذكره، لا حرمنا الله وإياكم التوفيق بمنه.
[حكمة مشروعية اللعان]
ابن العربي: شرع الله العان مخلصا من المحنة بتلطيخ الفراش وشافيا من الغيظ في رؤية المكروه، وقطعا لعلائق النسب الباطل عن الأب، وقال أيضا: اللعان مستثنى خص الله به آية القذف وجعله للزوج تخلصا من الذي عاين من الحادث العظيم في عرضه، ورفقا للطعن عنه في أهله، ابن عرفة: لا نص في حكمه.
[آخر لعان في الإسلام كان بقرطبة عام 388]
ابن عات لاعن ابن الرندي فعوتب، فقال: أردت إحياء سنة قد دثرت، قال: وكان لعانه لزوجته بحكم صاحب الشرطة ابن الشرفي، فكانت ملاعنتهما في المسجد الجامع بقرطبة سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. انتهى.
قلت: لا قال في الثلاثة من رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب السلم والآجال ما نصه: وقال فيمن أسلف وبيه قمح فلابد أن يأخذ نصف وبيه قمح ونصف وبيه دقيق أو شعير أو تمر فإنما مثل ذلك مثل الرجل يكون له على الرجل دينار فيأخذ منه دينارا عينا ويأخذ بالدينار الآخر ما شاء قمحا أو دراهم، فأن قال قائل فالدينار لا يصلح أن يأخذ نصفه عينا ونصفه شيئا آخر فالويبة بمنزلة فليس كذلك لأن الدينار لا يتبعض الوبيه تتبعض في الكيل بمنزلة الدينارين انتهى، محل الحاجة من الرواية. ابن رشد قد بين أن ابن القاسم وجه قوله فيما أجازه من أن يأخذ الرجل من وبية قمح نصفها دقيقا أو شعيرا أو تمرا وجعل أشهب في رواية ابن أبي جعفر عن الوبيه الواحدة كالدينار الواحد فلم يجز ذلك فيها وقول ابن القاسم أصح لأن الوبية الواحدة كالدنانير والدراهم المجموعة، ومحل الدليل من السماع قوله فإنما مثل ذلك مثل الرجل يكون له على الرجل ديناران فيأخذ منه دينارا عينا ويأخذ بالدينار الآخر ما شاء قمحا أو دراهم فهذا السماع كما ترى نص في جواز اقتضاء الورق أو العرض عن دينار قائم من جملة دنانير ثم يقتضي عن بقيتها ذهبا أو ما شاء، ولما نقل ابن يونس تقييد إطلاق المدونة بما تقدم عن ابن أبي زمنين وسحنون قال موجها له ما نصه: لأن الدينار المجموع هو بمنزلة الجملة من الدنانير فلا بأس أن يأخذ بعضها دنانير وبعضها دراهم، انتهى فهذه كلها نصوص تقتضي الجواز مع
[76/5]
قلت: ولا يلزم على اعتقاده رضي الله عنه أن ليس في مسألتكم إلا قول الأخوين نفوذ الحكم لكم لوجود شرطه الذي هو الحوز عندهما حسبما أنبأ عنه رسم الابتياع في حكايتكم. وحينئذ لا يبقى في المسألة على ذلك الاعتقاد قول قوي أو ضعيف يراعي خلافه بعد النزول في نفوذ حكمه عليكم. والقاضي الإمام ابن رشد رحمه الله في رسم الشجرة من سماع عيسى من كتاب الهبات والصدقات نقل القول بالنفوذ والإمضاء في مسألتكم أن تضمن عقد ابتياع الوالد الحوز عن مالك قال: وهو قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ في الواضحة ونقل القول بعدم الصحة وإن حاز الأب، عن ابن القاسم من رواية عيسى من كتاب داوود وأصبغ في سماعه كل ذلك في الكتاب المذكور وإلى اختصار القولين أشار الإمام العالم الحافظ أبو عبد الله ابن عرفة رحمه الله بقوله:
وفي شرط صحتها فيما لا يحاز بلفظ ولي أو بلفظ العطية أو ما يستلزمها قولان لسماع ابن القاسم: من أشهد أنه ولي ابنه الصغير حائطا بثمن هو أقل من قيمته، ومات صح للابن إن حازه له مع ابن رشد عن الأخوين وأصبغ في الواضحة. وقول ابن القاسم في كتاب داوود مع أصبغ في سماعه.
وأنتم حفظكم الله إذا وقفتم على نقل ابن رشد هذا وما تحصيله،
[90/6]
فأجاب أما المسألة الأولى فكل ما ثبت أنه من حق الحبس بإقرار الرجل المذكور به على نفسه أو ببينة تقود عليه فيلزمه كراء المثل بالغا ما بلغ, لكن إن ثبتت له أنه كان فيه زبل ببينة تقوم على مقداره وكان لا يمكن الانتفاع بالأرض
[78/7] إلا بإزالته, وأثبت المنتفع المذكور أنه أزاله فإنه يحاسب بقيمة إزالته فيما لزمه من كراء المثل, وما عينه للحبس كان حبسا, وما أنكره واتهم في اقتطاعه أحلف على ذلك فإن امتنع من إعطاء ما وجب عليه من ذلك كان فاسقا مجروح الشهادة والإمامة والأمانة, ويجبر على إعطائه إن قدر على جبره. وأما الثانية فالقول قوله في مقدار ما عين للحبس مع يمينه, وكراء المثل لازم له في ماله في مقدار المدة التي مضت بعد مدة موروثه, ولازم لموروثه في تركته في المدة التي مضت في حيازته, اللهم إلا أن يقال إن الناظر المتقدم أقاله من الكراء ومكنه الآخر من الموضع المذكور, ولم يثبت عليه انتفاع به بعد الإقالة, فحينئذ يسقط عنه الكراء من حينئذ, وإلا فالكراء لازم له, لأنه باق في حوزه وخلف حائطه, وتثبتوا في المسألة, فإنها كتبت صحبة هذا على خلاف ما كتبتم, الله سبحانه أعلم, وبه التوفيق.
[يجوز أن يحدث في الحبس ما فيه منفعة]
وسئل الفقيه أبوالضياء مصباح عن رجل له رمكة وهب منها الربع لرجل، ثم باع الربع الثاني من رجل آخر وبقي بيده النصف الآخر، ثم إن مالك النصف دعا إلى البيع صفقة، فهل يجبر الشريكان على البيع صفقة اتباعا لما تدل عليه مسائل المدونة؟ فمن ذلك قوله في المدونة في كتاب التفليس: ولا يجوز لأحد الشريكين في العبد أن يأذن له في التجارة دون صاحبه، وكذلك قسمة ماله لا يلزم ذلك من أبى منهما لأنه ينقص العبد. ومن دعا منهما إلى بيعه فذلك له، ومن ذلك قوله في الشفعة: ومن كان بينه وبين رجل عرض مما لا ينقسم فأراد بيع حصته قيل لشريكه بع معه أو خذ بما يعطى، ومن ذلك قوله في كتاب القسم: وإذا دعا أحد الشريكين إلى قسمة ثوب بينهما ما لم يقسم، وقيل لهما تقاوماه فيما بينكما أو بيعاه، ومن ذلك أيضا قوله وإذا دعا أحد الأشراك إلى قسمة ما ينقسم من ربع وحيوان أو عرض المسألة إلى آخرها لم يفصل في هذه المسائل بين ما يراد للتجارة وما يراد للقنية، ولا بين ما اشتراه الأشراك جملة وفي صفقة أم لا؟ أو لا يجبر الشريكان على البيع صفقة إذا لم يكن مدخلهما واحدا بأي وجه كان على ما ذهب إليه الأشياخ في تأويل المسألة.
وقال بعض أصحابنا ممن تكلمنا معه في عين المسألة إن الأصيل إذا دعا إلى البيع صفقة أجبر الداخلان على البيع معه. وإن دعا الداخلان إلى البيع صفقة لم يجبر الأصيل على البيع، وذلك والله أعلم تحكم منهم، فلم يتمسكوا بظاهر المدونة لأنها تدل على البيع صفقة دعا إلى ذلك الأصيل أو الدخيل، ولا بما ذكره عياض عن مسألة المدونة لأن ذلك يدل على عدم البيع
[78/8]
[
وسئل اللخمي عمن أودع عقد جوهر لامرأة فجعله في تابوته مع متاعه فنقب التابوت وضاع بعض ما فيه وسلم العقد فجعله في الحائط من المخزن الذي كان به وسواه وطين عليه قصد التحفظ، ثم طلبه بعد ذلك فلم يجده، فهل يضمن أم لا؟ وإذا وجبت نفقته فهل هي على صاحب الوديعة أو المودع؟
فأجاب: فعله أولا جائز لقصد التحفظ وينظر في هذا الموضع الذي بها المال ويكشف عنها فإن قال الناس لا شيء فيها لعدم الإشكال غرمها المودع لأنه تبين كذبها، وإن قيل انه قد يخفي في تلك المواضع فلا يقطع
[89/9] فيها بشيء فلا شيء عليه إلا أن يكون العقد له ثمن كثير وأراد رب الوديعة هدمه ويعيده من ماله فله ذلك، فإن لم يوجد فيه بعض النقض غرمه المودع ولا يلزم الآخر إعادته.
[من توفي وعنده ودائع لمعلومين وأخرى لمجهولين]
وسئل عمن توفي وعنده ودائع لمعلومين وأخرى لمجهولين فكتبوا عليها وديعة فأخذها القاضي ودفعها لرجل تحت يده على وجه القهر منه ثم صيرها القاضي لأربابها ببراءات عند هذا المودع وثبت ذلك في ديوان القاضي وحدق على كل من قبض منها لمعين أخذ متاعه أو بعث ببراءة في المجهول في صرفها كما يجب، ثم عزل القاضي وجاء آخر فقام الأول وطلب من هذا المودع المال وهو لم يدفعه له إلا القاضي وصرفه له كما ذكر فهل يلزمه ضمان مع أنه مكره أم لا؟ وكيف إن اشترى هذه الودائع ليتيم ثم قام ورثة البائع وأثبتوا أن القاضي غصب البائع حتى باع هل يرجع على الرجل الدافع أم لا؟ وعلى من تكون عهدة المبتاع في الثمن؟
واللفظ الذي أشرنا إليه بالاحتمال هو قول القاضي : وثبت عندي أن فلانا اشترى من فلان ، وقوله ثبت عندي لفظ يتردد بين ثبوت حكم وقضية ، وبين استماع لما أثبته من بينة زكية ، دون إيقاع حكم وإبرام قضية . فإن تعسف متعسف ورأى أن الثبوت نص في القضايا والأحكام ، قيل له إنما يتحاكم في هذا لأهل اللسان وأرباب البيان ، وجدنا أهل اللسان يقولون : ثبت عند موت الخليفة ، وخصب أرض كذا ، وثبت عندنا ظلم فلان وعدوانه ، إلى غير ذلك مما علموه بالخبر عنه وتلقوه بالقبول من أفواه العدول مما لا يصح أن ينصب له الحاكم وتطلب فيه القضايا والأحكام .
وجملة الأمر أن المعتبر بالثبوت لغة حصول الأمر وتحققه ، ولهذا حد بعض المتكلمين العلم بأنه إثبات المعلوم على ما هو به ، وإن كان هذا الحد مرغوبا عنه عندنا ، والروايات مسطورة بصحة ما قلناه . قال أشهب : إذا كتب قاض إلى قاض بأمر مختلف فيه ، والمكتوب إليه لا يرى ذلك الرأي ، فإن كتب إليه قاض بأمر مختلف فيه والمكتوب إليه لا يرى ذلك الرأي ، أنه حكم بما فيه كتابه وأنفذه جاز ذلك ، وأنفذه هذا ، وإن لم يكن قطع فيه الحكم [72/10] وإنما كتب بما ثبت عنده للخصم فلا ينبغي له أن يعمل برأي الكاتب . ومثله لابن حبيب عن الأخوين . وفي الموازية : يجب إنفاذ ما في كتاب القاضي لقاض إن كان فيه أن قضيت لفلان على فلان ، وإن لم يكن في الكتاب الفراغ من الحكم فعلى المكتوب إليه أن يتم الحكم ولا يستأنفه .
ابن عرفة : مسألة النزاع بين المازري ومنازعه مبنية على تحقيق أمرين :
72/11] حجة في نفسه. فإن قلت وأين من سمع من النبي صلى الله عليه وسلم غير أصحابه؟
قلت: قد ألحق المحققون بذلك ما وثق بصحة طريقه كصحيح البخاري ومسلم، وما صححه أبو عيسى فعلى الذي يثق بشيء مما شملته هذه الكتب من ذلك أن يلحقه بما تلقاه من النبي صلى الله عليه وسلم أو من رآه أو رواه عن الشيخ المسمع ويتخذه دليلا للحكم لا سيما على القول بأن منصب الاجتماع يتجزأ وأنه يقال في بعض الأحكام دون بعض على ما ذهب إليه كثير من أهل العلم. وبه أخذ حجة الإسلام. فمن نظر في مسألة المشتركة، فيكفيه أن يكون فقيه النفس عارفا باصول الفرائض ومعانيها، وإن لم يكن فتحصل الأخبار التي في المسكرات ومسألة النكاح بلا ولي إذ استمداده لنظر هذ المسألة منها. ولا تعلق لتلك الأحاديث بها، فلا يضر الجهل بها ولا الغفلة عنها. ومن عرف أحاديث مثل المسح وطريق التصرف فيه، فلا يضره قصوره من علم النحو المتعلق بالباء في قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾ وقس عليه ما في معناه. وعلى هذا الطريق ما انقطع الاجتهاد، بل هو موجود باق حتى الآن ولو أنا مررنا على الطريق الآخر، وأن الاجتهاد إنما يكون مطلقا ولا يتجزأ، وإنما يكون لمن يفتي في جميع الشرع، وانه معدوم في زماننا وقبله بأعصار، لكن المقلد المطلع على المآخذ أهلا للنظر موجود، والنزاع في وجوده مكابرة. ومع هذا فلا يمتنع على المفتي من المقلدين بأن يختار في مسائل الخلاف ما ترجح عنده، بل لا ينبغي له غير ذلك، ولذلك اشترطوا في المفتي المقلد أن يكون بهذا الوصف، مطلعا على المآخذ، أهلا للنظر فتكون فتواه على وفق مطلعه ونظره، وإلا فلا فائدة لهذا الشرط، بل قد عيب على من يقلده ويجمده مع مقلده، حتى قال عز الدين: إن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلدا له فيما قال، كأنه نبي أرسل إليه.